
24-02-2024, 04:24 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة :
|
|
رد: الشاكر – الشكور جل جلاله، وتقدست أسماؤه
فقولُه تعالى: ﴿ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾، وقوله: ﴿ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾؛ يعني: أنها خُلِقَت لهم، لا لغيرِهِمْ، لأَنَّهُمْ يستعينونَ بها على طاعتِهِ.
ويقول القرطبيُّ: «واعلَمْ أَنَّ على كلِّ جارحةٍ شُكْرًا يخصُّها، وعلى اللسانِ مِن ذلك مِثْلَ ما على سائرِ الجوارحِ، وقد أَخْبَرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الأعضاءَ تقولُ للسَانِ: «اتَّقِ اللهَ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعَوَجَجْنَا»[41].
وشُكْرُ كلِّ جارحةٍ إنما هو باستعمَالِها بتقوى اللهِ العظيمِ في امتثالِ ما يخصُّها مِن الطاعاتِ، واجتنابِ ما يخصُّها مِن العِصيانِ، فشكرُ البَدنِ: أَنْ لا تَستَعمِلَ جوارِحَه في غيرِ طاعتِهِ.
• وشكرُ القلبِ: أَنْ لا تَشغلَهُ بغيرِ ذكرِهِ ومعرفتِهِ.
• وشكرُ اللسَانِ: أَنْ لا تستعمِلَهُ في غيرِ ثنائِهِ ومدْحِهِ.
• وشكرُ المالِ: أَنْ لا تُنفِقَه في غيرِ رضاه ومَحَبَّتِه.
ووَراءُ ذلك تطوُّعاتُ الشَّاكرِ والشكورِ، قام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الليلِ حتى تَورَّمَتْ قدَمَاهُ؛ فقيل له: تَفْعلُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم مِن ذَنْبِكَ وما تأخَّرَ، قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»[42]؛ أي: طالبًا للمزيدِ؛ لقولِه تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]» اهـ[43].
وقد أَحسَنَ القائلُ:
أَنَالَكَ رِزْقَهُ لتقومَ فيهِ
بطاعتِه وتشكرَ بعضَ حقِّهْ
فَلَمْ تَشْكُرْ لِنِعْمَتِه وَلَكِنْ
قَوِيتَ عَلَى مَعَاصِيهِ بِرِزْقِهْ
جـ- أما شُكْرُ مَنْ أَجْرَى اللهُ سُبْحَانَهُ النعمةَ على يَدِه، فقَدْ أَمَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ به في قولِهِ تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14]، فأَمَرَ بشُكْرِه ثم بشُكْرِ الوالدين إذْ كانا سببَ وجودِهِ في الدُّنيا، وسَهِرَا وتَعِبَا في تربيتِه وتغذيتِه، فمَنْ عقَّهما أو أساءَ إليهما فما شَكَرَهُما على صَنِيعِهِما، بل جحَدَ أفضالَهُما عليه، ومَنْ لَمْ يشكُرْهُما فإِنَّه لم يَشْكُرِ اللهَ الذي أجرى تلك النِّعَمَ على أيديهما، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ»[44].
قال الخطابيُّ: «هذا الكلامُ يُتأولُ على وجهين:
أحدُهما: أَنَّ مَنْ كان طبعُه وعادتُه كُفرانَ نعمةِ النَّاسِ، وترْكَ الشُّكْرِ لمعروفِهم، كان مِنْ عادتِه كفرانُ نعمَةِ اللهِ، وترْكُ الشكرِ له سُبْحَانَهُ.
والوجهُ الآخرُ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لا يَقْبلُ شكرَ العبدِ على إحسانِه إليه، إذا كان العبدُ لا يشكُرُ إِحسَانَ النَّاسِ، ويَكْفُرُ معروفَهم، لاتِّصالِ أحدِ الأمْرَين بالآخرِ» اهـ[45].
4- وقد أَكْثَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ مِن تَعدادِ نعمِهِ على عبادِه، فلم يَتْرُكْ لجاحدٍ مجالًا أَنْ يُنكِرَ نِعَمَ اللهِ عليه.
بل لو أرادَ أَنْ يُحْصِيَ الإنسانُ ما في جسدِهِ مِن نِعمِ اللهِ وأفضالِه لَعَجَزَ، فكيف لو أراد أَنْ يُحصِيَ نِعَمَ اللهِ سُبْحَانَهُ على الناسِ في حياتِهم على هذه الأرضِ؟!
