
24-02-2024, 04:29 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة :
|
|
رد: المعاني الإيمانية لأسماء الله: الصبور - الحليم - الشكور
والمقصودُ أَنَّ الصبرَ في اللهِ إنْ أُرِيدَ به هذا المعنى فهو حَقٌّ، وإِنْ أُريدَ به معنى خارجٌ عن الصَّبرِ في الله كالمجاهدِ في اللهِ، والجهادُ فيه لا يخرج عن معنى الجهادِ به وله، واللهُ الموفِقُ.
وأما قولُ بعضِهم: (الصبرُ للهِ غَناءٌ، والصبرُ باللهِ بقاءٌ، والصبرُ في اللهِ بلاءٌ، والصبرُ مع اللهِ وفاءٌ، والصبرُ عن اللهِ جفاءٌ) فكلامُ لا يجبُ التسليمُ لقائلِه، لأنه ذكرَ ما سَنَح له وتصوَّرَه، وإنما يجبُ التسليمُ للنقلِ المصدَّقِ عن القائلِ المعصومِ، ونحنُ نشْرحُ هذه الكلماتِ.
أما قولُه: (الصبرُ للهِ غَناءٌ)، فإنَّ الصبرَ بترْكِ حُظوظِ النفسِ، ومُرادِها لمرادِ اللهِ، وهذا أَشَقُّ شيءٍ على النفسِ وأصعبُه، فإنَّ قطع المفازةُ التي بين النفسِ وبين اللهِ بحيث يَسيرُ منها إلى الله شديدٌ على النفسِ، بخلافِ السفرِ إلى الآخرةِ فإنه سهْل، وكما قال الجُنيد: السيرُ في الدُّنيا إلى الآخرة سَهْلٌ، يعني على المؤمِنِ، وهجرانُ الخَلْقِ في جنْبِ الحقِّ شديدٌ، والسيرُ مِن النفسِ إلى اللهِ صعبٌ شديدٌ، والصبرُ مع اللهِ أشدُّ.
وأما قولُه: (الصبرُ باللهِ بقاءٌ)، فلأن العبدَ إذا كان باللهِ هان عليه كلُّ شيءٍ، ويتحمَّلُ الأثقالَ ولم يجدْ لها ثِقلًا، فإِنَّه إذا كان باللهِ لا بالخلقِ ولا نفسِهِ، كان لقلبِه وروحِه وُجودٌ آخرُ وشأنٌ آخرُ، غيرُ شأنِه إذا كان بنفسِه وبالخلْقِ، وبهذا الحالِ لا يجدُ عناءَ الصبر ولا مرارتَهُ، وتنقلِبُ مشاقُّ التكليفِ له نعيمًا وقرَّةَ العَينِ.
وكما قال بعضُ الزُّهادِ: عالجتُ قيامَ الليلِ سَنةً وتنعَّمتُ به عشرين سنةً، ومَنْ كان له قرَّةُ عينِه في الصلاةِ لم يجدْ لها مشقةً وكُلْفةً.
وأما قولُه: (الصبرُ في اللهِ بلاءٌ)، فالبلاءُ فوق العَناءِ، والصبرُ فوق الصبرِ له أخصُّ منه.
كما تقدَّم فإِنَّ الصبرَ فيه منزلةُ الجهادِ فيه، وهو أشقُّ مِن الجهادِ له، فكل مجاهدٍ في اللهِ وصابرٍ في اللهِ، مجاهدٍ له وصابرٍ له، ومِن غيرِ عكسٍ، فإِنَّ الرَّجُلَ قد يُجاهِدُ ويَصبِرُ لله مرّةً لِيَقعَ عليه اسمُ مَنْ فَعلَ ذلك لله، ولا يقعُ عليه اسمُ فعلِ ذلك في اللهِ، وإنما يقع على مَنِ انغمسَ في الجهادِ والصَّبرِ دخلَ الجَنَّةَ.
وأما قولُه: (الصبرُ مع اللهِ وفاءٌ)، فلأنَّ الصبرَ معه هو الثباتُ معه على أحكامِهِ، ولا يزيغُ القلبُ عن الإنابةِ، ولا الجوارحُ عن الطاعةِ، فتعطي المعيَّةَ حقَّها مِن التوفِيَةِ، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النجم: 37]، أي وفيما أمر به بصبرِه مع اللهِ على أوامرِه.
أما قولُه: (الصبرُ عن اللهِ جفاءٌ) فلا جفاءَ أعظمُ مِن صبرٍ عن معبودِه وإلهِه ومولاه الذي لا مَولى له سِواه، ولا حياةَ له ولا صلاحَ ولا نعيمَ إلا بمحبَّتِه، والقربِ منه، وإيثارِ مرضاتِه على كلِّ شيءٍ، فأيُّ جفاءٍ أعظمُ مِن الصبرِ عنه؟!
وهذا معنى قولِ مَنْ قال: الصبرُ عَلَى ضِرْبَيْنِ: صَبْرُ العَابِدِينَ وَصَبْرُ المُحِبِّينَ، فَصَبْرُ العَابِدِينَ أحسَنُه أن يكُون محفوظًا، وصبرِ المُحبين أحسَنُه أَنْ يكونَ مرفوضًا كما قيل:
تَبَيَّنُ يومَ البينِ أَنَّ اعتزامَهُ 
عَلَى الصَّبْرِ مِنْ إِحْدَى الظُّنُونِ الكَوَاذِبِ
وقال الآخر:
وَلمَّا دَعَوْتُ الصَّبْرَ بَعْدَكَ وَالبُكَا 
أَجَابَ البُكَا طَوْعًا وَلَمْ يُجِبِ الصَّبْرُ
وقالوا: يدلُّ عليه قول يعقوبَ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 18]، ورسولُ الله إذا وعدَ وفَّى.
