عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 24-02-2024, 04:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,875
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الشاكر – الشكور جل جلاله، وتقدست أسماؤه



وقد قصَّ الله سُبْحَانَهُ علينا قصَّةَ (سبأ)، وأنهم كانوا في نِعَمٍ كثيرةٍ، وأموالٍ ممدودةٍ، وفواكِهَ منتشرةٍ، وأسفارٍ بلا أَخْطارٍ، ثم إنهم غيَّروا ما بأنفسِهم فغيَّر اللهُ سُبْحَانَهُ أحوالَهُم، فأرسلَ اللهُ عليهم سَيلًا عارمًا، جَرَفَ أشجارَهُمْ وحدائِقَهُمْ وأموالَهم، وبُدِّلوا بعد ذلك بأشجارٍ مُرَّةٍ أو ذاتِ شَوْكٍ، وأشجارٍ لا ثمارَ لها، وكان خيرُ الأشجار التي أُعطوها شجرَ السِّدْرِ وثمرُهُ يسيرٌ ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: 17].

﴿ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ: 19][55].

وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستعيذُ مِنْ زوالِ النِّعمَةِ في دعائِه، كما جاء في حديثِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: كان مِنْ دعاءِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نقمتِك، وجميعِ سَخَطِكَ»[56].

9- قال الحليميُّ: «(الشَّاكِرُ): ومعناه المادِحُ لمَنْ يُطيعه والمُثني عليه، والمُثيبُ له بطاعتِه فضلًا عن نِعمَتِهِ» اهـ[57].

فاللهُ سبحانه وتعالى يَمدحُ مَنْ أطاعَهُ وسارَ على شريعتِه، والكتابُ الكريمُ مملوءٌ بمدْحِ الأنبياءِ والشهداءِ والصالحين فمدَحَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم بقولِهِ: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128]، وقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4].

ومدَحَهُ وأصحابَهُ رضوانُ الله عليهم أجمعين في قوله: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: 29].

ومدحَ نوحًا بأَنَّه كان عبدًا شكورًا، وإبراهيمَ الخليلَ بأَنَّه أواهٌ مُنيبٌ وأَنَّه الذي وَفَّى، وموسى الكليمَ بأَنَّه كان مخلَصًا، وإسماعيلَ بأَنَّه كان صادقَ الوعْدِ صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين، وغيرُ هذا مما أثنى به على عبادِهِ في كتابِه كثيرٌ.

10- ولابنِ القيِّمِ رحمه الله كلامٌ جامِعٌ فيما سَبقَ من المسائلِ، نذكُره إتمامًا للفائدةِ.

قال رحمه الله: «وأمَّا شُكْرُ الرَّبِّ تعالى، فله شأنٌ آخرُ كشأنِ صَبْرِهِ، فهو أَوْلى بصفةِ الشُّكْرِ مِنْ كلِّ شكُورٍ، بل هو الشَّكُورُ على الحقيقةِ، فإِنَّه يُعْطي العبْدَ ويُوَفِّقُه لِما يَشكُرُه عليه، ويَشكرُ للقليلِ مِن العملِ والعطاءِ، فلا يَستَقلُّه أَنْ يَشكُرَهُ، ويَشكُرُ الحسَنةَ بعَشرِ أمثالِها إلى أضعافٍ مُضاعفةٍ.

ويَشكُرُ عبدَهُ بقولِه بأَنْ يُثنيَ عليه بينَ ملائكتِهِ وفي مَلَئِه الأعلى، ويُلقِي له الشُّكرَ بين عبادِهِ.

ويَشْكُره بفعلِهِ، فإذا تَركَ له شيئًا أعطاهُ أفضلَ منه، وإذا بذلَ له شيئًا ردَّه عليه أضعافًا مُضاعفةً، وهو الذي وفَّقَهُ للتَّركِ والبَذْلِ، وشَكَرَهُ على هذا وذاك.