قال تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 20، 21].
وفي مختصر منهاج القاصدين:
«مِنْ جُملةِ نِعَمِ اللهِ عليكَ أَنْ خَلَقَ لك آلةَ الإِحسَاسِ، وآلةَ الحركَةِ في طلَبِ الغِذاءِ، فانظر إلى ترتيبِ حِكْمَةِ اللهِ تعالى في الحواسِّ الخمسِ التي هي آلةٌ للإدراكِ.
فأوَّلُها: حاسَّةُ اللمسِ، وهو أولُ حِسٍّ يُخلقُ للحيوان، وأنقَصُ درجات الحِسِّ أَنْ يُحسَّ بما يُلاصِقُه، فإنَّ الإِحسَاسَ بما يَبعدُ منه أتَمُّ لا محالةَ.
فافتقرتَ إلى حِسٍّ تُدرك به ما بَعُدَ عنك، فخلَق لك الشَّمَّ تُدرِكُ به الرائحةَ مِن بُعدٍ.
ولكِنْ لا تدري مِن أيِّ ناحيةٍ جاءَتِ الرائِحَةُ، فتحتاجُ أَنْ تطوفَ كثيرًا حتى تَعثُرَ على الذي شَممْتَ رائحتَهُ، وربما لم تَعْثُرْ، فخلقَ لك البصَرَ لتدرِكَ به ما بَعُدَ عنك، وتدرِكَ جهتَهُ فتقصِدُها بعينها.
إلا أَنَّه لو لم يَخْلُقْ لك إلا هذا لكنتَ ناقِصًا، إِذْ لا تُدرِكُ بذلك ما وراءَ الجدارِ والحِجابِ، فرُبَّما قَصَدَكَ عدوٌّ بينك وبينَهُ حِجَابٌ، وقَرُبَ منك قَبْلَ أن يكشِفَ الحجابَ، فتعجَزُ عن الهَربِ، فخلقَ لك السَّمعَ حتى تُدرِكَ به الأصواتَ مِن وراءِ الحُجراتِ عند جَرَيَانِ الحَركاتِ.
ولا يكْفي ذلك، لو لم يكُنْ لك حِسُّ الذَّوْقِ، إِذْ به تَعْلمُ ما يوافِقُك وما يضرُّك، بخلافِ الشَّجرة، فإنه يُصَبُّ في أصلِها كلُّ مائعٍ، ولا ذَوْقَ لها فتجذبَهُ، وربما يكونُ ذلك سببَ جفافِها.
ثم أَكْرَمَك اللهُ تعالى بصفةٍ أخرى، هي أشْرَفُ مِن الكلِّ، وهو العقلُ، فبه تُدرِكُ الأطعمَةَ ومنفعَتَها، وما يضرُّ في المآلِ، وبه تُدرِك طبخَ الأطعمةِ وتأليفَها وإِعدادَ أسبابِها، فتنتفعُ به في الأكل الذي هو سببُ صِحَّتِكَ، وهو أدنى فوائدِ العقلِ، والحكمةُ الكبرى فيه معرفةُ اللهِ تعالى.
وما ذكرْنا مِن الحَواسِّ الخمسِ الظاهرةِ، فهي بعضُ الإِدراكاتِ.
ولا تَظُنَّ أننا استوفينا شيئًا مِن ذلك؛ فإنَّ البصرَ واحدٌ مِن الحواسِّ، والعينَ آلةٌ له، وقد رُكِّبتِ العينُ مِن عَشْرِ طبقاتٍ مختلفةٍ: بعضُها رطوباتٌ، وبعضُها أغشيةٌ مختلفةٌ، لكلِّ واحدةٍ مِن الطبقاتِ العشْرِ صفةٌ، وصورةٌ، وشكلٌ، وهيئةٌ، وتدبيرٌ، وتركيبٌ، لو اختلَّت طبقةٌ واحدةٌ منها أو صِفَةٌ واحدةٌ، لاختلَّ البَصرُ، وعَجَزَ عنه الأطباءُ كلُّهم.
