عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-01-2024, 11:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,698
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير سورة التوبة (الحلقة السادسة) الدولة الإسلامية الناشئة بين سندان أهل الكتاب




بهذه الآية الكريمة بين تعالى أن صفات الربوبية خلقا وإماتة وإيجادا وإعداما وتدبيرا وتشريعا للحياة حلالا وحراما ومنعا وإباحة، لله وحده لا شريك له، مصدرها الوحي منه تعالى، وأن أهل الكتاب ضلوا الطريق وأشركوا باتخاذهم الأحبار والرهبان وعزيرا وابن مريم أربابا يعبدونهم بإضفاء صفات ليست إلا لله تعالى ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: 31]، أي: وهم لم يؤمروا مطلقا في أي زمان أو مكان إلا بعبادة إله واحد لا شريك له هو الله تعالى ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [التوبة: 31]، هو المتفرد بالألوهية المطلقة بجميع صفاتها وخصائصها ﴿ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31]، تنزه عن كل ما يرتكبه المشركون في حقه من الشرك ظاهرا وخفيا تصريحا أو تلميحا، تلك عقيدة الأنبياء والرسل من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ما بلغه صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب من قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 64]، وذلك ما سمعه الجن منه عليه الصلاة والسلام فأسلموا، قال تعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: 1-2]، وقال سبحانه: ﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الأحقاف: 30 - 32]، وذلك فحوى الحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين وفد نصارى نجران إذ استضافهم في مسجده ينامون فيه ويصلون صلاتهم[9]، فقال لزعيميهم - السيد والعاقب –: (أسلما)، فقالا: "قد أسلمنا قبلك"، فقال: (كذبتما، منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير)، قالا: "إن لم يكن عيسى ولداً لله فمن أبوه؟"، وخاصموه جميعاً في عيسى، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:(ألسـتم تعلمــون أنـه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟) قالوا: "بلى"، قال:(ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟) قالوا: "بلى"، قال:(فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟)، قالوا: "لا"، قال: (فإن ربنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يُحدِث)، قالوا: "بلى"، قال:(ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّيَ كما يُغذَّى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويُحدِث؟) قالوا: "بلى"، قال:(فكيف يكون هذا كما زعمتم؟) فسكتوا، فأنزل الله عز وجل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضعة وثمانين آية منها.


لقد كان أهل الكتاب لا يحاورون الرسول صلى الله عليه وسلم بعقولهم وإنما بأمزجة الكراهية والبغضاء التي تحملها قلوبهم للقرآن الكريم، ومشاعر الحسد والعداء لمن أرسل به، ومحاولة القضاء على دعوة الإسلام قرآنا ورسولا ومؤمنين بهما، ولذلك كشف الحق تعالى أهدافهم تعقيبا على مناوراتهم ومداوراتهم ومجادلاتهم بقوله عزوجل:
﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [التوبة: 32]، إنهم بجدالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به لا يبحثون عن الحق، وإنما يريدون أن يطفئوا نوره الذي أوحي به له في القرآن الكريم ﴿ بِأَفْوَاهِهِمْ [التوبة: 32]، بمجادلاتهم ومماراتهم ومغاطاتهم الشفوية التي تكشف جهلهم ﴿ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: 32]، ولكن الله تعالى صاحب الأمر كله يأبى إلا أن ينصر دينه ورسوله ويحفظ القرآن الكريم الذي أوحى به، على رغم إرادة الكافرين، ثم أكد الحق تعالى هذا الوعد منه بنصر دين الله وإتمام الوحي بالقرآن ونشر نوره فقال عز وجل:﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ [التوبة: 33]، محمدا صلى الله عليه وسلم ﴿ بِالْهُدَى [التوبة: 33]، وهو القرآن الكريم وما بينته السنة النبوية الصحيحة قولا وفعلا وإقرارا ﴿ وَدِينِ الْحَقِّ [التوبة: 33]، الذي هو الإسلام ﴿ لِيُظْهِرَهُ [التوبة: 33]، لينصره ويعليه ﴿ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 33]، على جميع الأديان الشيطانية المنتحلة ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 33]، ولو كره ذلك المشركون بالله غيره أو معه أو بدونه، وكان تعالى قد أكد فيما سبق نزوله من القرآن هذا الوعد الحق مرتين هما: قوله سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح: 28]، وقوله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: 9]، وبشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ بعزِّ عزيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذليلٍ)[10].