ولمَّا عَقَر نبيُّه سليمانُ الخيلَ غضَبًا له[58]، إِذْ شَغَلَتْهُ عن ذِكْرِه فأرادَ ألَّا تشغلَهُ مرَّةً أُخرى، أعاضَهُ منها مَتْنَ الرِّيحِ[59].

ولما تَرَكَ الصَّحابةُ ديارَهُم، وخرَجوا منها في مَرضاتِه، أعاضَهُمْ عنها أَنْ ملَّكهُم الدُّنيا وفتحَها عليهم.

ولما احتملَ يوسفُ الصدِّيقُ ضيقَ السِّجْنِ، شَكَرَ له ذلك بأَنْ مكَّنَ له في الأرضِ يتبوّأُ منها حيثُ يَشاءُ.

ولما بذلَ الشُّهداءُ أبدانَهم له حتى خرَّقَها أعداؤه، شَكَرَ لهم ذلك بأَنْ أعاضَهُم منها طيرًا خُضْرًا أقرَّ أرواحَهُمْ فيها، تَرِدُ أنهارَ الجَنَّةِ، وتأكلُ مِنْ ثِمارِها إلى يومِ البَعْثِ، فيردُّها عليهم أكملَ ما تكونُ وأجملهُ وأبهاهُ.

ولما بَذَلَ رسلُهُ أعراضَهم فيه لأعدائِهم، فنالوا منهم وسَبُّوهُمْ، أعاضَهُم مِنْ ذلك بأَنْ صلَّى عليهم هو وملائكتُه، وجعلَ لهم أطيبَ الثناءِ في سماواتِه وبَيْنَ خلقِهِ، فأخلَصهُم بخالصةٍ ذكرى الدارِ.

ومِنْ شُكرِه سُبْحَانَهُ: أنه يُجازي عدوَّهُ بما يفعلُه مِن الخيرِ والمعروفِ في الدُّنيا، ويخفِّفُ به عنه يومَ القيامةِ، فلا يُضيعُ عليه ما يَعملُهُ مِن الإِحسانِ، وهو مِنْ أبغضِ خلقِهِ إليه.

ومِنْ شُكرِهِ: أَنَّه غَفَرَ للمرأةِ البغيِّ بسَقْيها كلبًا كان قد جَهَدَهُ العطشُ حتى أكلَ الثرى، وغفرَ لآخَرَ بِتَنْحِيَتِهِ غصنَ شوكٍ عن طريقِ المسلمين.

فهو سُبْحَانَهُ يَشكرُ العَبْدَ على إحسانِه لنفسِه، والمخلوقُ إِنَّما يشكرُ مَنْ أَحسَنَ إليه.

وأبلغُ مِنْ ذلك أَنَّه سُبْحَانَهُ هو الذي أَعْطَى العبدَ ما يُحسِنُ به إلى نفسِهِ، وشَكَرَه على قليلِه بالأضعافِ المضاعفةِ التي لا نِسْبَةَ لإحسانِ العبدِ إليها، فهو المُحْسِنُ بإعطائِهِ الإحسانَ وإعطاءِ الشكرِ، فمَنْ أحقُّ باسمِ الشكورِ منه سُبْحَانَهُ؟

وتأمَّلْ قولَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: 147].

كيف تجدُ في ضِمْنِ هذا الخطابِ أنَّ شكرَهُ تعالى يأبى تعذيبَ عبادِهِ بغيرِ جُرمٍ، كما يأبى إِضاعَةَ سَعْيِهم باطلًا، فالشَّكورُ لا يُضيعُ أَجْرَ مُحسِنٍ، ولا يُعذِّبُ غيرَ مُسيءٍ.

وفي هذا ردٌّ لقولِ مَنْ زعمَ أَنَّه سُبْحَانَهُ يكلِّفُه ما لا يُطيقُه، ثُمَّ يُعذِّبُه على ما لا يَدْخُلُ تحتَ قُدرتِهِ، تعالى اللهُ عن هذا الظنِّ الكاذبِ والحسبانِ الباطلِ عُلوًّا كبيرًا.