فهذا في حسٍّ واحدٍ، وقِسْ حاسَّةَ السَّمعِ وسائرَ الحواسِّ، ولا يمكنُ أن يُستوفَى ذلك في مجلَّداتٍ، فكيف ظنُّكَ بجميعِ البدنِ؟»[46].
وذكَّر اللهُ النَّاسَ بنعمةٍ مِن نِعَمهِ العظيمةِ على الأرضِ وهي: نعمةُ الليلِ والنَّهارِ فقال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [غافر: 61].
وقال سُبْحَانَهُ مُذكِّرًا لعبادِهِ أَنَّه سخَّر لهم البحارَ والأنهارَ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 14].
وقال سُبْحَانَهُ مُذكِّرًا لأصحابِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم بنعمتِه العظيمةِ عليهم: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: 26].
ولو أردْنَا أَنْ نُعدِّدَ نِعَمَ اللهِ لطالَ المَقامُ بنا ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34][47].
5- وعن بيانِ حقيقةِ النِّعمِ وأقسامِها يقولُ في مختصر منهاج القاصدين:
«اعلَمْ أَنَّ كلَّ مطلوبٍ يُسمَّى نِعْمةً، ولكِنَّ النِّعْمةَ في الحقيقةِ هي السعادةُ الأُخرويَّةُ، وتسميةُ ما عداها نعْمةً تَجوُّزٌ.
والأمورُ كلُّها بالإضافةِ إلينا تَنْقسِمُ أربعةَ أقسامٍ:
أحدُها: ما هو نافعٌ في الدُّنيا والآخرةِ جميعًا، كالعِلْمِ، وحُسْنِ الخلقِ، وهو النعمَةُ الحقيقيةُ.
الثاني: ما هو ضارٌّ فيهما جميعًا، وهو البلاءُ حقيقةً.
القسمُ الثالثُ: ما ينفَعُ في الحالِ، ويضرُّ في المآلِ، كالتلذُّذِ، واتباعِ الشَّهواتِ، فهو بلاءٌ عند ذوي الأبصارِ، والجاهلُ يَظُنُّه نِعْمةً.
ومثالُه: الجائعُ إذا وَجَدَ عسلًا فيه سُمٌّ، فإِنَّهُ يَعُدُّه نعمةً إِنْ كانَ جاهلًا، فإذا علِم ذلك عَدَّهُ بلاءً.
القسمُ الرابعُ: الضارُّ في الحالِ، النافعُ في المآلِ، وهو نِعمَةٌ عند ذوي الألبابِ، بلاءٌ عند الجُهَّالِ.
ومثالُه: الدَّواءُ الشنيع مذاقُه في الحالِ، الشَّافي في المآلِ مِن الأسقَامِ، فالصبيُّ الجاهِلُ إذا كُلِّفَ شُربَه ظنَّه بلاءً، والعاقِلُ يعدُّهُ نِعْمةً.
وكذلك إذا احتاجَ الصبيُّ إلى الحِجامةِ، فإِنَّ الأبَ يدعوه إليها، ويأمُره بها؛ لِما يلحظُ في عاقبتِها مِن الشفاءِ، والأمُّ تمنعُه مِن ذلك لِفَرطِ حُبِّها وشفَقَتِها؛ لكونِها جاهلةً بالمصلَحَةِ في ذلك، فالصبيُّ يُقلِّدُ أُمَّهُ بجهلِه، ويأنسُ إليها دُونَ أبيه، ويُقدِّرُ أباه عدوًّا، ولو عَقَل لعلِمَ أَنَّ الأمَّ هي العدوُّ الباطنُ في صورةِ صديقٍ؛ لأَنَّ منعها إياه مِن الحجامَةِ يَسُوقُه إلى أمراضٍ ألمُها أشدُّ مِن ألمِ الحِجامَةِ...
فالصَّديقُ الجاهِلُ شرٌّ مِن العدوِّ العاقلِ، وكلُّ إنسانٍ صديقُ نفسِهِ، ولكِنَّ النفسَ صديقٌ جاهِلٌ، فلذلك تَعملُ به ما لا يَعملُ العدوُّ.
6- الفرقُ بين إنعامِ الخالقِ وإنعامِ الخَلْقِ:
أ- إِنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يُعطي الخَلْقَ ويَتَفَضَّلُ عليهم مع استغنائِهِ عنهم، والمخلوقُ لا يُعطي غالبًا إلا لِمَقْصِدٍ أو غَرَضٍ.