وبعد أن بين تعالى الخلل في عقيدة أهل الكتاب باتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله يشرعون لهم بما لم يأذن به سبحانه، تطرق إلى الخلل في الأحبار والرهبان أنفسهم وخاطب بذلك المؤمنين فقال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة: 34]، بالله ورسوله والنور الذي أنزل إليكم قرآنا كريما، خصهم تعالى بالخطاب تحذيرا لهم من الانزلاق إلى عقائد الأحبار والرهبان الذين حدثهم عنهم وحذرهم من ضلالهم ﴿ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [التوبة: 34]، كثيرا منهم وليس كلهم، تنبيها إلى خطورة الكثرة الفاسدة إذا تغلبت على القلة الصالحة واستضعفتها، وجعلت همها جمع الأموال بالأساليب المحرمة، ارتشاء ورشوة، من غير حرج في إنفاقها واستهلاكها والاستفادة منها ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه [التوبة 34]، ويصرفون بها العامة عن الحق، والحكام عن العدل بتزيين الظلم وتبريره لهم، ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [التوبة: 34]، يراكمون الذهب والفضة وما يقوَّمُ بهما في خزائنهم ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 34]، في أوجه الخير التي يرضاها الله تعالى ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34]، ينالهم في الآخرة.


والآية بهذا الوعيد الشديد إدانة صريحة لسلوك أكثر أحبار اليهود ورهبان النصارى في علاقاتهم مع الحكام ومعاملاتهم المادية لأتباعهم، وما سجله التاريخ شاهد على ذلك، فقد كان بعضهم يعينون الحكام على الظلم ويسعون بالوشايات الكاذبة لديهم كما فعلوا بعيسى عليه السلام إذ وشوا به إلى الحاكم الروماني، وبأريوس الذي عارض التثليت لدى أمبراطور بيزنطة في مجمع نيقية، وكان بعضهم يبيعون فتاوى التبرئة والتزكية وصكوك الغفران والأحكام الشرعية للعصاة وللمتقاضين، فأفسدوا العامة وخدموا الأباطرة والحكام وضيعوا في نهاية أمرهم التوراة والإنجيل أصلا وأحكاما.


وهذه الآية أيضا لتعلقها بالأموال التي زينت للناس أثارت عقب نزولها بين بعض الصحابة جدلا واسعا وقلقا شديدا، منه ما روي عن ابن عباس وغيره أنه قال: "لما نزلت هَذِه الْآيَة ﴿ وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة [التوبة: 34]، كبر ذَلِك على الْمُسلمين وَقَالُوا: "مَا يَسْتَطِيع أحد منا لوَلَده مَالاً يبْقى بعده"، فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: "أَنا أفرِّج عَنْكُم"، فَانْطَلق عمر رَضِي الله عَنهُ وَاتبعهُ ثَوْبَان رَضِي الله عَنهُ فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: "يَا نَبِي الله، إِنَّه قد كبر على أَصْحَابك هَذِه الْآيَة"، فَقَالَ: صلى الله عليه وسلم: (إِن الله لم يفْرض الزَّكَاة إِلَّا ليطيب بهَا مَا بَقِي من أَمْوَالكُم، وَإِنَّمَا فرض الْمَوَارِيث من أَمْوَال تبقى بعدكم)، فَكبر عمر رَضِي الله عَنهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منبها إلى خير من الكنز ولو أُدِّيَتْ زكاتُه: (أَلا أخْبرك بِخَير مَا يكنز الْمَرْء؟ الْمَرْأَة الصَّالِحَة الَّتِي إِذا نظر إِلَيْهَا سرته وَإِذا أمرهَا أَطَاعَته وَإِذا غَابَ عَنْهَا حفظته). ومثل هذا الحديث في إباحة كنز المال إذا أُدِّيتْ زكاته أخرجه أبو داود ونصه: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم)، وأخرجه البيهقي ونصه: (ما أدى زكاته فليس بكنز)، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا "أُبَالِي لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذهبا أعلم عدده فأزكيه وَأَعْمَلُ بِطَاعَةِ الله".


