الموضوع: وقفات فقهية
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 23-02-2024, 08:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات فقهية

وقفات فقهية (25)

الركون إلى الذين ظلموا والحذر من مكرهم (1-2)



يقول تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} (هود: 113)، وهم أهل الكتاب وغيرهم، والإعجاب ببدعهم، وضلالهم وتفضيلهم على المسلمين وكيفية التعامل معهم. فالركون من الركن: وهو الناحية من البيت، أو الجبل، وما يعتمد عليه، وركن إلى فلان: انضوى إليه، أو اعتمد عليه، ومنه قوله تعالى: {أو آوي إلى ركن شديد} قال [: «رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد» يعني: إلى الله تعالى. فالنهي هنا عن الميل والاعتماد بالمداهنة أو الملاحقة بالظلم، والدنو من الظلمة، وتعظيم ذكرهم، وصحبتهم من غير تذكيرهم ووعظهم، والاطمئنان إليهم والسكون إلى أقوالهم، بمودة، أو الرضا بشكرهم فتكونون أمثالهم، وللبيان:
- أولا: يقول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} (آل عمران: 118)، فقوله {من دونكم} يشمل المشركين والمنافقين وأهل الكتاب وغيرهم. وقوله {ودوا ما عنتم} أي في كل زمان ومكان وقوله {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} بدت قولا وعملا فهم أعداء بكل حال، وعلى هذا تكون الآية إعلان المقارنة بين المؤمنين ومن دونهم، ببيان الآية التي بعدها: {هأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} (آل عمران: 119).
ثانيا: ولإيضاح سماحة الإسلام، وحرصه على السلام، في أمور كثيرة يقول الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (الممتحنة: 8)، ويقول الله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} (التوبة: 4)، ويقول الله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} (العنكبوت: 46)، حتى في حال خيانتهم: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} (الأنفال: 58)، أي أعلمهم بما عزمت عليه. ويقول تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} (المائدة: 5) فذلك لإبعاد الحرج عن المسلمين فيما يأكلون {وطعامكم حل لهم} فهم لا ينتظرون الإباحة من الإسلام فيما يأكلون وإنما هو أيضا لرفع الحرج عن المسلمين لتقديم طعامهم لتأليف قلوبهم، ولو حرم الله طعامنا عليهم لما قدمه المسلمون لهم، وقوله: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهم محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} (المائدة: 5) للزواج لإيمان المسلمين بديانة أهل الكتاب فلا ضرر منهم عليهن. وتحريم زواج المؤمنات على أهل الكتاب وغيرهم لكفرهم بالإسلام وخشية الضرر عليهن، وذلك من عدالة الإسلام لا للإيثار، ودليله حرم الله على المسلمين نكاح المشركات من أهل الملل الأخرى لعدم الإيمان بدينهن، ولمضرة المشركات على أبنائهن من المسلمين: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} (البقرة: 221).
ثالثا: ومن الجوانب الإيجابية لديهم، قول الله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر} (آل عمران: 113 - 114). وللأسف هم الأقل، يقول الله تعالى: {منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} (المائدة: 66). ويقول الله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (آل عمران: 75)، ولم يقرهم الله على مقولتهم فكذبهم وأمرنا الله بالوفاء بدليل الآية التي تليها: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} (آل عمران: 76).
رابعا: فيجب ألا نركن للذين كفروا ولا لمن والاهم، خاصة في الأمور الأساس كالنصرة وجلب السلاح والطعام والثقافة المخالفة لشرع الله لأهمية ذلك وقوة تأثيره، وألا نفضلهم على المؤمنين، يقول تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} (النساء: 51-52) وهذا كثيرا ما نسمعه ونجده من البعض لشدة إعجابهم بغير المسلمين.
خامسا: الحذر من التشبه بهم أو تقليدهم في مخالفة الشرع، روى مسلم وغيره عن ثوبان ]: أن رسول الله [ قال: «وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيتسبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا» وهذا ما نعاني منه اليوم من انتصار الأعداء بتعاون البعض معهم، والله المستعان. وروى الإمام أحمد وأبوداود عنه [ قال: «وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم».
سادساً: يقول الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} (الأنفال: 60)، والإرهاب هنا للإخافة وليس لقتالهم مباشرة بل هو الإعداد بالعلم لإقناعهم بالحق، وبالقوة لفرض الهيبة، والسلامة من التهديد، وكسب الاحترام، منهم {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} مع الشعور بقوله تعالى: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم} ولا تكون الرهبة إلا من القوي المتعلم، ثم إذا اقتضى الأمر قتالهم بالقوة بعد إعدادها واعتدائهم فليكن ذلك، والله المستعان.
سابعاً: أما الحذر من مكرهم فخلاصة تعريف المكر: فهو صرف الآخر عما يريد إلى غيره بالحيلة والخداع وزخرف القول، يدبر تدبيرا فاسدا ليضره ويؤذيه في خفية، دون أن يشعر، يقول الله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} (الأنفال: 30)، ويقول الله تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} (الأنفال: 30).
ثامناً: فمن مكرهم في الماضي حال ضعفهم، قول الله تعالى: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (آل عمران: 72)، وقوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} (البقرة: 14) وإرضاؤهم مستحيل، يقول الله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} (البقرة: 120).
تاسعاً: ومن مكرهم المعاصر: ما جاءا وبه من مقولة العولمة، يريدون بها إسقاط تطبيق الحدود الشرعية لتكثر الجرائم، وتهبط الأخلاق الفاضلة. ولقد لاحت بعض البوادر، فتبدلت الأخلاق، وفشت المخدرات، وأرهب الطالب أستاذه، وعق الولد والده، فكادت الأجيال تضيع فلا علم ولا أخلاق، وهيمن الأعداء على الاقتصاد ليعم الفقر، وتسود الرذيلة، مع العلم أن الإسلام هو دين العولمة لنشر الفضيلة، فالله أرسل نبيه [ للناس كافة، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (سبأ: 27)، وأرسله رحمة للعالمين: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107) وهذه هي العولمة الحقة، رسالته كافة للناس بشيرا بالخير ونذيرا عن الشر، ورحمة للعالمين ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ولقد استضعف كثير منا، وشطن كثير منهم فغزوا البلاد ودمروا الديار وقُتل الأبرياء؛ لجهلنا بديننا وبمقدارنا عند ربنا والله تعالى يقول: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} (الحشر: 43)، والواقع يشهد على ذلك فبناؤهم الجدر في فلسطين المحتلة ومحاولتهم ذلك في العراق وغيره مع انتهاء عصر الأسوار، تصديق لقول الله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} (الحشر: 14). فهل أدركنا ذلك؟ والله تعالى يقول: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} (محمد: 38).


اعداد: د. حسين بن محمد بن عبدالله آل الشيخ




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.97%)]