عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 20-09-2023, 11:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,463
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما الضرر في الاحتفال بالمولد النبوي


ونقول لأهلِ البِدَعِ: هاتُوا لنا أثَرا واحِدا عن السَّلَفِ أصحابِ القرونِ الفاضلةِ: الصحابةِ والتابعين وأتباعِ التابعين، على أنَّ الاحتفالَ بالموالدِ سُنّةٌ، أوْ أنَّ واحدا منهم احتفلَ بيومِ المولِدِ!

أما الاستدلالُ بالعُمُومَاتِ، فلا يصِحُّ الاستدلالُ بها في مَحلِّ النِّزَاع.

ويَكفي في ذمِّ الاحتفالِ بالمولِدِ وإحياءِ ذِكْرِه وبُطلانِه: أنَّ منشأَ هذا الاحتفالِ إنما هو مِن الباطِنيّةِ، ولم يُعرَفْ عند أهلِ السُّنةِ!

قال تاجُ الدّينِ الفاكهانيُّ (المتوفى: 734هـ)
لا أعلمُ لهذا الْمَوْلِدِ أصلا في كِتَابٍ ولا سُنّةٍ، ولا يُنْقَلُ عَمَلُه عن أحدٍ مِن علماءِ الأُمّةِ الذين هم القُدوةُ في الدّينِ، الْمُتَمَسّكون بِآثارِ الْمُتَقَدِّمِين؛ بل هو بِدْعةٌ أحْدَثَها البَطّالُون، وشَهْوَةُ نَفْسٍ اغْتَنى بها الأكّالُون!

بدليلِ أنَّا إذا أدَرْنا عليه الأحكامَ الخمسةَ قلنا: إما أنْ يكونَ واجبا، أو مندوبا، أو مُباحا، أو مكروها، أو مُحرّما.

وهو ليس بِواجِبٍ إجماعا، ولا مندوبا؛ لأنَّ حقيقةَ الْمَنْدُوبِ ما طَلَبَه الشرعُ مِن غيرِ ذَمٍّ على تَرْكِه، وهذا لم يأذنْ فيه الشّرْعُ، ولا فَعَلَه الصحابةُ ولا التابعون ولا العلماءُ الْمُتَدَيّنون فيما علمتُ. وهذا جوابي عنه بين يديِ اللهِ تعالى إن عنه سُئلتُ.

ولا جائزٌ أن يكونَ مُبَاحا؛ لأنَّ الابْتِدَاعَ في الدِّينِ ليس مُبَاحا بإجماعِ المسلمين.
(الموردُ في عمل المولد)

وقال ابنُ الحاجِّ المالِكيُّ (المتوفى: 737هـ) في الْمَدْخَل : فَصْلٌ فِي مَوْلِدِ النَّبِيِّ والبدعِ المحدثةِ فِيهِ:
انْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَشْنَعَهَا وَمَا أَقْبَحَهَا، وَكَيْفَ تَجُرُّ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ. أَلا تَرَى أَنَّهُمْ خَالَفُوا السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَفَعَلُوا الْمَوْلِدَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى فِعْلِهِ بَلْ زَادُوا عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الأَبَاطِيلِ الْمُتَعَدِّدَةِ.

فَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ شَدَّ يَدَهُ عَلَى امْتِثَالِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى ذَلِكَ وَهِيَ اتِّبَاعُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - لأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنَّا، إذْ هُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ، وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ.

وقال: الْعَجَبُ الْعَجِيبُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ الْمَوْلِدَ بِالْمَغَانِي وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ لأَجْلِ مَوْلِدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - فِيهِ انْتَقَلَ إلَى كَرَامَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفُجِعَتْ الأُمَّةُ فِيهِ وَأُصِيبَتْ بِمُصَابٍ عَظِيمٍ لا يَعْدِلُ ذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْمَصَائِبِ أَبَدًا. فَعَلَى هَذَا كَانَ يَتَعَيَّنُ الْبُكَاءُ وَالْحُزْنُ الْكَثِيرُ، وَانْفِرَادُ كُلِّ إنْسَانٍ بِنَفْسِهِ لِمَا أُصِيبَ بِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: لِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمْ الْمُصِيبَةُ بِي. اهـ.

ولِمّا كانتِ العِبادةُ المستَمِرةُ ثَقِيلةً على النفسِّ، واللهوُ والعَبثُ في يَومِ في السَّنةِ خفيفًا على النفسِ، مع ما فيه مِن حظِّ الشيطانِ – زيّنَ الشيطانُ الاحتفالَ بالموالِدِ!

والأمْرُ كما قال ابنُ القيمِ:
ثَقُل الكتابُ عليهم لَمَّا رَأوا *** تقييدَه بِشَرَائعِ الإيمـــــــــانِ
واللهوُ خفَّ عليهم لَمّا رَأوا *** ما فيه مِن طَربٍ ومِن ألْحَانِ