ب- إِنَّك رُبَّما احتجْتَ إلى شيءٍ مِن المخلوقِ ولا يُعطيكَهُ، لكونه مُحتاجًا إليه، واللهُ سُبْحَانَهُ غنيٌّ عن كلِّ شيءٍ، قال سُبْحَانَهُ: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ﴾ [الأنعام: 14].
جـ- إِنَّك رُبَّما احتجْتَ إلى شيءٍ من المخلوقِ إلا أَنَّه لا يُمكِنُكَ الوصولُ إليه فتبقَى محرومًا عن عطيتِهِ.
واللهُ سُبْحَانَهُ تَصِلُ إليه بدُعائكِ ومُناجاتِكَ في كلِّ وقتٍ وحينٍ ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].
د- إِنَّك إذا قصَّرتَ في خدمةِ المخلوقِ قَطَعَ عنك إِنْعامَه، والكافرُ يُقصِّرُ بأعظمِ حقوقِ الله ويَظلُّ إنعامُهُ سُبْحَانَهُ عليه كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما أَحَدٌ أَصبرُ على أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعونَ له الولدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ ويرزقُهم»[48].
7- وقد بيَّن تعالى أَنَّ أكثرَ النَّاسِ عن شُكْرِ هذه النِّعمِ والأفضالِ غافلون أو متغافلون، وهم في نِعَمِ اللهِ غارقون.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [غافر: 61].
وقال: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]، وهذه الآيات تقابِلُ قولَهُ تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ﴾ [الروم: 42].
لأنَّ أعظمَ الشُّكْرِ لله سُبْحَانَهُ هو توحيدُه وعبادَتُه وَحْدَهُ لا شَريكَ له، لأنه هو الذي خَلَقَ وأوجَدَ مِن العَدمِ ورَزَقَ الإنسانَ الأرزاقَ الكثيرةَ، ولم يشارِكْهُ في ذلك أَحَدٌ، فلا يَستَحقُّ أحدٌ العبادةَ مَعَهُ، ولكنَّ أكثرَ الناسِ كما قال تعالى أعرَضوا عن هذه الحَقيقةِ، وجعَلوا له أندادًا، ونَسَبوا لها الضرَّ والنَّفعَ، والتصرُّفَ في الأرزاقِ، ودفعَ الأمراضِ، وقضاءَ الحاجاتِ، وتفريجَ الكُرُباتِ.
فمِنَ الشِّركِ الذي يَقعُ مِن العبادِ نِسْبتُهم ما يحصلُ لهم مِنَ الأرزاقِ إلى المخلوقينَ...
قال البخاريُّ في صحيحه: بابُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82]، قال ابنُ عباسٍ: شُكْرَكم[49].
ثم روى حديثَ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهني؛ أنه قال: صلّى لنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صلاةَ الصُّبحِ بالحديبيةِ على إثرِ سماءٍ كانت مِنَ الليلِ، فلما انصرَفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أقبلَ على النَّاسِ فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوَاكِبِ» اهـ[50].
وفي روايةٍ لمسلمٍ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الغَيْثَ فَيَقُولُونَ: الكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا»[51].
قال ابنُ قتيبةَ: «كانوا في الجاهليةِ يظنّونَ أَنَّ نزولَ الغَيْثِ بواسطةِ النَّوءِ[52]، إمَّا بصُنعِهِ على زعمِهم وإما بعلامَتِهِ، فأبطلَ الشرعُ قولَهم وجعلَهُ كُفرًا، فإِنِ اعتقدَ قائلُ ذلك أن للنوء صُنعًا في ذلك فكفرُه كفرُ تشريكٍ، وإِنِ اعتقدَ أنَّ ذلك مِنْ قبيلِ التَّجْرِبَةِ فليس بشِرْكٍ لكن يجوزُ إطلاقُ الكفرِ عليه وإرادةُ كفرِ النِّعمةِ، لأنه لم يَقَع في شيءٍ مِن طُرُقِ الحديثِ بين الكُفرِ والشّركِ واسِطَةٌ، فيُحْمَلُ الكفرُ فيه على المعنيَين لِتَناوُلِ الأمْرين واللهُ أعلمُ» اهـ[53].