ثم حَمَلَهُ الوجدُ على يوسفَ والشوقُ إليه أَنْ قال: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ [يوسف: 84]، فلم يكُن عدَمُ صبْرِه عنه منافيًا لقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾؛ فإنَّ الصبرَ الجميلَ هو الذي لا شكوى معه، ولا تُنافيه الشَّكوى إلى اللهِ سبحانه وتعالى، فإنه قد قال: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86]، والله تعالى أمَر رسولَه بالصَّبرِ الجميلِ.
وأما قولُه: قولُ بعضِهم: إنَّ الصبرَ الجميلَ أَنْ يكونَ صاحبُ المصيبةِ في القومِ لا يُدرَى مَنْ هو، فهذا مِن الصبرِ الجميلِ، لأَنَّ مَنْ فقدَهُ فقَدَ الصبرَ الجميلَ؛ فإنَّ ظهورَ أثرِ المصيبةِ على العبدِ ما لا يمكن دفعُه البتة؛ وباللهِ التوفيقُ.
وزاد بعضُهم في الصَّبرِ قسمًا آخر، وسَمَّاهُ الصبرَ على الصبرِ، وقال: وهو أَنْ يَستَغرِقَ في الصبرِ حتى يَعجزَ الصبرُ عن الصبرِ، وكما قيل:
صَابرَ الصَّبْرَ فَاسْتَغَاثَ بِهِ الصَّبْرُ 
فَصَاحَ المُحِبُّ بِالصَّبْرِ صَبْرًا
وليس هذا خارجًا عن أقسامِ الصَّبرِ، وإنما هو المرابطَةُ على الصبرِ والثباتِ عليه... والله أعلم»[15].
في بيانِ تنازُعِ الناسِ في أيِّهما أفضل الصبر أم الشكر:
حكى أبو الفرج ابنُ الجوزي في ذلك ثلاثةَ أقوالٍ:
أحدُها: أَنَّ الصبرَ أفضلُ.
والثاني: أَنَّ الشكرَ أفضلُ.
والثالث: أنهما سواءٌ، كما قال عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: «لَوْ كَانَ الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ بَعِيرَيْنِ مَا بَالَيْتُ أَيُّهُمَا رَكِبْتُ».
ونحن نذكرُ ما احتجَّتْ به كلُّ فرقةٍ، وما لها وعليها في احتجاجِها، بعونِ اللهِ وتوفيقِه.
قال الصابرون: قد أتى اللهُ سُبْحَانَهُ على الصبرِ وأهلِه، ومدحَه، وأمرَ به، وعلَّق عليه خيرَ الدُّنيا والآخرةِ، وقد ذكره اللهُ في كتابه في نحو تسعين موضعًا، وقد تقدَّم مِن النصوصِ والأحاديثِ فيه، وفي فضلِه، ما يدلُّ على أنه أفضلُ مِن الشكرِ.
ويكفي في فضله قوله صلى الله عليه وسلم: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ»[16]، فذكرَ ذلك في مَعْرِضِ تفضيلِ الصبرِ ورفْعَ درجتِهُ على الشُّكرِ، فإنه أَلحقَ الشاكرَ بالصابرِ وشبَّههُ به، ورتْبةُ المشبَّهِ به أعلى مِن رتْبة المشبَّهِ، وهذا كقولِه: «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ»[17]، ونظائرِ ذلك.
قالوا: وإذا وازَنَّا بين النصوصِ الواردةِ في الصبرِ والواردةِ في الشُّكرِ وجدنا نصوصَ الصبرِ أضعافَها، ولهذا لما كانت الصلاةُ والجهادُ أفضلَ الأعمالِ كانتِ الأحاديثُ فيهما في سائرِ الأبوابِ، فلا تجدُ الأحاديثَ النبويَّةَ في بابٍ أكثرَ منها في بابِ الصَّلاةِ والجهادِ.
وقالوا أيضًا: فالصبرُ يَدخُلُ في كلِّ بابٍ، بل في كلِّ مسألةٍ مِن مسائلِ الدِّينِ، ولهذا كان مِن الإيمانِ بمنزلةِ الرأسِ مِن الجسدِ.
وقالوا أيضًا: فالله سبحانه وتعالى علَّق على الشُّكرِ الزيادةَ، فقال: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]، وعلَّقَ على الصبرِ الجزاءَ بغير حسابٍ.
وأيضًا فإنَّه سُبْحَانَهُ أَطْلقَ جزاءَ الصابرين، فقال: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96].
قالوا: وقد صَحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قال: يقولُ اللهُ تعالى: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»[18].
وفي لفظ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ لَهُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، قال الله تعالى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، وما ذاك إلا لأنَّه صبرُ النفسِ ومنعُها مِن شهواتِها، كما في الحديثِ نفسِه: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي»؛ ولهذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَنْ سأله عن أفضلِ الأعمالِ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ»[19].
ولمَّا كان الصبرُ حبسَ النَّفسِ عن إجابةِ داعي الهوى، وكان هذا حقيقةَ الصَّومِ، فإِنَّه حبسُ النفسِ عن إجابةِ داعي شهوةِ الطعامِ والشَّرابِ والجِماعِ، فُسِّرَ الصبرُ في قولِهِ تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45] أنَّهُ الصومُ، وسُمِّي رمضانُ شهرَ الصبرِ.
