عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 24-09-2023, 07:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سورة الكهف والدجال



2- طلب العلم مع التواضع له والصبر عليه:
﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴾ [الكهف: 66 - 69].

أَطَرَ موسى طلبَه للعلم من الخضر عليه السلام بمجموعة من الآداب:
1- الطلب الرفيق: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ [الكهف: 66]: هل أتبعك على سبيل الترفق لا الإلزام؟

2- الاعتراف بأفضلية علم المعلِّم، فما سيتعلمه منه سيكون له رشدًا؛ أي مما يسترشد به؛ قال ابن كثير: "﴿ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ [الكهف: 66]؛ أي: مما علمك الله، شيئًا أسترشد به في أمري، من علم نافع وعمل صالح"؛ [انتهى].

3- الصبر: ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ﴾ [الكهف: 69].

4- الطاعة الكاملة لأوامر المعلم: ﴿ وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴾ [الكهف: 69].

1- رد العلم إلى الله جل في علاه:
أما الخضر عليه السلام، فلم يكن معلمًا عاديًّا، بل معلمًا ربانيًّا عرَف قدر الله وفضله، فكانت الخلاصة التي أنهى بها درسه مع موسى عليه السلام هو أعظم مخرج من فتنة العلم، وهو رد العلم إلى الله، فبعد أن وضح الخضر عليه السلام مقاصد الأفعال التي قام بها لسيدنا موسى عليه السلام، ختم بقوله: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 82].

2- العلم البشري قاصر على ظواهر الأشياء، والغيب لا يعلمه إلا اللهُ، ومن أراد أن يُطْلِعَه عليه من عباده.
قصة موسى مع الخضر تقعِّد مجموعة من القواعد الإيمانية، ينبغي على كل مؤمن أن يَسْتَذْكِرَها مع تقلبات أحواله وأيامه؛ لذلك كانت قراءة الكهف كل جمعة مَدْعَاةً لعدم نسيان هذه القواعد:
ليس كل ما نراه خيرًا هو خير في حقيقته، وليس كل ما نراه شرًّا هو شر في حقيقته، فخرق السفينة كان في ظاهره هلاكًا، وفي حقيقته نجاة.

الله أعلم بنا منا، وكل قضاء يقضيه لنا، وإن وجدناه في أنفسنا قضاءَ سوء، هو خير لنا، فلا نتسخط على شيء من قضاء الله، بل نحمده على كل ما قضى، فالحمد لله، فقتل الغلام كان في ظاهره جريمة لا تغتفر، "قتل نفس بريئة"، في منظار الناس، وحزن لا ينتهي في منظار الآباء، لكنه في حقيقته كان نعمة على الوالدَين الصالحين.

جاء في تفسير ابن كثير: "قال قتادة: قد فرح به أبواه حين وُلِدَ، وحزِنا عليه حين قُتِلَ، ولو بقِيَ كان فيه هلاكهما، فليرضَ امرؤٌ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خيرٌ له من قضائه فيما يحب".

صلاح الآباء يثمر في حماية الأبناء، ولطف الله بهم.

ولنتذكر أن ما بعد السلب إلا العطاء، وما بعد العطاء إلا الزيادة إن اتقى العبد وشكر.

4- فتنة السلطة، قصة ذي القرنين:
الفتنة:
وذو القرنين مَلَكَ الأرض من مشرقها إلى مغربها بما آتاه الله من قوة وعِلْمٍ، فكان يملك ويحكم باسم الله وشرعه، يدعو الناس إلى إصلاح ما فسد من أمر دينهم، كحاله مع القوم الذي وجدهم عند مغرب الشمس، ويعينهم بما وهبه الله من علم، على إصلاح ما فسد من أمر دنياهم، كحاله مع القوم الذين سُلِّط عليهم يأجوج ومأجوج.

قال ابن كثير: " ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الكهف: 84]؛ أي: أعطيناه ملكًا عظيمًا مُتمكِّنًا، فيه له من جميع ما يُؤتَى الملوك، من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا مَلَكَ المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم، من العرب والعجم؛ ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سُمِّيَ ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ [الكهف: 84]؛ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علما"؛ [انتهى].

المخرج من فتنة السلطة:
والمخرج من هذه الفتنة واضح في قصة ذي القرنين نفسها: تقوى الله والإخلاص له، جل في علاه، في كل ما آتاه من مُلْكٍ وعِلْمٍ وحُكْمٍ.

فذو القرنين كان يرد كل شيء لله تعالى ويحكم باسمه وشرعه وأمره، فيُعذِّب من شذَّ عن أمر الله، ويكافئ من اتبع شرع الله ودينه، وقد بِتْنَا نعلم أن دين الله كان واحدًا، دين التوحيد، من لدن آدم عليه السلام، وبه جاءت كل الأنبياء والرسل وهو ما كان يدعو له ذو القرنين، وهذا ما تحكيه لنا الآيات: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾ [الكهف: 86 - 88].

