الموضوع: وفد الله
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 27-12-2023, 08:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وفد الله


الأمر الخامس: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من حجَّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه))[7]؛ يعني: رجع مغفورًا له، وهذا من أعظم أهداف الحج أن يحصل الحاج على تكفير ذنوبه ومعاصيه، لكن هل يُغفَر له وهو مصر على العودة إليها؟ هل يُغفر له وهو مصمم على الاستمرار فيها؟ الذي يتبادر إلى ذهن كل عاقل أنه إنما يُغفر له، ويرجع بريئًا منها، إذا تاب واستغفر وصحت توبته، أما إذا كان مصممًا على أن يعود إليها، فلا.

لذا من الآن اعرف ذنوبك، واعرف شؤمها وقبحها، وآثارها عليك، واعزم عزمًا صادقًا على التوبة منها، وأكد ذلك العزم هناك وأنت تطوف بالبيت، وأنت تسعى بين الصفا والمروة، وأنت واقف بعرفة، وأنت واقف بمزدلفة في تلك المشاعر العظيمة:
وأفضل ما فيها التضرع والدعاء
وتوبة أهل الفسق والذكر والبكا
ويعظمه عبدٌ كان بالأمس غافلًا
إذا عاهد الرحمن أن يتنسكا


الخطبة الثانية
الحمد لله القائل: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ * إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 32، 33].

والقائل سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93].

والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد القائل: ((لَزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم))[8]، والقائل: ((لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن، لأكبَّهم الله في النار))[9]، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:
الوصية بالتقوى.

عباد الله:
حضرموت عُرفت منذ أعماق التاريخ بسلامة الصدر، وطيب النفس، وحب الخير، والبعد عن الشر، ليس من طبع الحضرمي العدوانُ، وليس من طبعه حب الانتقام، وتسلط الهوى الذي يحمله على الحماقات، ويدفع به إلى الإفساد والقتل والاغتيالات، إنه الحلم وليس الجبن، والعقل وليس الخور، والخوف من الله، وليس الخوف من البشر.

وبهذا الخصال وغيرها صار الحضرمي محبوبًا مقدرًا ومحترمًا حيثما حلَّ وأينما ارتحل، فما لنا اليوم نشاهد ما يخالف ذلك، ويعاكس تلك السجية الطيبة؟

ما لنا صرنا نسمع عن القتل، ونصدم بالحوادث المرعبة والأعمال الشنيعة على أرض حضرموت؟

ما لنا نشهد تغيرًا في الطباع، وانحرافًا في السلوك، ونكسة في الأخلاق، تصل إلى إراقة الدماء بشكل مرعب، وطريقة مقززة، تؤذِن بأخطر العواقب؟ إنه لمن المقت والشناعة العظيمة أن يحصل في خلال أسبوع واحد حادثان شنيعان على أرض حضرموت، تذهب ضحيتها أنفس كثيرة، وتُراق فيها دماء غزيرة، كان أشدهما وأنكأهما وأشنعهما ذلك الحادث الإجرامي الذي حصل على طريق العبر، دون مبرر أو سبب مقبول، إلا الانحراف الفكري والعقائدي الذي انحدر إليه من يقف وراء الحادث، وأسوأ من ذلك أنه في الشهر الحرام وباسم الجهاد، ومن نفَّذه يبتغي به الأجر والثواب حسب زعمه.

فهو جرائم مضاعفة، وظلمات بعضها فوق بعض، وعلينا جميعًا أن نتحمل مسؤوليتنا تجاهه، وأن نعمل على البحث عن جذور المشكلة، والتعرف على أسبابها، ثم علاجها العلاج الشرعي الناجع والحاسم، وأول من يتحمل المسؤولية الدولةُ، فالإمام راعٍ في الناس ومسؤول عن رعيته، إنها مسؤولة عن هذا الجيل من الشباب الذي ينهج هذه المناهج الضالة، ويسلك تلك الطرق المنحرفة، على أن تقوم برعايته وحمايته من تلك الأفكار، وأن تقوم بواجب التوجيه والإرشاد، والتعليم والإصلاح، وألَّا يشغلها شاغل مهما كبر وعظم عن هذه الوظيفة، ولديها الوسائل والإمكانات لذلك من مؤسسات تعليم وإعلام وغير ذلك، لكن تلك الوسائل للأسف لا تقوم بواجبها، بل إن بعضها ليعمل في الاتجاه المعاكس، ولو بغير قصد.