وقال بعضُ السَّلفِ: الصومُ نصْفُ الصَّبرِ، وذلك أَنَّ الصبرَ حبسُ النَّفسِ عن إجابةِ داعي الشهوةِ والغضبِ، فإِنَّ النفسَ تَشتَهي الشيءَ لحصولِ اللَّذةِ بإدراكِهِ وتَغضبُ لنُفرتِها مِن المؤلِمِ لها، والصومُ صبرٌ عن مُقْتَضَى الشَّهوةِ فقط، وهي شهوةُ البطنِ والفرْجِ دون مقتَضَى الغضبِ، ولكِنْ من تمامِ الصومِ وكمالِه صبرُ النفسِ عن إجابة داعي الأمْرين.
وقد أشار إلى ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَجْهَلْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ أَحَدٌ سَابَّهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»[20]، فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى تعديلِ قُوى الشَّهوةِ والغَضَبِ، وأَنَّ الصائِمَ ينبغي له أَنْ يحْتَمِيَ مِن إفسادِهما لِصومِه، فهذه تُفسِدُ صومَه، وهذه تُحبِطُ أجرَه.
كما قال في الحديثِ الآخر: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[21].
قالوا: ويكفي في فَضْلِ الصَّبرِ على الشُّكرِ قولُه تعالى: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [المؤمنون: 111]، فجَعَل فوزَهم جزاءَ صبْرِهم.
وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، [الأنفال: 66]، لا شيءَ يَعدِلُ معيَّته لعبدِه.
كما قال بعضُ العارفين: «ذهبَ الصابرون بخير الدُّنيا والآخرةِ؛ لأنهم نالوا معيَّةَ اللهِ».
وقال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور: 48]، وهذا يتضمَّنُ الحراسةَ والكلاءةَ والحفظَ للصبرِ لحُكْمِهِ.
وقد وعَدَ الصابرين بثلاثةِ أشياءَ، كلُّ واحدٍ خيرٌ مِن الدُّنيا وما عليها، وهي صلواتُه تعالى عليهم، ورحمتُه لهم، وتخصيصُهم بالهدايةِ في قولِه تعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 157]، وهذا مُفْهِمٌ لحَصْرِ الهُدى فيهم، وأخبرَ أنَّ الصبرَ مِن عزمِ الأُمورِ في آيتين مِن كتابِه، وأمرَ رسولَهُ أنْ يتشبَّهَ بصبرِ أولي العزمِ مِن الرُّسلِ، وقد تقدَّم ذكْرُ ذلك.
قالوا: وقد دَلَّ الدليلُ على أَنَّ الزُّهدَ في الدُّنيا والتقلُّلَ منها مهما أمْكنَ أفضلُ مِنَ الاستكثارِ منها، والزُّهدُ فيها حالُ الصابرِ، والاستكثارُ منها حالُ الشَّاكرِ، قالوا: وقد سُئِلَ المسيحُ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه عن رجُلين مرَّا بكنزٍ فتخطَّاه أحدُهما ولم يلتفتْ إليه، وأخذه الآخرُ وأنفقه في طاعةِ اللهِ تعالى، أيهما أفضلُ؟ فقال: الذي لم يلتفتْ إليه وأعرضَ عنه أفضلُ عند اللهِ.
قالوا: وقد عُلِمَ أنَّ الكمالَ الإنسانيَّ في ثلاثةِ أمورٍ: علومٍ يعرفُها، وأعمالٍ يعملُ بها، وأحوالٍ تُرتَّبُ على علومِه وأعمالِه.
وأفضلُ العِلْمِ والعملِ والحالِ: العلمُ باللهِ وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، والعملُ بمرضَاتِهِ، وانجذابُ القلبِ إليه بالحبِّ والخوفِ والرجاءِ.
فهذا أشرفُ ما في الدُّنيا، وجزاؤه أشرَفُ ما في الآخرةِ، وأجلُّ المقاصِدِ معرفةُ اللهِ ومحبَّتُه والأَنَسُ بقُرْبِه، والشَّوقُ إلى لقائِه والتَّنعمُ بذكْرِهِ.
وتأمَّلْ توليةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعمرِو بنِ العاصِ وخالدِ بنِ الوليدِ وغيرِهما مِن أمرائِه وعُمَّالِه، وتَرْكَ توليةِ أبي ذَرٍّ، بل قال له: «إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي: لَا تُؤَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»[22]، وأمرَهُ وغيرَهُ بالصيامِ، وقال: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ»[23]، وأمرَ آخرَ بألَّا يغضَبَ، وأمَر ثالثًا بألَّا يزالَ لسانُه رطبًا مِن ذكرِ اللهِ، ومتى أرادَ اللهُ بالعبدِ كمالًا وفَّقه لاستفراغِ وُسْعِه فيما هو مُستعِدٌّ له، قابِلٌ له، قد هُيِّئَ له، فإذا استَفرغَ وُسْعَهُ بزَّ على غيرِه وفاقَ الناسَ فيه، كما قيل:
مَا زَالَ يَسْبِقُ حَتَّى قَالَ حَاسِدُهُ 
هَذَا طَرِيقٌ إِلَى العَلْيَاءِ مُخْتَصَرُ
وهذا كالمريضِ الذي يشكو وجَعَ البطنِ مثلًا، إذا استَعمَلَ دواءَ ذلك الداءِ انتَفَعَ به، وإذا استَعملَ دواءَ وجَعِ الرأسِ لم يُصادِفْ داءَهُ، فالشُّحُّ المُطاعُ مثلًا مِن المُهلِكاتِ ولا يُزيلُه صيامُ مائةِ عامٍ ولا قيامُ ليلِها، وكذلك داءُ اتباعِ الهَوى والإعجابُ بالنفسِ، لا يلائِمُه كثرةُ قراءةِ القرآنِ واستفراغُ الوُسْعِ في العِلمِ والذِّكْرِ والزُّهدِ، وإنما يُزيله إخراجه مِن القلبِ بضدِّهِ.