ما حَكَمَ ذو القرنين بهوًى، ولا مصلحة، ولا من أجل دنيا، بالرغم من كل القوة التي كان عليها، بل كان يحكم بين الناس بكفرهم أو إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾ [الكهف: 87]؛ أي: من أقام على الكفر.

وذو القرنين لم يكن جبارًا متكبرًا، بل كان في خدمة الناس وحاجتهم، وهذا ما ترويه لنا السورة في قصته مع القوم الذين سُلِّط عليهم أعتى أقوام الأرض "يأجوج ومأجوج": ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ [الكهف: 93 - 97].

علاقة الدجال بالفتن الأربع:
أما علاقة هذه الفتن بالدجال:
فالدجال جاء يدعي الألوهية، وهذه فتنة الدين التي عرضتها لنا قصة فتية الكهف وقومهم الكافرين.

والدجال جاء بالمال والخيرات لمن يؤمن به، والحرمان والقحط لمن يكفر به، وهذه فتنة المال التي عرضتها لنا قصة صاحب الجنتين، ففي فتنة المال يمر الدجال بالخربة، فتَتْبَعه كنوزها، ويأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت؛ كما في حديث النواس بن سمعان عن الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح ابن ماجه: ((وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شابٌّ قَطَطٌ، عينه قائمة، كأني أشبِّهه بعبدالعُزَّى بن قَطَن، فمن رآه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه يخرج من خَلَّةٍ بين الشام والعراق، فعاث يمينًا، وعاث شمالًا، يا عباد الله اثبتوا، قلنا: يا رسول الله وما لَبْثُه في الأرض؟ قال: أربعون يومًا، يومٌ كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: فاقدروا له قدره، قال، قلنا: فما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث اسْتَدْبَرَتْهُ الريح، قال: فيأتي القوم فيدعوهم فيستجيبون له، ويؤمنون به، فيأمر السماء أن تُمْطِرَ فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبُتَ فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًا، وأسبغه ضروعًا، وأمدَّه خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون مُمْحِلين، ما بأيديهم شيء، ثم يمر بالخَرِبَةِ، فيقول لها: أخرجي كنوزك فينطلق، فتتبعه كنوزها كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ)).

والدجال يدَّعي العلم بكل شيء، حتى بالغيبيات، فهو يستطيع إحياء الموتى بدَجَلِهِ وشعوذته؛ روى أبو داود في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((... وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه، فإنه ربك، وإن من فتنته أن يسلَّط على نفس واحدة فيقتلها، ينشرها بالمنشار حتى تُلقَى شقين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإني أبعثه ثم يزعم أن له ربًّا غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدوُّ الله، أنت الدَّجَّال، والله ما كنت قطُّ أشدَّ بصيرةً بك مني اليوم))، وفتنة العلم التي عرضتها لنا السورة محورها علم الغيب، فقد افتتن موسى بعلمه، وهو لا يرى إلا ظواهر الأشياء، فكان أن جمعه الله عز وجل بمن يعلم بباطن الأشياء وحقيقتها بفضل الله وأمره، وفي هذا فائدة وتبصرة بما سيكون عند فتنة الدجال، عندما يعرض للناس أنه يُخْرِج للإنسان أمَّه حية من القبر، وهو إنما يستعين في حقيقة الأمر بالشياطين في هذا الفعل، وكذا في أمر جنته وناره، فجنته في ظاهرها جنة، وفي حقيقتها نار.

والدجال يجوب البلاد كلها - عدا مكة والمدينة - سيدًا حاكمًا متحكِّمًا، وهذه فتنة السيادة، فقد مَلَكَ الأرض وجابها من قبله ذو القرنين، فلو كان الدجال رجلًا صالحًا، على أقل تقدير، وليس إلهًا كما يدعي، لَحَكَمَ كما حكم ذو القرنين، وفي هذا تبصرة لمن شهد فتنة الدجال، اللهم أعذنا منها يا رب.

خواتيم سورة الكهف والعصمة من الدجال:
"حدثنا ‏محمد بن جعفر ‏وحجاج ‏‏قال: ثنا ‏شعبة ‏‏عن ‏قتادة ‏قال ‏حجاج ‏في حديثه: ‏سمعت ‏سالم بن أبي الجعد ‏يحدِّث عن ‏معدان، ‏عن ‏أبي الدرداء، ‏عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏أنه قال: ((‏من قرأ عشر آيات من آخر ‏الكهف ‏عُصِمَ من فتنة ‏الدجال))، ‏قال ‏حجاج: "‏من قرأ العشر الأواخر من سورة ‏الكهف"؛ [مسند الإمام أحمد، وأخرجه مسلم (٨٠٩)، والنسائي في "الكبرى" (٨٠٢٥) و(١٠٧٨٥)].

