عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 03-03-2024, 09:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأربعــون الوقفيــة

الأربعون الوقفية (15)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملاً, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
وفي الحديث الخامس عشر يخبرنا ويبشرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بأن الخازن المسلم المؤتمن، الذي عمل على حفظ الأمانة ورعاها، وأداها كما أَمر بذلك صاحبها، مع طيب نفس منه، فهو بهذا يكون أحد المتصدقين.

الحديث الخامس عشر:
فضل نظارة الوقف
عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الخازنَ المسلمَ الأمينَ، الذي يُنْفِذُ (وربما قال يُعطي) ما أُمرَ به، فيعطيه كاملاً مُوَفَّراً، طيبةً به نفسُهُ، فيدفعُه إلى الذي أُمر له به؛ أحدُ المتصدقين»(1).
من فضل الله تعالى على عباده أن جعل المشارك في الطاعة مشاركاً في الأجر، فالصدقة طاعة وقربى إلى الله، والمتصدق له الأجر العظيم من رب العالمين، وهذا الأجر لا يناله فقط صاحب الصدقة، بل من كان مسلماً وخازناً أميناً لها، يرعاها ويؤديها بحقها، ملتزماً شروطها، مع الرضا والسرور، وطيبة النفس منه، فله بذلك أجر كما لصاحب الصدقة أجر، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، لهذا نصيب بماله، ولهذا نصيب بعمله، لا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله.
قال النووي: «فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء.. واعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن.. من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن إذن أصلاً فلا أجر للخازن بل عليه وزر بتصرفه في مال غيره بغير إذنه» (2).
وقال ابن حجر في فتح الباري: «وقد قيد الخازن فيه بكونه مسلما فأخرج الكافر لأنه لا نية له، وبكونه أمينا فأخرج الخائن لأنه مأزور، ورتب الأجر على إعطائه ما يؤمر به غير ناقص لكونه خائناً أيضاً، وبكون نفسه بذلك طيبة لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لا بد منها» (3).
وفي شرح الحديث قال الشيخ محمد بن صالح عثيمين - رحمه الله -: «الخازن مبتدأ، وأحد المتصدقين خبر، يعني أن الخازن الذي جمع هذه الأوصاف الأربعة: المسلم، الأمين، الذي ينفذ ما أمر به، طيبة بها نفسه.
فهو مسلم: احترازاً من الكافر، فالخازن إذا كان كافراً وإن كان أميناً وينفذ ما أُمر به ليس له أجر؛ لأن الكفار لا أجر لهم في الآخرة فيما عملوا من الخير، قال الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}(4)، وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(5)، أما إذا عمل خيراً ثم أسلم فإنه يسلم على ما أسلف من خير ويعطى أجره.
الوصف الثاني: الأمين، يعني الذي أدى ما ائتمن عليه، فحفظ المال، ولم يفسده، ولم يفرط فيه، ولم يعتد فيه.
الوصف الثالث: الذي ينفذ ما أمر به، يعني يفعله؛ لأن من الناس من يكون أميناً لكنه متكاسل، فهذا أمين ومنفذ يفعل ما أمر به، فيجمع بين القوة والأمانة.
الوصف الرابع: أن تكون طيبة به نفسه، إذا نفذ وأعطى ما أمر به أعطاه وهو طيبة به نفسه، يعني لا يمن على المعطى، أو يظهر أن له فضلاً عليه بل يعطيه طيبة به نفسه، فهذا يكون أحد المتصدقين مع أنه لم يدفع من ماله فلساً واحدا»ً(6).
والمؤتمن هو أحد المتصدقين، فالمتصدق طرف والمؤتمن على تلك الصدقة طرف آخر، وكلاهما ينالون من الله تعالى الأجر بهذا العمل؛ فالذي يرعى الصدقة ويحفظها ويوصلها إلى مستحقيها، ويصرفها بالوجه الصحيح الذي اشترطه صاحب الصدقة، وكان أميناً على ذلك المال فلا يحابي ولا يداهن، ولا يمنُ على أحد، فيعطيه كاملاً من دون أن يقتطع لنفسه منه، وهو في نفس الوقت فرح مسرور بهذا العمل، لأنه نقل الأمانة من صاحبها إلى مستحقها.