ولو قيل أيُّهما أفضل: الخبزُ أو الماء؟ لكان الجوابُ: أَنَّ هذا في موضعِه أفضلُ، وهذا في موضعِه أفضلُ.
وإذا عرفتَ هذه القاعدةَ، فالشُّكرُ ببذْلِ المالِ عملٌ صالحٌ يحصلُ به للقلبِ حال، وهو زوالُ البُخلِ والشُّحِّ بسببِ خروجِ الدُّنيا منه، فتهيَّأ لمعرفةِ اللهِ ومحبتِهِ، فهو دواءُ للدَّاءِ الذي في القلب يمنعُه مِن المقصودِ.
وأما الفقيرُ الزاهِدُ فقد استراحَ مِنْ هذا الدَّاءِ والدَّواءِ، وتوفَّرَتْ قُوتُه على استفراغِ الوُسْعِ في حُصولِ المقصودِ.
ثم أورَدوا على أنفسِهم سؤالًا، فقالوا: فإِنْ قِيلَ: فقد حَثَّ الشَّرعُ على الأعمالِ، وانفصلوا عنه، بأن قالوا: الطبيبُ إذا أثنى على الدواءِ لم يدلَّ على أنَّ الدواءَ يُرادُ لِعَينِهِ، ولا أنَّه أفضلُ مِن الشِّفاءِ الحاصلِ به.
ولكِنَّ الأعمالَ علاجٌ لمرَضِ القلوبِ، ومرضُ القلوبِ مما لا يُشْعَرُ به غالبًا، فوقعَ الحَثُّ على العملِ المقصودِ، وهو شفاءُ القلبِ، فالفقيرُ الآخِذُ لِصدقتِك يَستَخرجُ منك داءَ البُخلِ كالحجَّامِ يَستَخرجُ منك الدَّمَ المُهلِكَ.
قالوا: وإذا عرفَ هذا أَنَّ حالَ الصابرِ حالَ المُحافظِ على الصِّحةِ والقُوَّةِ، وحالَ الشاكرِ المتداوي بأنواع الأدويةِ لإزالة موادِّ السِّقَمِ.
قال الشاكرون: لقد تعدَّيْتُم طَورَكم، وفضَّلْتُم مقامًا غيرُه أفضلُ منه، وقدَّمْتُم الوسيلةَ على الغايةِ، والمطلوبَ لغيرِه على المطلوبِ لنفسِه، والعملَ الكاملَ على الأكْملِ، والفاضلَ على الأفضلِ، ولم تعرفوا للشُّكرِ حقَّهُ، ولا قيَّمتُموه مرتبتَه، وقد قَرَنَ تعالى ذكْرَه الذي هو المرادُ مِن خلْقِه بذكْرِه، وكلاهما هو المرادُ بالخلْقِ والأمْرِ، والصبرُ خادمٌ لهما، ووسيلةٌ إليهما، وعونٌ عليهما، قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152].
وقرَنَ سُبْحَانَهُ الشُّكرَ بالإيمانِ، وأَخبرَ أنه لا غَرَضَ له في عذابِ خَلْقِهِ إِنْ شكروا وآمنوا به، فقال: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ [النساء: 147]؛ أي: إنْ وفَّيتم ما خُلِقْتُم له، وهو الشُّكر والإيمانُ، فما أصنعُ بعذابِكم؟!
هذا وأخبرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ أهلَ الشُّكرِ هم المخصوصون بمِنَّتِه عليهم مِن بين عبادِه، فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ [الأنعام: 53].
وقسَّم الناسَ إلى شكورٍ وكفورٍ، فأبغضُ الأشياءِ إليه الكفرُ وأهلُه، وأحبُّ الأشياءِ إليه الشكرُ وأهلُه، قال تعالى في الإنسانِ: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3].
وقال نبيُّه سليمانُ: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل: 40].
وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].
وقال تعالى: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7].
وهذا كثيرٌ في القرآنِ، يُقابلُ سُبْحَانَهُ بين الشُّكرِ والكُفرِ فهو ضِدُّهُ، قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144]، والشاكرون هُمُ الذين ثَبتُوا على نعمةِ الإيمانِ، فلم يَنْقلِبوا على أعقابِهم.
وعلَّقَ سُبْحَانَهُ المزيدَ بالشُّكرِ، والمزيدُ منه لا نهايةَ له كما لا نهاية لِشُكرِهِ.
وقد وقفَ سُبْحَانَهُ كثيرًا مِن الجزاءِ على المشيئَةِ، كقولِه: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ﴾ [التوبة: 28].
وقولِه في الإجابةِ: ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ﴾ [الأنعام: 41].
وقوله في الرزق: ﴿ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 212].
وفي المغفرة: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 129].
والتوبة: ﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ﴾ [التوبة: 15].
وأَطلقَ جزاءَ الشكْر إطلاقًا حيثُ ذكرَ، كقولِه: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145]، ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].
ولما عَرفَ عدوُّ اللهِ إبليسُ قَدْرَ مقامِ الشُّكرِ، أَنَّه مِن أجلِّ المقاماتِ وأعلاها، جعَلَ غايتَه أَنْ يسعى في قطعِ الناسِ عنه، فقال: ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 17].
