الأربعون الوقفية (12)
جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الثاني عشر فيه البلاغة والإيجاز والبيان لفضل الخيل، وجعلها في سبيل الله تعالى، والترغيب والتوجيه لباب من أبواب جريان الحسنات بعد الممات.
الحديث الثاني عشر: الوقف يثقل ميزان العبد يوم القيامة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، فإن شبعهُ وريَّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة»(1).
الحديث بوب له البخاري باباً اسماه: «باب من احتبس فرساً في سبيل الله، لقوله تعالى: {ومن رباط الخيل}(2). وفيه ترغيب وتوجيه لباب من أبواب جريان الحسنات بعد الممات، وبيان لفضل الخيل وجعلها في سبيل الله تعالى، مبتدؤها «إيماناً بالله»، ومنتهاها «تصديقاً بوعده» الذي وُعد به المحسنون والمتصدقون من ثواب عظيم على ذلك.
والحبس من ألفاظ الوقف(3)، والوقف هو: الحبس، يقال: وقفت الدابة وقفاً أي حبستها في سبيل الله. والحبس: المنع. وهو يدل على التأبيد، يقال: وقف فلان أرضه وقفاً مؤبداً، إذا جعلها حبيساً لا تباع ولا تورث(4). والوقف عند الحنابلة: «تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة»(5).
فمن احتبس فرساً للجهاد في سبيل الله، إن أطعمه وأشبعه، وإن سقاه وأرواه، وإن تحمل روثه وبوله، فكل هذا في ميزان حسنات من احتبسه إلى يوم القيامة.
«وروثه» يريد ثواب ذلك لا أن الأرواث بعينها توزن(6).
يقول الإمام الشوكاني: «فيه دليل على أنه يجوز وقف الحيوان»(7). والحيوان من المملوك المنقول الذي تبقى عينه بعد الانتفاع به غالباً، ولو لم يجز وقفه لما رتب عليه النبي [ ذلك الأجر العظيم.
وفي صحيح البخاري سبق ذلك الباب: «باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وورد فيه حديثان: الأول من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله [ « الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»(8)، والثاني من حديث عروة بن الجعد عن النبي [ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»(9). المراد بها ما يتخذ للغزو بأن يقاتل عليه، أو لحماية الثغور، أو لحفظ المسلمين ورعاية بلدانهم. قال العياض: «في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن، مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير»(10).
والخيل هي الأساس في الجهاد في سبيل الله؛ قال الله عز وجل:{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}(11)، روى ابن ماجه من حديث تميم الداري مرفوعا «: من ارتبط فرسا في سبيل الله، ثم عالج علفه بيده كان له بكل حبة حسنة»(12).
وروى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزر، فأما الذي هي له أجر فالذي يتخذها في سبيل الله فيعدها له، هي له أجر لا يغيب في بطونها شيئا إلا كتب الله له أجرا» (13).
وفي حديث مسلم بالسند إلى أبي هريرة رضي الله عنه تفصيل للخيل الثلاثة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر، فرجل ربطها رياء وفخراً ونواءً على أهل الإسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام، في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء، إلا كتب له، عدد ما أكلت، حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها، حسنات، ولا تقطع طِوَلها فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له، عدد آثارها وأرواثها، حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها، إلا كتب الله له، عدد ما شربت، حسنات» (14).
والخيل شديدة الارتباط بالإنسان، وثيقة الصلة به، قريبة الموقع منه، ونص القرآن على تكريمها، وبيان مكانتها وأهمِّيَّتها، وتحديد موقعها إلى جانب الإنسان، قال تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ}.
وأوقاف المسلمين تعدت حاجة الإنسان لتفي بحاجة الحيوان، وقد وجدنا في ثبت التاريخ أوقافاً خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقافاً للخيول المُسِّنة، والعاجزة كوقف أرض المرج الأخضر بدمشق. وأوقفت في العهود الإسلامية العديد من الأوقاف التي خصص ريعها لخدمة الحيوانات والرفق بها(15).
والحضارة الإسلامية، كانت أكثر حضارات العالم إنسانية، ولها السبق في الرفق بالحيوان ليس بكونها ممارسة اجتماعية، من قبيل التقليد والعرف الاجتماعي، ولكن باعتبارها تعبدا لله وطاعة بما أمر واجتناباً لما نهى؛ فالرحمة بالحيوان قد تدخل صاحبها الجنة، والقسوة عليه قد تدخله النار.
وحينما كانت أممٌ تلهو بتعذيب الحيوانات وقتلها؛ حيث لا ترى أنَّ للحيوان نصيبًا منَ الرِّفق، أو حظًّا منَ الرحمة، كان الإسلام بتشريعاته وأحكامه يرفق بالحيوان الذي له خصائصه وطبائعُه وشعوره، قال تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}(16).