وناظر للوقف، هو مؤتمن على أصل وريع ذلك الوقف، وكل من يعمل في المشروع الوقفي هو مؤتمن لذلك الأصل المحبوس. فالناظر للوقف هو خازن مؤتمن، مكلف برعاية ما أؤتمن به، فإن أدى هذه الأمانة موفرة كاملة، غير منقوصة أو مستغلة، مع طيب نفس ورضا وسرور منه، بهذا يكون هو أحد المتصدقين، أي له ثواب كالمتصدق لأنه أعان صاحب المال على إيصال المال والصدقة إلى مستحقيها.
فكل وقف لا بد له من متول يدير شؤونه ويحفظ أعيانه، وذلك بعمارته وصيانته، واستثماره على الوجه المشروع، وصرف غلته إلى مستحقيه بمقتضى وثيقة الوقف، والدفاع عنه والمطالبة بحقوقه، كل ذلك حسب شروط الواقف المعتبرة شرعاً(7).
ويشترط فيمن يتولى النظر على الوقف جملة من الشروط هي:
1- الإسلام: وذلك لأن النظر ولاية ولا ولاية لكافر على مسلم.
2- العقل: فلا يصح أن يتولى النظر مجنون.
3- البلوغ: فلا يصح تولية النظر لصغير.
4- العدالة: هي المحافظة الدينية على اجتناب الكبائر وتوقي الصغائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة. فلا يصح تولية النظر لفاسق أو خائن للأمانة.
5- الكفاية: وهي قدرة الناظر على التصرف فيما هو ناظر عليه بما فيه المصلحة(8).
والناظر يستحق أجرة مناسبة، لقاء ما بذله من جهد ووقت في إدارة الوقف. وذلك في كل شهر أو سنة أو مقداراً نسبياً معيناً من الغلة نظير قيامه بأمور الوقف ورعاية مصالحه، وقد استدل العلماء على حق الناظر في الأجرة، بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عاملي، فهو صدقة»(9). قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف، ومراد العامل في هذا الحديث القيم على الأرض(10).
وكما استدل العلماء بما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عندما وقف عمر أرضه بخيبر، حيث قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقاً بالمعروف، غير متأثل فيه(11).
والناظر على الوقف يستحق أجرة المثل، ولا يزاد على ذلك إلا إذا كانت تلك الزيادة بتحديد من الواقف. فيعطى هذه الزيادة إتباعاً لشرط الواقف، وهو لا يستحقها باعتبار إدارته للوقف، وإنما باعتباره مستحقاً في الوقف(12).
ويعتبر الناظر أمينا على مال الوقف، ووكيلاً عن المستحقين فهو مسئول عما ينشأ عن التقصير نحو أعيان الوقف وغلته وفقاً للقواعد العامة للمسئولية، كما يفترض عليه القيام بتقديم حساب سنوي إلى القضاء وفقا لأسانيد مكتوبة.
لذا يجب على الناظر القيام بكل ما من شأنه الحفاظ على الوقف وعمارته ورعاية مصلحته، لأن إهمال عمارة الوقف أو ترميمه أو إصلاحه قد يؤدي إلى خرابه وهلاكه، وقد أجمع الفقهاء على أن العمارة هي أول واجب يلقى على عاتق الناظر، وعمارة الأعيان الموقوفة مقدمة على الصرف إلى المستحقين سواء في الوقف الخيري أو الأهلي، لأنها تؤدي إلى دوام الانتفاع بالوقف وعدم تفويت منفعة من منافعه.
وللشيخ بن عثيمين – رحمه الله – قول نفيس في التزام الناظر بشروط الواقف نصه: «على نظار الوقف أن يلتزموا بشروط الواقف، وأن يرعوا الوقف ويحافظوا عليه، وأن يحذروا التساهل بحفظ أصله وتوزيع ريعه، قال تعالى: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}(13). والمؤمَّل في النظارِ بذلُ النفيس في تنفِيذ وتحقيق شروطِ الواقف وإقامة ضوابط الوقفِ وتعمير أصوله واستثمارِ محصولِه والسلوك بالمستفيدين ما يوجِب لهم الإكرام والإنعامَ وأخذهم بطرائق الرحمة وسجيحِ الأخلاق وسُبُل الشفقة والإرفاق. روى البخاري من حديثِ أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الخازن المسلم الأمين أحدُ المتصدِّقين»(14).