فلماذا خواتيم السورة؟
المتأمل في خواتيم سورة الكهف يجد أنها تنتقل بنا مباشرة من مشهد القوة والسلطة والسيادة والعلم العظيم - مشهد ذو القرنين مع بعض أقوام الأرض التي حكمها – مباشرة إلى مشهد يوم البعث:
﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴾ [الكهف: 99].

تنقلنا إلى ذلك المشهد وأهواله؛ لتُذكِّرَنا أن الدنيا دار فناء وليست دار قرار، وأن يوم القيامة سيجتمع الجميع فيه؛ الإنس والجن، للحساب، مؤمنهم وكافرهم، فإن تذكر المؤمن هذا يومَ يخرج الدجال، علِم أنه دجال لا يملك من أمر الحشر والحساب شيئًا، وأن كل ما هو عليه ادعاؤه القدرة على الإماتة والإحياء، والرزق والمنع، وما معنى هذه القدرة – التي وإن سخرت له حقًّا فبأمر من الله – أمام قدرة الله على البعث والحشر والحساب؟

ثم يسترسل المؤمن مع الآيات ليعلم بما سيكون من أمر الكافرين مع جهنم، والدجال وأتباعه من أئمة الكافرين يومئذٍ، والله أعلم، لادعائه الألوهية: ((مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن؛ كاتب وغير كاتب))؛ [رواه مسلم]، وكذا يكون أتباعه.

﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا * أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ﴾ [الكهف: 100 - 102].

وهل يتبع الدجال إلا من أعْمَتْهُ زينة الحياة الدنيا، وأُشرِب حبُّها في قلبه، فأعماه حبُّها وأصمَّه عن ذكر الله واتباع شرعه، واتخاذ الدجال إلهًا ووليًّا من دونه؟!

والآية عامة طبعًا في كل من اتخذ من دون الله وليًّا، وإسقاطنا لها على الدجال؛ لأن فتنته تكون من أعظم الفتن، واتباعه والإيمان به يكون من أعظم الكفر والعياذ بالله.

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ﴾ [الكهف: 103 - 106].

وبالرغم من قول البعض أنها نزلت في الحرورية، وبعضهم قال: إنها في اليهود والنصارى، فإن أغلب المفسرين على أنها عامة في كل من عَبَدَ اللهَ وعمِل واجتهد على غير الطريقة التي أمر الله بها وشرعها، وليس أتباع الدجال بالطبع استثناءً.

جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآيات عن علي رضي الله عنه: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعم من هذا؛ فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عَبَدَ الله على غير طريقة مرضية يحسَب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]؛ [انتهى].

وفي مقابل معسكر الكفر، يقف معسكر الإيمان؛ معسكر من آمن بالله واحدًا أحدًا، وكفر وكذب بكل ما سواه من شركاء وأنداد ومتألِّهين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴾ [الكهف: 107، 108].

ويوم الفتنة الكبرى، يسترجع المؤمن هذه المعاني في أيام الدجال، فيعلم خاتمته وما ينتظره إن تمسك بما هو عليه من توحيد وإيمان راسخ بربِّه وخالقه، الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كفوًا أحد.

يسترجع هذه المعاني ويتذكر أنه في ذلك اليوم، يوم الحشر، يتفرق الناس بين جنة ونار، في ذلك اليوم فقط، جنة رب العباد وناره، لا جنة الدجال وناره الزائفتان اللتان أخبرنا عنهما الصادق المصدوق: ((ألَا أحدثكم حديثًا عن الدجال، ما حدَّث به نبي قبلي قومه؟ إنه أعور يجيء معه تمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه))؛ [صحيح الجامع عن أبي هريرة].

وتختم السورة بما ابتدأت به، كتاب الله:
فالآية الأولى تحكي صفة الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ [الكهف: 1]، وتُقَرِّر بأنه منزل من الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم.

والآية الأخيرة تخبرنا بأن هذا الكتاب بكل ما فيه من حكم ودروس، وقصص وعِبَرٍ، وإخبار وإعجاز، ما هو إلا جزء بسيط من كلمات الله التي لا يحدُّها شيء، وجزء يسير من علم الله الذي لا يحيط أحد بشيء منه إلا بمشيئته جل جلاله: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 109، 110].

وكما في الآية الأولى، تقرر الآية الأخيرة في السورة، أن هذا الكتاب وحي من الله عز وجل إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم.

وحي بأن إله البشرية، إله واحد، لا والد له ولا ولد.

هو الله رب السماوات والأرض خالق كل شيء.

فلا يمكن لدجال ولا لغيره أن يكون إلهًا، مهما أتى به من دجل وآيات زائفة.

وأن الخلاص كل الخلاص في العمل الصالح مع إخلاص العبودية لله الواحد: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].

والله أعلم.

هذا ما وجدته في بحثي عن العلاقة بين الدجال وسورة الكهف وفواتحها وخواتيمها، فإن أصبتُ فبتوفيق من الله، وإن أخطأت فأسأل الله العفوَ والغفران.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.15%)]