ومِنْ هذا قولُ النَّاسِ: لولا الطبيبُ لماتَ ابني، لولا البَطُّ أو الكلبُ لسَرَقَ اللصوصُ الدَّارَ، وما شابه ذلك مِن نِسبةِ الفَضْلِ والنِّعمةِ لغيرِ اللهِ تعالى.
7- ويجبُ أَنْ يعلمَ أَنَّ اللهَ تعالى لا يَزدادُ مُلكُه شيئًا بشكْرِ الناسِ له ونِسبتِهِمُ الفَضْلَ إليه، كما أَنَّه لا يَتضرَّرُ بكُفرِهم لأَنَّه الغنيُّ الحميدُ، ولكنَّه تبارك وتعالى يُحِبُّ أَنْ يُحمدَ ويُشْكَرَ ويَرْضَى عن العبدِ بذلك، ويَكْرَهُ أَنْ يُكْفَرَ بِه وبنعمتِه ويَسْخَطُ على العبدِ بذلك، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7].
بل المستفيدُ والمنتفِعُ بالشُّكْرِ هو الإِنسانُ نفسُهُ، كما أَنَّه هو المُتضرِّرُ بالكُفْرِ، قال تعالى عن سليمانَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل: 40].
وقال عَنْ لُقمانَ العبدِ الصَّالحِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: 12].
8- والكُفرُ بنِعَمِ اللهِ تعالى مُؤذِنٌ بزوالِها عمَّن كَفَر بها؛ قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [النحل: 112، 113].
وهذه القريَةُ هي مكَّةُ؛ فإِنَّها كانتْ آمنةً مطمئِنةً مُستقِرَّةً، والناسُ حولها يُتَخَطَّفون، يُغيرُ بعضُهم على بعضٍ، ويَقتلُ ويَنهبُ بعضُهم بعضًا، أما مكَّةُ مَنْ دخلَها كان آمنًا لا يخافُ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 57].
وقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: 67].
وكان مِنْ تَمامِ النِّعمَةِ عليهم إرسالُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إليهم، فكفروا به كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ [إبراهيم: 28، 29].
ولهذا بدَّلَ اللهُ حالَهم فقال: ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾ [النحل: 112]؛ أي: ألبَسَها وأذاقَها الجُوعَ بعدَ أَنْ كان يُجبى إليهم ثَمراتُ كلِّ شيءٍ، ويأتيها رِزْقُها رغدًا مِنْ كلِّ مكانٍ، وذلك لعصيانِهم رسولَهُمْ صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم بالقَحْطِ.
فعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: إِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى مِنَ الناس إِدْبارًا قال: «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، فأخذتْهم سَنةٌ حصَّتْ كلَّ شَيْءٍ، حتى أَكَلوا الجلودَ والميتةَ والجيفَ، وينظر أحدُهم إلى السَّماءِ فيرى الدُّخانَ مِن الجوعِ؛ فأتاه أبو سفيانَ فقال: يا محمدُ، إنك تأمُرُ بطاعةِ اللهِ وبِصِلةِ الرَّحمِ، وإِنَّ قومَك قد هلكوا، فادعُ اللهَ لهم.
قال اللهُ تعالى: ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾ [الدخان: 10] إلى قولِهِ: ﴿ إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾ [الدخان: 15، 16]، فالبَطْشَةُ الكبرى يومُ بدرٍ، وقد مَضَتِ الدُّخانُ والبطشةُ واللّزامُ وآيةُ الرومِ[54].
وأَمَّا الخوفُ فهو مِنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه حين هاجروا إلى المدينةِ فكانوا يَخافونَ مِنْ سَطوتِهِ وسراياه وجيوشِهِ، وذَهَبَ أمنُهم السَّابِقُ، وبَقَوْا كذلك إلى أَنْ فتحَ اللهُ تعالى على نبيِّه صلى الله عليه وسلم مكةَ.
وكلُّ ذلك بسببِ كُفرِهم بنعمةِ اللهِ وبَطَرِهم وأَشَرِهِمْ ومعاداتِهم لرسولِه صلى الله عليه وسلم ورفضِهم لشريعتِه ودينِه وإصرارِهم على كُفرِهم ومعاصِيهم، وللكافرين أمثالُها.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|