فوائد من الحديث: الحديث دليلٌ على فضل الأمانة، وعلى فضل التنفيذ فيما وُكل فيه وعدم التفريط فيه، ودليلٌ على أن التعاون على البر والتقوى يكتب لمن أعان مثل ما يكتب لمن فعل، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
وفيه أن الأوصاف التي ذكرت في الحديث شروط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يعتنى بها ويحافظ عليها، ليكون له أجر متصدق. وفيه التأكيد على مكانة وأجر المسلم المؤتمن على أمانة، والذي يعمل بصدق وإخلاص وفاعلية، بلا محاباة ولا طمع ولا انتقاص منها، وبحسن خلق وطيب نفس، فهو بذلك يكون أحد المتصدقين.
وفيه توجيه وحث على القيم الأساسية التي ينبغي أن تتجذر في نفوس العاملين وتتجلى في أعمالهم، من إخلاص وأمانة وصدق وتجرد، فإن ذلك أنفع للمؤتمن في دنياه وأخراه، وأدعى للبركة والتوفيق في عمله.
وفيه الحث على حسن التعامل مع الآخرين، فالعاملون على الصدقات والأوقاف تسلط عليه الأنظار، لأن أهل الخير قد أمّنوهم على صدقاتهم ومشاريعهم، فكل فعل محسوب عليهم، فلا بد أن يكون لدى الشخص الذي يتصدى لهذه المهمة السامية إخلاص في القصد والنية من خلال ابتغاء وجه الله عز وجل وحده بهذا العمل؛ كما يجب أن يكون متبعا فيه للكتاب والسنة، وعليه أن يكون نموذجاً للشخص المتفاني في خدمة المسلمين، وأن يتعامل مع أهل العوز والحاجة بالحسنى والكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة صدقة وتبسمك في وجه أخيك صدقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
فالواجب على كل من جند نفسه للعمل الخيري والوقفي أن يسلك مسالك الإصلاح، وأن يعمل بما فيه الخير للأمة، وأن يجتنب كل شيء يقدح في عمله، لأنه عمل لأجل الدار الآخرة، ورجاء الثواب من الله تعالى. لذا أنصح إدارات العمل الخيري والوقفي أن تهتم في تأهيل موظفيهم ومتطوعيهم وتدريبهم وتنمية قدراتهم في حسن استقبال المراجعين من متبرعين، ومحتاجين، والتعامل مع جميع الفئات بالأخلاق الإسلامية السمحة.
(الهوامش)
1 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم ( 1438). ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب أجر الخازن الأمين برقم ( 1023)، واللفظ لمسلم.
2 - صحيح مسلم بشرح النووي، (7/156- 158)، وبتصرف يسير، مؤسسة قرطبة، ط1 (1412هـ= 1991م ).
3 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ( 3/382)، دار السلام الرياض، ط1( 1418هـ= 1997م)
4 - سورة الفرقان، الآية:23.
5 - سورة البقرة، الآية: 217.
6 - شرح رياض الصالحين، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، (4/461)، دار الوطن، ط1، 1416هـ.
7- أنظر: روضة الطالبين 5/348، شرح منتهى الإرادات 2/362.
8 - أنظر:موجز أحكام الوقف، د.عيسى زكي، ص 11-12.
(9) أخرجه البخاري في الوصايا، باب: نفقة القيِّم للوقف برقم (2776).
(10) أخرجه فتح الباري 5/476.
(11) أخرجه البخاري في الوصايا، باب: نفقة القيِّم للوقف برقم (2777).
(12) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/88، روضة الطالبين 5/348، كشاف القناع 4/269.
13 - سورة البقرة، الآية: 283.
14 - خطبة للشيخ بن عثيمين بعنوان: الوصية والوقف.


اعداد: عيسى القدومي




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.09 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.44%)]