فشكْرُه سُبْحَانَهُ اقتضى أَنْ لا يُعذِّبَ المؤمنَ الشَّكورَ، ولا يُضيعُ عَملَهُ، وذلك مِنْ لوازِمِ هذه الصِّفَةِ، فهو مُنزَّهٌ عن خلافِ ذلك، كما يُنزَّهُ عن سائرِ العُيوبِ والنقائصِ التي تُنافي كمالَهُ وغِناهُ وحمدَهُ.

ومِنْ شُكرِه سُبْحَانَهُ: أَنَّه يُخرِجُ العبدَ مِن النَّارِ بأدنى مِثقالِ ذَرَّةٍ مِن خيرٍ، ولا يُضيعُ عليه هذا القدْرَ.

ومِنْ شُكْرِه سُبْحَانَهُ: أَنَّ العبدَ مِنْ عِبادِه يقُومُ له مقامًا يُرضيه بين النَّاسِ فيشكرُه له، ويُنَوِّهُ بذكْرِه، يُخبر به ملائكَتَهُ وعبادَهُ المؤمنينَ، كما شكرَ لمؤمنِ آلِ فرعَونَ ذلك المقامَ، وأثنى بِه عليه، ونوَّه بذكرِه بَيْنَ عبادِهِ.

وكذلك شُكرُه لصاحبِ يَس مقامَه ودَعْوتَه إليه.

فلا يَهْلِكُ عليه بين شُكرِه ومغفرتِه إلا هالِكٌ، فإِنَّه سُبْحَانَهُ غفورٌ شَكورٌ، يغفِرُ الكثيرَ مِن الزَّللِ، ويَشكرُ القليلَ مِن العَملِ.

ولمّا كان سُبْحَانَهُ هو الشكورَ على الحقيقةِ، كان أحبَّ خلقِهِ إليه مَنِ اتَّصفَ بصفةِ الشُّكرِ، كما أَنَّ أبغضَ خلقِهِ إليه مَنْ عطَّلها واتَّصفَ بضِدِّها.

وهذا شَأْنُ أسمائِهِ الحُسنى، أَحبُّ خَلْقِهِ إليه مَنِ اتَّصفَ بموجبِها، وأبغضُهم إليه مَنِ اتَّصفَ بأضْدَادِها، ولهذا يبغضُ: الكفورَ، والظالمَ، والجاهلَ، والقاسِي القلبِ، والبخيلَ، والجَبانَ، والمَهينَ، واللئِيمَ.

وهو سُبْحَانَهُ جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ، عليمٌ يُحِبُّ العلماءَ، رحيمٌ يُحِبُّ الرَّاحمينَ، مُحسِنٌ يُحِبُّ المُحسنينَ، شكورٌ يُحِبُّ الشَّاكرينَ، صبورٌ يُحِبُّ الصابرينَ، جَوادٌ يُحِبُّ أهلَ الجُودِ، سَتَّارٌ يُحِبُّ أهلَ السَّتْرِ، قادِرٌ يلومُ على العَجْزِ، والمؤمنُ القويُّ أحبُّ إليه مِن المؤمنِ الضَّعيفِ، عَفوٌّ يُحِبُّ العفوَ، وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ.

وكلُّ ما يُحِبُّه فهو مِنْ آثارِ أسمائِهِ وصفاتِه ومُوجِبها، وكلُّ ما يَبغضُه فهو ما يضادُّها ويُنافيها» اهـ[60].

رحمك اللهُ يا ابنَ القيِّم، ما أجودَهُ مِن كلامٍ وما أجمَعَهُ، اللهُمَّ وَفِّقْنا للعملِ بما تُحِبُّ وتَرْضَى، واكتُبنا في عبادِك الطائعين الشَّاكرين، آمين.


[1] أحمد في المسند، وانظر: صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم (844)، وانظر شرح أسماء الله الحسنى للرازي (ص: 291)، وتفسير الأسماء للزجاج (ص: 47).

[2] التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 437).

[3] البخاري في كتاب الرقاق (11/ 426) (6569)، وانظر المقصد الأسنى (ص: 95).

[4] تفسير الطبري (5/ 340).