إلا أن فريقا من صحابته صلى الله عليه وسلم على رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو ذر رضي الله يعدون كنز ما فوق الحاجة كنزا مذموما، محتجين بأحاديث وأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل قوله عليه السلام: (تبا للذهب والفضة) [11]، وما روي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: "قد ذم الله تعالى كسب الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه؟" فقال عمر: أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال: (لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة تعين المرء على دينه)[12]، وما أخرجه مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِحَتْ له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار)، ونتج عن الاختلاف في فهم الآية والعمل بها أن:
فريقا من الصحابة كان يبيح الكنز ويخرج الزكاة، فلما توفاهم الله إليه تركوا أموالا كثيرة، لاشتغالهم بالتجارة وتنميتهم ما اكتسبوه من غنائم الجهاد، حتى إن أحدهم هو عبد الرحمن بن عوف [13] رضي الله عنه قسمت أمواله من الذهب بعد وفاته بالفؤوس، وما روى أحمد في مسنده من حديث أنس رضي الله عنه (أن عبد الرحمن بن عوف أثرى وكثر ماله، حتى قدمت له مرة سبعمائة راحلة تحمل البر والدقيق)، وحتى تزوج مصعب بن الزبير حاكم العراق فى خلافة أخيه عبد الله بن الزبير فأمهر زوجتين له مليون درهم لكل واحدة منهما.


وفريقا آخر كانوا يعدون ما فوق حاجاتهم كنزا لا يليق بهم، قدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ (دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذتَ فِرَاشاً أَوْثَرَ مِنْ هَذَا؟"، فقال: (يا عمر، مالي وَلِلدُّنْيَا؟ وَمَا لِلدُّنْيَا وَلِي؟، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مَثلي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فاستظلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً من نهار ثم راح وتركها) [14]. وما روي صحيحا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّة فَوَجَدُوا فِي شَمْلَتِهِ دِينَارَيْنِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَكَيَّتانِ)[15].


في مقدمة هذا الفريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد ترك بعد موته سبعة دنانير وقيل سبعين درهما، وأرضا في ينبع أوقفها صدقة على فقراء المسلمين عامة وضمنهم فقراء بني هاشم، وروي عنه أنَّه قال: "كل مال زاد على أربعة آلاف درهم؛ فهو كنز، أُدِّيتْ منه الزكاة أو لم تُؤدَّ، وما دونها نفقة"، وسألت زوجته فاطمة الزهراء رضي الله عنها والدها رسول الله صلى الله عليه وسلم خادمة تخدمها وقد التهبت بخدمة البيت يداها فلم يلب رغبتها. وما حدث به هارون بن مسلم بن عن أبيه قال: إنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَعْطَى النَّاسَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَ عَطِيَّاتٍ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ خَرَاجُ أَصْبَهَانَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اغْدُوا إِلَى الْعَطَاءِ الرَّابِعِ فَخُذُوهُ فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا لَكُمُ بِخَازِنٍ، فَقَسَمَهُ فِيهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ بَيْتَ الْمَالِ فَكُسِحَ وَنُضِحَ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ ثُمَّ قَالَ: "يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي".


وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه وقد توفي منفيا في الربذة [16] بعد أن خاصم معاوية وعثمان في أمر مال المسلمين، وكان يقول: "مَنْ ترك بيضاء أو حمراء كُوِيَ بها يوم القيامةِ"، ولما توفاه الله خرجت زوجته إلى طريق القوافل تَنشُد من يساعدها على توفير كفن له وعلى دفنه، وقال عنه زيدُ بنُ وهبٍ: مررتُ بأبي ذر بالرَّبَذة، فقلت: يا أبا ذرّ ما أنزلك هذه البلاد؟ فقال: كنت بالشام، فقرأت: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ.. [التوبة: 34]، فقال معاويةُ: هذه الآية في أهل الكتابِ، فقلتُ: "إنها فيهم وفينا"، فصار ذلك سبباً للوحشة بيني وبينه، فكتب إليَّ عثمان أن أقبِلْ إليَّ، فلمّا قدمت المدينة انحرف النَّاس عنِّي؛ كأنهم لم يَرَوْنِي من قبل، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: "تَنَحَّ قريباً"[17]، فقلت: "والله إنّي لم أَدَعْ ما كنت أقول".