ووصفَ اللهُ سُبْحَانَهُ الشَّاكِرين بأنَّهم قليلٌ مِن عبادِه، فقال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].
وذكر الإمامُ أحمدُ، عن عُمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه؛ أَنَّه سمعَ رجُلًا يقول: اللهُمَّ اجعلني مِن القليلِ، فقال: ما هذا؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الله قال: ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [هود: 40]، وقال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]، وقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾ [ص: 24]، فقال عمرُ: صدَقْتَ.
وقد أثنى اللهُ سبحانه وتعالى على أوَّلِ رسولٍ بَعَثهُ إلى أهلِ الأرضِ بالشُّكرِ، فقال: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [الإسراء: 3]، وفي تخصيصِ نوحٍ هُنا بالذِّكرِ، وخطابِ العبادِ بأنهم ذرِّيتُه، إِشارة إلى الاقتداءِ به، فإِنَّه أبوهم الثاني، فإن الله تعالى لم يجعلْ للخَلْقِ بعد الغَرقِ نسْلًا إلا مِن ذرِّيتِه، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴾ [الصافات: 77]، فأمرَ الذُّريةَ أنْ يَتشبَّهوا بأبيهم في الشكرِ، فإنه كان عبدًا شكورًا.
وقد أَخبرَ سُبْحَانَهُ، أنَّما يَعبده مَنْ شكَرَه، فمَنْ لم يشكرْهُ لم يكُنْ مِن أهلِ عبادتِه، فقال: ﴿ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [البقرة: 172].
وأمرَ عبدَهُ موسى أَنْ يتلقَّى ما آتاه مِن النّبوَّةِ والرّسالةِ والتكليم بالشكرِ، فقال تعالى: ﴿ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 144].
وأوّلُ وصيَّةٍ وصَّى بها الإنسانَ بعد ما عقلَ عنه بالشُّكرِ له وللوالدين، فقال: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14].
وأخبر أَنَّ رِضاه في شكرِه، فقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7].
وأثنى سُبْحَانَهُ على خليلِه إبراهيمَ بشكرِ نِعَمِه، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل: 120، 121]، فأَخبرَ عنه سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ كان أُمَّةً؛ أي: قُدْوةً يُؤْتَمُّ به في الخيرِ، وأَنَّه قانتٌ لله، والقانِتُ هو المطيعُ المقيمُ على طاعتِه، والحنيفُ هو المقبِلُ على اللهِ، المُعرِضُ عمَّنْ سِواه، ثم ختمَ له بهذه الصفاتِ بأنه شاكرٌ لأنعُمِهِ، فجعل الشُّكْرَ غايةَ خليلِه.
وأخبرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الشُّكْرَ هو الغايةُ مِن خَلْقِه وأمْرِه، بل هو الغايةُ التي خَلَقَ عبيدَهُ لأجلها: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، فهذه غايةُ الخلْقِ وغايةُ الأمرِ، فقال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123].
ويجوزُ أَنْ يكونَ قولُه: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ تعليلًا لقضائِه لهم بالنَّصرِ، ولأمْرِه لهم بالتقوى، ولهما معًا، وهو الظاهِرُ، فالشُّكرُ غايةُ الخلْقِ والأمْرِ، وقد صرَّحَ سُبْحَانَهُ بأنه غايةُ أمْرِه وإرسالِه الرسولَ في قولِه تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 151، 152].
قالوا: فالشُّكْرُ مرادٌ لِنفسِه، والصبرُ مرادٌ لِغيره، والصبرُ إِنَّما حُمِدَ لإفضائِه وإيصالِه إلى الشكرِ، فهو خادِمُ الشكرِ.
وقد ثبتَ في الصحيحين عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قامَ حتى تفطَّرتْ قدَماه، فقيل له: أتفعلُ هذا وقد غفرَ اللهُ لك ما تقدَّمَ مِن ذنْبِك وما تأخَّر؟ قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»[24].
وثبت في المسندِ والترمذي؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لمعاذٍ: «واللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»[25].
وقد ثبتَ في صحيحِ مسلمٍ، عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ يَأْكُلُ الأَكْلةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا»[26] فكان هذا الجزاءُ العظيمُ، الذي هو أكبرُ أنواعِ الجزاءِ، كما قال تعالى: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [التوبة: 72]، في مقابلةِ شُكرِه بالحمدِ.
وذكَرَ ابنُ أبي الدُّنيا مِن حديثِ عبد اللهِ بن صالحٍ: حدثنا أبو زهيرٍ يحيى بنُ عطارد القرشيُّ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرْزُقُ اللهُ عَبْدًا الشُّكْرَ فَيَحْرِمهُ الزِّيَادَةَ»؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7].
وقال الحسَنُ البصريُّ: «إِنَّ اللهَ ليمتِّعُ بالنِّعمةِ ما شاءَ، فإذا لم يُشْكَرْ عليها قلبَها عذابًا ولهذا كانوا يُسمّون الشكرَ الحافِظَ؛ لأنَّه يحفظُ النِّعمَ الموجودةَ، الجالبَ؛ لأنَّه يجلِبُ النِّعمَ المفقودةَ».
وذكر ابنُ أبي الدُّنيا عن علي بنِ أبي طالب رضي الله عنه؛ أَنَّه قال لِرجُلٍ مِن هَمْذان: إِنَّ النِّعمةَ موصولةٌ بالشُّكرِ، والشُّكْرَ يَتعلَّقُ بالمزيدِ، وهما مقرونان في قَرَنٍ، فلن ينقطع المزيدُ مِن اللهِ حتى ينقطعَ الشكرُ مِن العبدِ.