[5] لسان العرب (4/ 424).

[6] البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا (3/ 1215) (3162).

[7] عدة الصابرين (ص: 240).

[8] مدارج السالكين (2/ 242)، والمقصد الأسنى (95).

[9] النهج الأسمى (1/ 290 - 320).

[10] تفسير الأسماء (ص: 47).

[11] اللسان (4/ 2305).

[12] الكتاب الأسنى (ورقة 341).
والقتبي: هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، وانظر كلامه في الفرْق بين الحمد والشكر في كتابه: أدب الكاتب (ص: 37) طبعة ليدن.

[13] مدارج السالكين (2/ 246).

[14] أخرجه ابن جرير (22/ 87، 92) بإسناد حسَن.

[15] أخرجه ابن جرير (25/ 18) بالإسناد السابق.

[16] شأن الدعاء (ص 65، 66).

[17] اشتقاق الأسماء (ص: 87).

[18] الاعتقاد (ص: 59).

[19] المقصد الأسنى (ص: 65)، وانظر: شرح الأسماء للرازي (ص: 255).

[20] النونية بشرح أحمد بن إبراهيم (2/ 230).

[21] تيسير الكريم (5/ 304).

[22] رواه مسلم (4/ 2626).

[23] رواه البخاري (3/ 281، 283) (6/ 611) وغيرها، ومسلم (2/ 703) عن عدي بن حاتم رضي الله عنه.

[24] رواه مسلم (2/ 1017) عن جرير بن عبد الله البجلي.

[25] رواه البخاري (3/ 278)، (13/ 415)، ومسلم (2/ 702)، واللفظ للبخاري.

[26] رواه مسلم (3/ 1505)، و (الخطام): هو الحبْل الذي تُقاد به الناقة.

[27] رواه البخاري (11/ 294)، ومسلم (4/ 2171) عن عائشة رضي الله عنها.

[28] رواه مسلم (4/ 2171) عن جابر رضي الله عنه.

[29] الكتاب الأسنى (ورقة 343).

[30] مدارج السالكين (2/ 244).

[31] مدارج السالكين (2/ 247).

[32] رواه البخاري (11/ 97، 98، 130) عن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه، وفي قوله: «ما استطعتُ»: إعلامٌ لأمَّته أنَّ أحدًا لا يَقْدر على الإتيان بجميع ما يجبُ عليه لله، ولا الوفاءِ بكمال الطاعات، والشكْرِ على النِّعَم، فرفق اللهُ بعباده فلم يكلِّفهم مِن ذلك إلا وُسعَهم، الفتح (11/ 100).

[33] الفتح (11/ 100)، وقال الحافظ: «ويحتمل أن يكون قوله: «أبوء لك بذنبي» اعترافًا بوقوع الذنب مطلقًا ليصحَّ الاستغفارُ منه، لا أنه عدَّ ما قصر فيه مِن أداءِ شُكْر النِّعم ذنبًا».

[34] رواه أحمد (4/ 5)، ومسلم (1/ 415، 416) من حديث ابن الزبير، وأوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد...».