ثم خلف من بعد هذا السلف الصالح على مر العصور خلْفٌ خالفوا واختلفوا وأحدثوا واستحدثوا، واتبعوا نهج الأحبار والرهبان، ممن بلغتنا أخبارهم، وممن نراهم بيننا من بني جلدتنا، وما لعطر بعد عرس من خفاء.


ثم بين الحق تعالى طبيعة العذاب الأليم الذي بشر به كَنَزَةَ[18] الذهبِ والفضة وما يقوَّم بهما فقال:﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ [التوبة: 35]، أي: يبشرهم بشارة استصغار لعقولهم التي أضلتهم، باليوم الذي توقد فيه نار جهنم على ثرواتهم من الذهب والفضة، فتحمى وتشتد حرارتها ﴿ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [التوبة: 35]، فيعمم بها الكي والحرق على أبدانهم أعلاها وجنوبها وظهورها ﴿ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: 35]، ويقال لهم بيانا لعدالة الله: هذا العذاب جزاء لما استأثرتم به لأنفسكم من دون فقراء الأمة وحاجاتهم، فذوقوا اليوم ألم الحرق في جهنم كما ذاق الفقراء والمحتاجون ألم الفقر والخصاص في الدنيا.

[1] أيلة: تاريخيا مدينة قديمة إسلامية على الموقع الحالي لمدينة العقبة الموجودة في جنوب الأردن، حاليا سيطر على غربها الكيان الصهيوني سنة 1948 وأسس عليه مدينة إيلات، والمنطقة كلها من قبل فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلما صلحا وهو في طريق عودته من غزوة تبوك.

[2] دومة الجندل حاليا مدينة سعودية عاصمة لمحافظة دومة الجندل التابعة لمنطقة الجوف، جنوب غرب المملكة العربية السعودية، فتحها الرسول صلى الله عليه وسلم صلحا في طريق عودته من تبوك، عرفت في النصوص الآشورية منذ القرن الثامن قبل الميلاد باسم (أدوماتو)، وورد ذكرها في نقش ثمودي عثر عليه في تيماء يعود تاريخ كتابته للقرن السادس قبل الميلاد باسم (دومة)، وفي التوراة باسم (دومة)، وذكرت في جغرافية بطيليموس تحت اسم (دوماثا)، وذكر الإخباريون والجغرافيون العرب أن اسم دومة مشتق من اسم دوماء بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، والجندل هو الصخر، نسبت له لسور كان حولها من الصخر، والدومة لغة شجيرات ملتفة من فصيلة النخيليات أو النخيل المتوسطي القزم الزاحف، في المغرب غالبا ما يستنبت في المقابر، وفي حديث عبد الله بن شقيق عن ابن حوالة قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ظِلِّ دَوْمَةٍ يُمْلِي عَلَى كَاتِبٍ لَهُ...).

[3] القيصر حينئذ هو هرقل/ هيروكليس (610/641 م)، كان تنصيبه على عرش بيزنطة وعاصمتها اسطنبول واستيلاؤه على الشام بجميع قبائله من الغساسنة وبني كلب وقضاعة وجذام ولخم وتغلب وبني عاملة، بعد هزيمة الفرس في حربهم على بيزنطة وجلائهم عنه، متزامنا مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واختار للتوسع نحو الحجاز وجزيرة العرب تجنيد العملاء من عرب الشام والأقليات اليهودية والنصرانية والمنافقين ومسلمة الفتح الناقمين، ومحاولة تخريب الصف الإسلامي بدل التدخل العسكري المباشر مادام منهكا بعد خروجه منتصرا من حربه مع الفرس.

[4] هو فروة بن عمرو بن النافرة النُّفاثي رضي الله عنه، أول شهيد من خارج الجزيرة العربية في الإسلام بفلسطين، من بني نُفَاثة، من جُذام، كان قبيل الاسلام وفي عهد النبوة واليا للروم على أكبر ولاية في الشام تابعة للبيزنطيين (فلسطين وخليج العقبة إلى ينبع)، فأسلم وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا بإسلامه، وعلم بذلك القيصر فأمر واليه على دمشق أبا الحارث الغساني وكان نصرانيا بقتله، فاعتقله وعذبه وعرض عليه العفو والبقاء في منصبه إن عاد عن الإسلام فأبى، فقتل وصلب بفلسطينعلى ماء يقال له عفراء، وحاليا له ضريح قرب مدينة الطفيلة جنوب الأردن.
عندما قدمه الروم للقتل قال رحمه الله:
بَلِّغْ سُراةَ المسلمين بأنني سَلَمٌ
لِرَبّي أعْظُمِي ومقامي




وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بما فعل الحارث دعا عليه وقال: (باد ملكه)، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فما لبث أن مات الحارث وباد ملكه ودخل الشام كله في ملك المسلمين.