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز: «قيِّدُوا نِعمَ اللهِ بشُكرِ اللهِ».
وكان يقولُ: «الشُّكرُ قيدُ النِّعمِ».
وقال مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ: «لئِنْ أُعافى فأشكرُ أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُبتلى فأصبرُ».
وقال الحسنُ: «فأكثِروا مِن ذِكْرِ هذه النِّعم، فإِنَّ ذكْرَها شكرٌ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه أَنْ يُحدِّثَ بنعمةِ ربِّه، فقال: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]، واللهُ تعالى يُحِبُّ مِنْ عبدِه أَنْ يَرى عليه أثرَ نعمتِهِ، فإِنّ ذلك شكرُها بلسانِ الحالِ».
وقال عليُّ بنُ الجعد: سمعتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ: «إِنَّ داودَ؛ قال: الحمدُ للهِ حمْدًا كما ينبغي لكرمِ وجهِهِ وعِزِّ جلالِه»، فأوحى اللهُ إليه: يا داودُ أتعبتَ الملائكةَ.
وقال شعبةُ: حدثنا المفضَّلُ بنُ فضَالةَ، عن أبي رجاءٍ العطاردي، قال: خَرَجَ علينا عِمرانُ بنُ الحُصينِ وعليه مطْرفُ خَزٍّ لم نَرهُ عليه قبلُ ولا بعدُ، فقال: إِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ»[27].
وفي صحيفة عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ مَخْيَلَةٍ وَلَا سَرَفٍ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ»[28].
وذكر شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأنا قَشْفُ الهيئةِ، فقال: «هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ؟» قال: قلتُ: نعم، قال: «مِنْ أَيِّ مَالٍ؟» قلتُ: مِن كلِّ المالِ، قد آتاني اللهُ مِن الإبلِ والخيلِ والغنمِ، قال: «فَإِذَا آتَاكَ اللهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ»[29].
وفي بعضِ المراسيل: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ».
وقال فُضيل بنُ عياضٍ: كان يقالُ: «مَنْ عَرَفَ نعمةَ اللهِ بقلبِه، وحمدَه بلسانِه لم يَسْتَتِمَّ ذلك حتى يرى الزيادةَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]».
وقال: «مِنْ شُكْرِ النِّعمةِ أَنْ يُحدِّثَ بها».
وقال الشعبيُّ: «الشكرُ نصفُ الإيمانِ، واليقينُ الإيمانُ كلُّه».
وقال أبو قلابةَ: «لا تضرُّكم دُنيا شكرتُموها».
وقال الحسَنُ: «إذا أنعَم اللهُ على قومٍ سألَهُم الشُّكْرَ، فإذا شَكروه كان قادرًا على أَنْ يَزيدَهُمْ، وإذا كفروه كان قادِرًا على أن يَبعثَ نِعمتَهُ عليهم عَذابًا».
وقد ذَمَّ اللهُ سُبْحَانَهُ الكنُودَ، وهو الذي لا يشكرُ نِعمَهُ، قال الحسَنُ: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: 6]، يَعُدُّ المصائبَ وينسَى النِّعمَ، وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ النساءَ أكثرُ أهلِ النَّارِ بهذا السببِ.
قال: «لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ»[30]، فإذا كان هذا بترْكِ شُكرِ نعمةِ الزَّوجِ، وهي في الحقيقةِ مِنَ اللهِ، فكيف بمَنْ تَرَكَ شُكْرَ نعمةِ اللهِ.
يَا أَيُّهَا الظَّالِمُ فِي فِعْلِهِ 
الظُّلْمُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ ظَلَمْ
إِلَى مَتَى أَنْتَ وَحَتَّى مَتَى 
تَشْكُو المُصِيبَاتِ وَتَنْسَى النِّعَمْ
وقال مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ: نظرتُ في العافيةِ والشُّكْرِ، فوجدْتُ فيهما خيرَ الدُّنيا والآخرةِ، ولئن أُعافى فأشكر أحبُّ إليَّ مِنْ أن أُبتلى فأصبر.
ورأى بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَني حمَّالًا عليه حمْلُه وهو يقول: الحمدُ للهِ أستغفرُ اللهَ، قال: فانتظرتُه حتى وضَعَ ما على ظهرِه، وقلتُ له: أما تُحسِنُ غيرَ هذا؟ قال: بلى أُحسِنُ خيرًا كثيرًا، أقرأُ كتابَ اللهِ، غيرَ أنَّ العبدَ بين نعمةٍ وذنبٍ، فأحمدُ اللهَ على نِعَمِهِ السابغةِ، وأستغفرُه لذنوبي، فقلتُ: الحمَّالُ أفقهُ مِن بكرٍ.
وذكر التِّرمِذيُّ مِن حديثِ جابر بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما، قال: خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على أصحابِهِ، فقرأ عليهم سُورةَ الرَّحمنِ مِنْ أوَّلِها إلى آخرِها فسكتوا، فقال: «قَرَأْتُهَا عَلَى الجِنِّ لَيْلَةَ الجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ رَدًّا مِنْكُمْ؛ كُنْتُ كُلَّما أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾، قَالُوا: لَا شَيْءَ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ»[31].
وقال مسعِرٌ: «لمَّا قيل لآلِ داودَ: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾ [سبأ: 13]، لم يأتِ على القومِ ساعةٌ إلا وفيهم مُصَلٍّ».