[35] أخرجه أبو داود (5/ 4814)، وأبو نعيم في أخبار أصفهان (1/ 259) عن جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم به، ورجاله رجال الشيخين، إلا أن أبا سفيان لم يسمعْ مِن جابر إلا أربعةَ أحاديثَ، قاله ابنُ المديني، كما في التهذيب، ورواه أبو نعيم في الحلية (6/ 147) عن صدقة بن عبد الله، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أبلى خيرًا فلم يجد إلا الثناءَ فقد شكرَهُ، ومَنْ كتمه فقد كفره، ومَن تحلَّى بباطل فهو كلابس ثوبَيْ زُورٍ»، ثم قال: «كذا رواه صدقة، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير؛ واسمه محمد بن مسلم بن تدرس، وتفرَّد به، والحديث مشهور بأيوب بن سويد، عن الأوزاعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر». اهـ.
قلتُ: صدقة ضعَّفه أحمد والبخاري وأبو زرعة والنسائي، كما في التهذيب (4/ 416).
والرواية التي ذكر أنها مشهورة، أخرجها ابن عدي في الكامل (1/ 356) قال: «أخبرنا محمد بن الحسين بن حفص الأشناني، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، ثنا أيوب بن سويد، ذكره»، وسنده حسَن.
ومحمد بن الحسين - وقع في المطبوعة: ابن الحسن - ثقة له ترجمة في تاريخ بغداد (2/ 234، 235) والسير (4/ 529)، وله شاهد أخرجه البزار (1943 - زوائد) عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها؛ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أتاه معروف فذكره فقد شكرَهُ، ومَنْ تحلَّى بما لم يَنَلْ، فهو كلابسِ ثوبَيْ زُورٍ».
قال الهيثمي في المجمع (4/ 149): «رواه البزار وفيه صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف، وقد رواه مِن هذا الوجه الخرائطي في فضيلة الشكر (83) مع اختلاف في اللفظ».

[36] حسَن: رواه البخاري في الأدب المفرَد (215) عن يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن شرحبيل مولى الأنصار، عن جابر مرفوعًا به، ورواه مسدد كما في المطالب العالية (2/ 404)، وعنه أبو داود (5/ 4813)، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده؛ كما في إتحاف السادة المهرة للبوصيري (2/ ق 142 ب) عن بشر، ثنا عمارة بن غزية، حدثني رجل من قومي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن أُعطيَ عطاءً فوجد فَليَجْزِ به، فإنْ لم يجدْ فليُثنِ به، فمَن أثنى به فقد شكره، ومَنْ كتمه فقد كفرَهُ، ومَن تحلَّى بما لم يُعطَ كان كلابسِ ثوبَيْ زُورٍ»، وحرَّك بشْر السبابة والوسطى، وليس عند أبي داود: «ومَنْ تحلَّى...» إلى آخره.
قال البوصيري: «رواه مسدد والحارث بسند ضعيف لجهالة بعض رواته، ورواه الترمذي وحسَّنه، دون قوله: «وحرَّك بشْر...» إلى آخره» اهـ.
قال أبو داود: «رواه يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن شرحبيل، عن جابر»، قال: «وهو شرحبيل – يعني: رجلًا من قومي - كأنهم كرهوه لم يُسموه» اهـ.
قلتُ: قد جاء مُصرَّحًا به في رواية البخاري السابقة، وهو شرحبيل بن سعد الخطمي المدني مولى الأنصار، ضعَّفه النسائي والدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات، وخرَّج له في صحيحه، وكذا شيخه ابن خزيمة، وقد اختلَط في آخره، انظر: التهذيب (4/ 321)، وقال الحافظ: «صدوق اختلَط بآخره».
وقد رواه الترمذي (4/ 2034) عن إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا به، وقال: «حسَن غريب، وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر وعائشة، ومعنى قوله: «ومن كتم فقد كفر» يقول: قد كفر تلك النعمة» اهـ.
قلتُ: في إسناده إسماعيل بن عياش وفي روايته عن الحجازيِّين ضعف، وهذه منها؛ فإنَّ عمارة بن غزية أنصاري مدني، وقد خالف يحيى بن أيوب: وهو الغافقي أبو العباس المصري صدوق ربما أخطأ، وبشْر بن المفضَّل وهو ثقة عابد.
والحديث يتحسَّن بما قبْله، والله أعلم.
والجملة الأخيرة: «ومن تحلَّى بما لم يُعْط»، يشهد لها ما في البخاري (9/ 317)، ومسلم (3/ 1681) عن أسماء: جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنَّ لي ضرَّةً، فهل عليَّ جناحٌ أن أتشبَّع مِن مال زوجي بما لم يُعْطني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُتشبِّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَيْ زُور»، وأخرجه مسلم (3/ 1681) عن عائشة بمثله، وقد أشار إليهما الترمذي بقوله آنفًا: وفي الباب عن أسماء وعائشة.