[5] أبو عامر الراهب واسمه عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان الأوسي، من بني ضبيعة بن زيد من الأوس، وكنيته أبو عامر الراهب تنصر وظل يناصب دعوة الإسلام العداء، وسمّاه الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق. ابنه هو الشهيد حنظلة بن أبي عامر، الصحابي الجليل غسيل الملائكة.
كان أبو عامر الراهب رأس الأوس في الجاهلية، وحاول أن يشق جيش المسلمين يوم أحد فلم يفلح وهو الذي حفر الحفرة التي سقط فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرج وكسرت رباعيته، ذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى اللّه عليه وسلمَ ويحضهم على قتاله، وحرض المنافقين على بناء مسجد الضرار، وكان صلة الوصل بينهم وبين قيصر الروم، وعد المنافقين بأن يأتيهم بالدعم منه، ثم خرج إليه مستنصراً به على رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فمات عنده كما ورد في كتاب "المنتظم في تاريخ الأمم والملوك" لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، قال: "وفيها - يعني في السنة العاشرة من الهجرة - مات أبو عامر الراهب بأرض الروم عند هرقل".

[6] عدد الأناجيل المذكورة في الساحة المسيحية حوالي ثلاثة وثلاثين إنجيلا كتبها تلامذة للمسيح عليه السلام، ولم يدَّعِ أحد منهم أنها هي الإنجيل الأصْلُ الموحى به، ثم في المجمع المسكوني اعتُمِد بضغط وتوجيه من الإمبراطور الوثني "قسطنطين" أربع أناجيل هي إنجيل متى، مرقس، لوقا، يوحنا.

[7] نيقية أو"إيزنيك" كما تنطق بالتركية، حاليا مدينة تركية في الساحل الغربي عند بحر مرمرة قريبا من بورصة.

[8] إسناده حسن، والسبع الأول هي السور السبعة الأولى من القرآن الكريم بعد الفاتحة.

[9] كان الإذن لهم بدخول مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه واستضافتهم فيه قبل نزول تحريم ذلك في سورة التوبة.

[10] الألباني: صحيح.

[11] حسنه الألباني.

[12] أخرجه أحمد فى المسند، والترمذي، وابن ماجه، عن ثوبان.

[13] عبد الرحمن بن عوف كان تاجرا ماهرا كون ثروته من أقل القليل حتى أصبح أغنى الصحابة، وترك عند وفاته ذَهَبًا قُطِّعَ بالفؤوس حتى مَجَلت منها أيدي الرجال (ظهرت فيها الجروح)، وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة مِن ثُمُنها بثمانين ألفًا - الطبقات الكبرى لابن سعد، جـ3، صـ101 -، وكان حينما هاجر للمدينة فقيرا عرض عليه سعد بن الربيع الخزرجي رضي الله عنه أن يشاطره في نصف ماله مجاناً حين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد، فرفض عبد الرحمن بن عوف هذا العرض وقال: "بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن.."

[14] الألباني حسن صحيح.

[15] الألباني: حسن صحيح.

[16] الربَذَة صحراء تقع في طريق القوافل، نفي إليها أبو ذر رضي الله عنه، وهي حاليا مدينة في شرق المدينة المنورة تبعد عنها بحوالي مائة ميل، وقعت بها معركة انتصر فيها جيش عبد الله بن الزبير على جيش بني أمية.

[17] أي ابتعد عن المدينة واسكن قريبا منها، نفاه بأسلوب مهذب.

[18] كَنَزَة بفتح النون والزاي على وزن فَعَلَة جمع مفرده كانِز، كجمع قاتل على قَتَلَة.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.75 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.71%)]