فقد وقفت الأوقاف للتدريب على الفروسية الصرف على الثغور ورد المعتدين، ومنها في العصر المملوكي أوقاف خصصت لتدريب الخيول على الفروسية، ويصرف من ريع الوقف رواتب للمدربين، وللخيول فترة تدريبها وتهيئتها للجهاد.
وهذا لوعي المسلمين منذ القرون الأولى ما للوقف من مقاصد سامية ومصالح ملموسة في الحفاظ على مكانة الأمة وأمنها، فالوقف كان خير معين على الجهاد وحماية الثغور ببناء الربط والمراكز في مناطق التماس مع العدو وتقديم الدعم للمجاهدين، ولاسيما في عهود نشر الإسلام والفتوحات في المشرق والمغرب.
أوقفت أمكنة المرابطة على الثغور لمواجهة الغزو الأجنبي على البلاد، وتبع ذلك وقف الخيول والسيوف والنبال وأدوات الجهاد على المقاتلين في سبيل الله - عز وجل - وقد كان لذلك أثر كبير في رواج الصنعة الحربية وقيام مصانع كبيرة لها في بلادنا، حتى كان الغربيون في الحروب الصليبية، يفدون إلى بلادنا - أيام الهدنة - ليشتروا منا السلاح، وكان العلماء يفتون بتحريم بيعه للأعداء.
وقد بلغت صناعة الأسلحة الحربية الثقيلة والنارية عند المسلمين في أيام الدولة المملوكية مبلغاً عظيماً؛ حيث امتازت بالدقة والإتقـان والمهارة العاليـة في استخدامها مع التجديد والإبداع؛ ما جعلهم ينتصرون على أعدائهم - بعد توفيق الله - في كثير من معاركهم، ولاسيما ضـد الصليبيين والمغول. والأوروبيون استفادوا منها، وبنوا عليها الكثير مما وصلوا إليه الآن من تقنية متقدمة في صناعة مختلف أنواع الأسلحة.
ومن فوائد الحديث: جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات ومن غير المنقولات من باب الأولى، وفيه أن المرء يؤجر بنيته كما يؤجر العامل، وأنه لا بأس بذكر الشيء المستقذر بلفظه للحاجة لذلك(17).
وفيه أن أفضل الخيل ما أعد للجهاد ومدافعة الأعداء والتدريب على الفروسية، وفيه أن الخيل لا غنى عنها في كل زمان، والخير ملازمها إلى يوم القيامة، وفيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب.
وفيه أن كل من احتبس فرساً وجعلها وأعدها للجهاد تقرباً إلى الله تعالى، فإن كل حركة وفعل لها يسجل في حسناته، وفيه أن لفظ حبس هو من صيغ الوقف، ويعني حبس العين وتسبيل ثمرتها، أي التصدق بمنفعتها.
فأعمال العبد على نوعين، أعمال تنتهي عند موت صاحبها، وأعمال تستمر مادامت بعد موت صاحبها؛ والوقف من الأعمال التي يدوم أجرها بعد موت موقفها، ما دام نفعها.
وما من عهد من العهود الإسلامية إلا امتاز بإبداعات وقفية تفي بحاجات وضرورات لازمة لعهدهم، أوقاف قدمت رسالتها ليرى العالم أجمع محاسن ديننا ومعالم حضارتنا، وحددت مصارفها حسب رغبة الواقف، وفي كثير من الأحيان لم تكن تلك الأوقاف مقتصرة على لون دون آخر، ولا على عرق دون غيره، فهي لكل كبدٍ رطبة تدب على الأرض، رجا مُوقِفُها الأجر والمثوبة من الله تعالى، بل كثير من الأوقاف وثقها التاريخ لا يعرف من حبسها وأنفق عليها، فحفظ اسمه عن الخلق ليذكر عند رب البرية.
الهوامش
(1) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، من احتبس فرساً في سبيل الله برقم (2853).
2 - سورة الأنفال، آية 60.
3 - ألفاظ الوقف الصريحة وهي:وقفت، وحبست، وسبَّلت.وأما الألفاظ الكنائية فهي:تصدقت، وحرمت، وأبَّدت.
4 - انظر: اللسان ص63، مادة (أبد).
5 - المغني 8/184.
6 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (7/125).
(7) الشوكاني: نيل الأوطار 6/25.
8 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2849.
9 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2850.
10 - فتح الباري، (7/122).
11 - سورة الأنفال، الآية: 60.
12 - صحيح ابن ماجه، للألباني، برقم 2268.
13 - صحيح الترمذي للألباني برقم 1636.
14 - أخرجه مسلم في صحيحه، برقم 987.
15 - انظر للاستزادة: من روائع حضارتنا، د.مصطفى السباعي، ص 184.
16 - سورة الأنعام، الآية: 38.
17 - انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (7/125).
اعداد: عيسى القدومي