[37] أخرجه أحمد (4/ 278، 375)، وابن أبي الدنيا في الشكر (64)، والخرائطي في فضيلة الشكر (82) ولم يذكر «والجماعة رحمة...» كلُّهم عن أبي وكيع الرؤاسي، عن أبي عبد الرحمن الشامي، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير مرفوعًا به، وسنده حسَن.
تنبيه: قال محقِّق فضيلة الشكر للخرائطي: «في الأصلين: أبو وكيع، وهو سهو والتصحيح مِن كتاب الشكر لابن أبي الدنيا، وهو أبو سفيان وكيع بن الجراح»...
كذا قال، ولا أدري على أي شيء استند لقوله هذا، إذ هو في كل المصادر السابقة: حدثنا أبو وكيع، وهو الجراح بن مليح: الرؤاسي، صدوق يِهِمُ.
وكذا إثباته زيادة «... والجماعة رحمة، والفُرقة عذاب» وليست عند الخرائطي كما في مخطوطة الظاهرية (ورقة 14 أ).

[38] مدارج السالكين (2/ 248) باختصار يسير.

[39] انظر: الصحاح (2/ 807)، واللسان (5/ 3897، 3898).

[40] قال العلَّامة نظام الِّدين الحسن بن محمد القمِّيُّ النيسابوري في تفسير (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) المطبوع بهامش تفسير ابن جرير (1/ 101):
«هل لله تعالى على الكافرِ نعمةٌ أم لا؟ أَنكَر ذلك بعضُ أصحابنا لوجوهٍ: منها قوله: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 7]، فإنه لو كان له على الكفارِ نعمةٌ لزم طلبُ صراطِ الكفَّارِ، لأَنَّ المُبدلَ منه هو الصراطُ المستقيم في حكم المنحى، والجواب: أن قوله: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 7] يَدفع ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران: 178].
والجواب: أنه لا يَلزم مِنْ أَنْ لا يكونَ الإملاءُ خيرًا أو نعمةً لهم؛ لأن أصلَ الحياةِ وسائر أسباب الانتفاعِ نعمةٌ، فإن الإملاءَ تأخيرُ النقمة بعد ثبوت استحقاقها، فما قبْل هذه الحالة لا يكُون كذلك، على أن نفس الإملاء تمتيعٌ حاليٌّ: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [البقرة: 126]، وليس هذا كَمَن جعَل السُّمَّ في الحَلْواء على ما ظنَّ، وإنما هو كَمَن ناوَل شخصًا حلواءَ لذيذةً غيرَ مسمومةٍ، ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجِه، أو لاستعماله الحلواءَ لا كما ينبغي أَفْسَدَ مزاجَ الحلواءِ أيضًا وصيَّره كالسمِّ القاتلِ بالنسبة إليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالحِ».
وكيف لا تعُمُّ نِعَمُ اللهِ تعالى وقد قال على العموم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة: 21، 22]، وقال: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ [البقرة: 28]، كل ذلك في مَعْرِضِ الامتِنانِ وشرْحِ النِّعَمِ، وقال: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13]، ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 17] والشكرُ لا يكُونُ إلا بعد النِّعمةِ» اهـ.

[41] أخرجه أحمد (3/ 95، 96)، والترمذي (4/ 2407)، وابن أبي الدنيا في الصمت (12)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 309)، والبغوي في شرح السُّنَّة (14/ 316) عن حماد بن زيد، عن أبي الصهباء، عن سعيد بن جبير، عن أبي سعيد الخدري؛ رفعه قال: «إذا أَصْبَحَ ابنُ آدم فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّر اللسانَ فتقول: اتَّقِ اللهَ فينا فإنما نحن بكَ، فإنِ استَقَمْتَ استَقَمْنا، وإنِ اعوجَجْتَ اعوجَجْنا». قال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه إلا مِن حديث حماد بن زيد، وقد رواه غير واحد عن حماد بن زيد ولم يرفعوه» اهـ.
قلتُ: قد رواه ثقاتٌ عن حماد ورفعوه؛ مثل: مسدد وعارم وعفان وغيرهم.
لكِنْ فيه أبو الصهباء الكوفي لم يوثقه إلا ابنُ حبان، وقال الحافِظُ: «مقبولٌ»؛ أي: حيث يُتابع، وإلا فَلَيِّنُ الحديث.
فالحديث ضعيف بهذه الطُّرُق، وعزاه السيوطيُّ في الجامع إلى ابن خزيمة والبيهقي في الشعب.