إن هذا النوع من الفكر لن يزيله أقلام ساخرة مستهزئة، ولا برامج مستفزة، ولا كتابات تنطلق من حقد وعداوة لهذه الفئة من الشباب؛ فإن ذلك كله إنما يدفع إلى المزيد من العناد، وردود الأفعال، وحب الانتقام.

ولكن الذي ينفع هو التوجيه بالقول أو الكتابة أو الحوار، الذي ينطلق من قلوب مِلْؤها الحب والحنان والشفقة والنصيحة لأولئك الشباب الذين يُرجى تحصينهم من تلك الأفكار، أو علاجهم منها، مع إزالة الأسباب الدافعة إلى تبني تلك الأفكار والإصرار عليها.

وثاني من يتحمل المسؤولية هم العلماء والدعاة، الذين يجب عليهم أن يبذلوا كل جهد ممكن وكل إمكانية متاحة لتعليم المنهج الصحيح، وتحبيبه إلى الناس، وغرسه في صدورهم وتحذيرهم مما يخالفه، بالنصيحة الخالصة، والأسلوب الأمثل، والتجرد التام، وبذل النفس والنفيس في بيان الحق والصدع به، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكبير والصغير، دون محاباة أو مداهنة لأحد، أو رغبة في مدح، أو خوف من نقد.

وثالث من يتحمل المسؤولية هم الأسرة والمجتمع؛ وذلك بإحسان التربية وصواب التوجيه، والحفاظ على الأولاد من الانحرافات، ومسايرة ومماشاة المنحرفين أو أصحاب الأفكار الضالة، وربط أولادهم بالعلماء الثقات وأهل الصلاح ومن عُرفوا بالاستقامة والاعتدال، لعلنا إذا قمنا جميعًا بما يجب علينا - كلٌّ فيما يخصه - حصَّنا أنفسنا ومجتمعنا، وحافظنا على أمننا واستقرار بلدنا، وما التوفيق إلا بالله.

وأما المقتلة الأخرى التي حدثت في حجر، فهي كذلك جريمة وكارثة يجب أن يُحقق فيها بنزاهة متناهية، ويُعرف المتسبب فيها، وما الذي أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه؟ فإن الاكتفاء بالنظر إلى النتائج دون النظر إلى الأسباب والبواعث لا يؤدي إلى حل بأي شكل، فلنتعلم من هذه الحوادث كيف تنبع أسباب الفساد والانحراف والظواهر الغريبة على مجتمعنا، ثم نعمل على إزالتها بكل إخلاص وتجرد، ولعل أهم سبب لحدوث مثل هذه الأعمال هو الفساد المستشري، والانفلات الزائد، وعدم شعور الإنسان بقدرته على أخذ حقه بالطرق الشرعية.

[1] رواه البزار من حديث جابر رضي الله عنه، وأورده الألباني في صحيح الجامع 3173، محسنًا له.

[2] متفق عليه، البخاري 2/ 929، برقم 1683، مسلم 2/ 983، برقم 1349، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] رواه مسلم 4/ 2289، برقم 2985، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] رواه مسلم 2/ 943، برقم 1297.

[5] رواه مسلم 2/ 703، برقم 1015.

[6] رواه البخاري 2/ 553، برقم 1449.

[7] رواه البخاري رقم 1723، ومسلم رقم 1350.

[8] رواه الترمذي 4/ 16، برقم 1395.

[9] رواه الترمذي 4/ 17، برقم 1398.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.10%)]