وقال عَونُ بنُ عبدِ اللهِ: «قال بعضُ الفقهاءِ: أنَّى رأيتُ في أمْري، لم أرَ خيرًا لا شرَّ معه إلا المعافاةَ والشُّكرَ، فرُبَّ شاكرٍ في بلائِه، ورُبَّ معافى غيرُ شاكرٍ، فإذا سألتُمُ اللهَ فاسألوهما جميعًا».
وقال عَونُ بنُ عبدِ اللهِ: «لَبِسَ رَجُلٌ قميصًا جديدًا، فحمِدَ اللهَ، فغفرَ له، فقال رَجُلٌ: ارجعْ حتى أشتريَ قميصًا فألبَسُه وأحمدُ اللهَ».
وقال شُريح: «ما أصيبَ عبدٌ بمصيبةٍ إلا كان لله فيها ثلاثُ نِعَمٍ، ألَّا تكونَ كانتْ في دينِه، وألَّا تكونَ أعظمَ مما كانت، وأنّها لا بُدَّ كائِنةٌ فقد كانت».
وقال عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ: ما قلَّبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بصرَهُ إلى نعمةٍ أنعمَ اللهُ بها عليه إلا قال: اللهُمَّ إني أعوذُ بك أن أُبَدِّلَ نعمتَك كفرًا وأن أكفرَها بعد أَنْ عرَفتُها، وأَنْ أنساها ولا أُثنِي بها.
وقال روحُ بنُ القاسمِ: تَنسَّكَ رجلٌ فقال: لا آكلُ الخبيصَ؛ لا أقومُ بشكرِهِ، فقال الحسَنُ: هذا أحمقٌ، وهل يقومُ بشكرِ الماءِ البارِدِ.
وفي بعضِ الآثارِ الإِلهيَّة يقولُ اللهُ عز وجل: «ابْنَ آدَمَ، خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ، أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وَتَتَبَغَّضُ إِلَيَّ بِالمَعَاصِي، وَلَا يَزَالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَدْ عَرَجَ إِلَيَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ».
قال ابنُ أبي الدُّنيا: حدَّثَني أبو عليٍّ، قال: كنتُ أسمَعُ جارًا لي يقولُ في الليلِ: يا إلهي خيرُك عليَّ نازِلٌ وشرِّي إليك صاعِدٌ، كم مِنْ مَلكٍ كريمٍ قد صَعَدَ إليك مِنِّي بعملٍ قبيحٍ، وأنتَ مع غِناك عني تتحبَّبُ إليَّ بالنِّعمِ، وأنا مع فقري إليك وفَاقتي أتمقَّتُ إليك بالمعاصي، وأنت في ذلك تَجْبُرُني وتستُرني وترزُقُني.
وكان أبو المُغيرةِ إذا قِيلَ له: كيف أصبحتَ يا أبا مُحمَّدٍ؟ قال: أصبحنا مُغرِقين في النِّعم، عاجزين عن الشُّكرِ، يَتَحَبَّبُ إلينا ربُّنا وهو غنيٌّ عنا، ونتمقَّتُ إليه ونحنُ إليه محتاجون.
وكان معاويةُ بنُ قُرَّةَ إذا لَبِسَ ثوبًا جديدًا قال: بسم اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ.
وقال يونسُ بنُ عُبيدٍ: قال رجلٌ لأبي تميمَة: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحتُ بين نِعمتين، ولا أدري أيَّتُهما أفضلُ: ذنوبٍ سترَها اللهُ فلا يستطيعُ أَنْ يُعَيِّرَني بها أحدٌ، ومودَّةٍ قذفَها اللهُ في قلوبِ العبادِ لا يبلغُها عملي.
وروى ابنُ أبي الدُّنيا: عن سعيدٍ المَقْبُريّ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ: أَنَّ موسى؛ قال: يَا رَبِّ، مَا الشُّكْرُ الَّذِي يَنْبَغِي لَكَ؟ قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِي».
وروى سهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه، قال: دعا رَجُلٌ من الأنصارِ مِن أهلِ قباءٍ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فانطلقْنَا معه، فلما طَعِمَ وغسَل يديه، قال: «الحمدُ للهِ الَّذِي يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكُلُّ بَلَاءٍ حَسَنٍ أَبْلَانَا، الحَمْدُ للهِ غَيْرَ مُوَدَّعٍ رَبِّي وَلَا مُكَافَأٍ وَلَا مَكْفُورٍ وَلَا مُسْتَغْنَىً عَنْهُ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الطَّعَامِ، وَسَقَى مِنَ الشَّرَابِ، وَكَسَا مِنَ العُرْيِ، وَهَدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَ مِنَ العَمَى، وَفَضَّلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ تَفْضِيلًا، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ»[32].
وقال الإمامُ أحمدُ: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، حدثنا صالحٌ، عن أبي عِمرانَ الجَونيِّ عن أبي الخُلدِ، قال: «قرأتُ في مسألةِ داودَ أنه قال: يا ربِّ كيف لي أَنْ أشكرَ وأنا لا أصِلُ إلى شكرِك إلا بنعَمِك؟ قال: فأتاه الوحيُ: يا داودُ أليسَ تعلمُ أنَّ الذي بك مِنَ النِّعم منِّي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فإني أرضَى بذلك مِنْكَ شُكْرًا».
وقال عبدُ الله بنُ أحمدَ: حدثنا أبو موسى الأنصاريُّ، حدثنا أبو الوليدِ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: «كان مِن دُعاءِ داودَ: سُبْحَانَ مُستخرِجِ الشُّكرَ بالعطاءِ، ومُستخرِجِ الدعاءَ بالبلاءِ».
وقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا أبو معاوية، حدثني الأعمشُ، عن المِنهالِ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، قال: «أوحى اللهُ إلى داودَ: أحبَّني، وأحبَّ عبادتي وحبِّبني إلى عبادِي، قال: يا ربِّ هذا حبُّك وحبُّ عبادتِك، فكيف أحبِّبُك إلى عبادِك؟ قال: تذكرني عندهم؛ فإنَّهم لا يذكرون مني إلا الحسَنَ، فجلَّ جلالُ ربِّنا، وتبارك اسمُه، وتعالى جدُّه، وتقدسَتْ أسماؤه، وجلَّ ثناؤه، ولا إلهَ غيرُه»[33].
وقال أحمدُ: حدَّثنا عبد الرزَّاقِ بن عِمران، قال: سمعتُ وهبًا يقولُ: «وجدتُ في كتابِ آلِ داودَ: بعزَّتي إِنَّ مَنِ اعتَصَمَ بي، فإِنْ كادَتْهُ السماواتُ بمن فيهن والأرضون بمَنْ فيهن، فإني أجعلُ له مِن ذلك مَخْرجًا، ومَنْ لم يَعتَصِمْ بي، فإني أقطعُ يديه مِنْ أسبابِ السماءِ، وأخسِفُ به مِن تحتِ قدميه الأرضَ، فأجعَله في الهواءِ، ثم أكِلُه إلى نفسِه، كفى بي لعبدي مالًا، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيتُه قبل أن يسألَني، وأجبْتُه قبل أن يَدعوَني، وإني أعلمُ بحاجَتِه التي ترفُقُ به مِنْ نفسِه».
وقال أحمد: حدثنا يَسارُ، حدثنا حَفْصُ، حدثنا ثابِتٌ، قال: كان داودُ؛ قد جزَّأَ ساعاتِ الليلِ والنهارِ على أهلِه، فلم يكُنْ ساعةٌ مِن ليلٍ أو نهارٍ إلا وإنسانٌ مِن آلِ داودَ قائمٌ يُصلِّي فيها، قال: فعمَّهم تبارك وتعالى في هذه الآية: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].
قال أحمدُ: وحدَّثنا جابرُ بنُ زيدٍ، عن المغيرةِ بن عُيينةَ: «قال داودُ: يا ربِّ هل باتَ أحدٌ مِن خلْقِك الليلةَ أطولَ ذِكْرًا لك منِّي؟ فأوحَى اللهُ إليه: نعم، الضُّفْدَعُ»، وأنزل اللهُ عليه: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾، قال: يا ربِّ، كيف أُطيقُ شُكرَك، وأنت الذي تُنعِمُ عليَّ، ثم ترزقُني على النِّعمَةِ الشُّكرَ، ثم تزيدُني نِعمةً بعد نِعمةٍ، فالنّعمُ منك، والشكْر منك، فكيف أطيقُ شكْرَك؟ قال: الآن عرفتَنِي يا داودُ».
قال أحمدُ: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا الرَّبيعِ بنُ صُبيحٍ، عن الحسَنِ: «قال نبيُّ اللهِ داودُ: إلهي لو أَنَّ لكلِّ شعرةٍ منِّي لِسانينِ يُسبِّحانِك الليلَ والنَّهارَ والدَّهرَ ما وفَّيْتُ حقَّ نعمةٍ واحدةٍ».
وذكر ابنُ أبي الدُّنيا، عن أبي عِمرانَ الجَوني، عن أبي الخُلدِ، قال: «قال موسى: يا ربِّ كيف لي أن أشكرَك، وأصغرُ نعمةٍ وضعتَها عندي مِن نِعَمِكَ لا يُجازي بها عملي كلُّه؟ قال: فأتاه الوحيُ: يا موسى الآن شكرْتَني».
قال بكرُ بنُ عبدِ اللهِ: «ما قال عبدٌ قطُّ: الحمدُ للهِ إلا وَجَبَتْ عليه نعمةٌ بقولِه: الحمدُ للهِ، فجزاه تلك النعمةَ أن يقولَ: الحمدُ للهِ، فجاءت نعمةٌ أخرى فلا تَنْفَدُ نِعَمُ اللهِ».
وقال الحسَنُ: سَمع نبيُّ اللهِ رَجُلًا يقول: الحمدُ للهِ بالإسلامِ، فقال: «إنك لتحمَدُ اللهَ على نعمةٍ عظيمةٍ».
وقال خالد بن معدان: سمعتُ عبدَ الملِك بنَ مَرْوانَ يقول: «ما قال عبدٌ كلمةً أَحَبَّ إلى اللهِ وأبلغَ في الشُّكرِ عندَهُ مِن أَنْ يقولَ: الحمدُ لله الذي أنعمَ علينا وهدانا للإسلامِ».
وقال سليمانُ التيميُّ: «إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أنعمَ على عبادِه على قَدْرِهِ، وكلَّفهم الشُّكْرَ على قُدْرتِهم».
وكان الحسنُ إذا ابتدأَ حديثَه يقولُ: «الحمدُ لله، اللهُمَّ ربَّنا لك الحمدُ، بما خلقتَنَا ورزقتَنا وهديتَنا وفرَّجْتَ عنَّا، لك الحمدُ بالإسلامِ والقرآنِ، ولك الحمدُ بالأهلِ والمالِ والمعافاةِ، كبَتَّ عدوَّنا، وبسَطْتَ رزقَنا، وأظهرتَ أمْننا، وجمعتَ فُرْقَتَنا، وأحسَنْتَ معافاتَنا، ومِنْ كلِّ ما سأَلْناك ربَّنا أعطيتَنَا.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|