[42] رواه البخاري (3/ 1130) (8/ 4836) (11/ 6471)، ومسلم (4/ 2819) عن المغيرة بن شعبة، ورواه مسلم (4/ 2820) عن عائشة رضي الله عنها.

[43] الكتاب الأسنى (ورقة 242، 243).

[44] أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (2491)، وأحمد (2/ 258، 295، 303، 304، 388، 461، 492)، والبخاري في الأدب (218)، وأبو داود (5/ 4811)، والترمذي (4/ 1954)، والخرائطي في فضيلة الشكر (80)، وابن حبان في صحيحه (2070 - موارد): عن الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد: وهو القرشي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا به، قال الترمذي: «حديث حسَن صحيح».
قلتُ: هو على شرط مسلم، ورواه الخرائطي (80): حدَّثنا أبو قلابة عبد الملِك بن محمد الرقاشي، حدثنا علي بن القاسم، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا به، وسندُه حسَن، علي بن القاسم الظاهر أنه عبد الأعلى بن القاسم الهمداني تحرَّف اسمُه، وهو صدوق كما في التهذيب (6/ 97)، وأخرجه أيضًا (78) عن ابن أبي ليلى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، وسندُه ضعيف لضعْف عطيَّة.

[45] معالم السنن (4/ 113).

[46] مختصر منهاج القاصدين (ص: 302، 303)، وانظر الكلام على باقي الأعضاء وحكمها (ص: 303 - 305).

[47] مَنْ أرادَ أَنْ يَتوسَّعَ في هذا المجالِ فليقرأ سورة الأنعام وإبراهيم والنحل والرحمن وغيرها، ويتبيَّن ويتدبَّر ما ذكر فيها مِن نعم عظيمة جليلة ﴿ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [الأعراف: 58].

[48] رواه البخاري (10/ 6099) (13/ 7378)، ومسلم (4/ 2804) عن أبي موسى الأشعري.

[49] قال الحافظ: «يحتمل أن يكون مراده: أنَّ ابن عباس قرأها كذلك، ويَشهد له ما رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن ابن بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أنه كان يقرأ: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون)، وهذا إسناد صحيح» اهـ، الفتح (2/ 522).

[50] رواه البخاري في مواضع منها (2/ 1038)، ومسلم (1/ 71، 72).

[51] مسلم (1/ 84).

[52] النوء: هو النجم الذي ينسب إليه المطر.

[53] الفتح (2/ 524) نقلًا عن كتابه الأنواء.

[54] رواه البخاري في عدة مواضع منها (2/ 1007، 1020).

[55] ولن تجد لسُنَّة الله تبديلًا، فانظر فيما حولك مِن الدَّوَل ترى ذلك واضحًا جليًّا.

[56] رواه مسلم (4/ 2097)، وفَجأة بفتح الفاء وإسكان الجيم مقصورة على وزن ضَرْبة، والفُجَاءة بضم الفاء وفتح الجيم والمد، لغتان، وهي: البغْتة.

[57] المنهاج (1/ 205).
قال القرطبي في الكتاب الأسنى (ورقة 343): «فَعَلَى قولِ الحليمي يرجع مدلول هذا الاسم إلى ثنائه على المطيعين؛ فيكون مِن صفات الذات لأنه يرجع إلى الكلام واختاره ابن العربي» اهـ.

[58] وذلك في قوله تعالى: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص: 31 - 33].

[59] لأنه بقصْد الرِّيح التي سخِّرت له، قال تعالى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: 36].

[60] عدة الصابرين (ص 335 - 337).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.50 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.74%)]