وقد ذَكَر الإمامُ الشاطبيُّ أنَّ سببَ بُعْدِ صاحبِ البِدعةِ عن التوبةِ: أنَّ الدخولَ تحت تكاليفِ الشريعةِ صَعبٌ على النفسِ؛ لأنَّه أمْرٌ مُخَالِفٌ للهَوى وصَادٌّ عن سبيلِ الشهواتِ، فيَثْقلَ عليها جِدا؛ لأنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ، والنَّفسُ إنّما تَنْشَطُ بِمَا يُوافِقُ هَوَاها لا بِمَا يُخَالِفُه، وكُلُّ بِدعةٍ فلِلهَوى فيها مَدْخلٌ، لأنها رَاجِعةٌ إلى نَظرِ مُخْتَرِعِها لا إلى نَظَرِ الشَّارِع، فإنْ تَعَلّقَتْ بِحُكمِ الشَّارِعِ فَعَلى حُكْمِ التَّبَعِ لا بِحُكْمِ الأصْلِ، مع ضَمِيمَةٍ أُخرى، وهي أنَّ الْمُبْتَدِعَ لابُدَّ له مِن تَعَلّقٍ بِشُبْهَةِ دَلِيلٍ يَنْسِبُها إلى الشَّارِعِ ويَدّعي أنَّ مَا ذَكَرَه هو مَقصودُ الشَّارِعِ؛ فَصَار هَوَاه مَقْصُودا بِدَليلٍ شَرْعيٍّ في زَعْمِه! فَكيف يُمْكِنُه الْخُرُوجُ عن ذلك، ودَاعِي الْهَوى مُسْتَمْسِكٌ بِحُسْنِ ما يَتَمَسّك به، وهو الدليلُ الشرعيُّ في الجملةِ. اهـ.

والاستدلالُ على جَوازِ المولِدِ بِفعلِ الصحابةِ في جَمْعِ القرآنِ، يدلُّ على جَهْلِ الْمُسْتَدِلِّ بذلك!

لأنَّ جَمْعَ القرآنِ مِن باب المصالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وليس مِن قَبِيلِ البِدَعِ الْمُحْدَثَةِ!

ثم أين فائدةُ إقامةِ الموالِدِ – لو افترضنا فيه فائدةً – مع فائدةِ جَمْعِ القرآنِ الذي هو عِصْمَةُ الأمّة؟!

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: المصالِحُ الْمُرْسَلَةُ: أنْ يَرى الْمُجْتَهِدُ أنَّ هذا الفِعلَ يَجْلِبُ منفعةً راجحةً، وليس في الشَّرعِ ما يَنْفِيه... وجَلْبُ المنفَعةِ يكونُ في الدنيا وفي الدِّين. اهـ.

ومع ذلك فليس بابُ المصالِحِ الْمُرْسَلَةِ مفتوحًا على مِصْرَاعيه!

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ عن المصالِحِ الْمُرْسَلَةِ: وهذا فَصْلٌ عظيمٌ ينبغي الاهتمامُ به، فإنَّ مِنْ جِهتِهِ حَصلَ في الدِّينِ اضطرابٌ عظيمٌ، وكثيرٌ مِن الأمراءِ والعلماءِ والعُبّادِ رأوا مَصالِحَ فاستعملوها بناءً على هذا الأصلِ، وقد يكونُ منها ما هو مَحظورٌ في الشَّرعِ ولم يَعلَموه. اهـ.

وهنا قيدٌ مُهمٌّ، وهو أنَّ المصالِحَ الْمُرْسَلَةَ: أن يَرى الْمُجْتَهِدُ أنَّ هذا الفِعلَ يَجْلِبُ منفعةً راجحةً، وليس في الشَّرعِ ما يَنْفِيه، وهذا بِخلافِ البِدَعِ، فإنَّ في الشَّرْعِ ما يَنْفِيها؛ إما بِخُصوصِها، وإما على العُمومِ في ذمِّ الابتدَاعِ والإحداثِ في الدِّين، مما تقدَّمَتِ الإشارةُ إليه مِن الأدلةِ.

وأما الاستدلالُ بأفعالِ العلماءِ وأقوالِهم؛ فهو خَلَلٌ في الاستدلالِ!
ومما تَقرَّر عند أهلِ العِلْمِ: أنَّ قولَ العالِمِ يُحْتَجُّ له، ولا يُحْتَجُّ به.

قال الْحَسنُ البصريُّ: لن يَزَالَ للهِ نُصَحَاءُ في الأرضِ مِن عِبادِه يَعْرِضُون أعمالَ العبادِ على كِتابِ اللهِ، فإذا وَافَقُوه حَمِدُوا اللهَ، وإذا خَالَفُوه عَرَفُوا بِكِتابِ اللهِ ضَلالةَ مَن ضَلَّ، وهُدَى مَن اهتدى.

وقال الغزاليُّ: مَن عَرفَ الحقَّ بِالرِّجالِ حَارَ في مَتَاهَاتِ الضلالِ، فاعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أهلَه إن كنتَ سالِكا طَريقَ الْحَقِّ.

وقال ابنُ الجوزيِّ: اعلمْ أنَّ الْمُقَلِّدَ عَلَى غيرِ ثقةٍ فيما قَلَّدَ فيه، وفي التقليدِ إبطالُ مَنفعةِ العَقلِ؛ لأنه إنما خُلِقَ للتأملِ والتدبّرِ، وقبيحٌ بِمَن أُعْطِيَ شمعةً يَستضيءُ بِهَا أنْ يُطفئَها ويَمشيَ فِي الظُّلْمةِ.

واعلمْ أنَّ عمومَ أصحابِ المذاهبِ يَعظُمُ فِي قلوبِهم الشخصُ، فيتّبعون قولَه مِن غيرِ تدبّرٍ لِمَا قَالَ، وهذا عينُ الضلالِ؛ لأنَّ النظرَ يَنبغي أنْ يكونَ إِلَى القولِ لا إِلَى القائلِ، كَمَا قَالَ عليٌّ رَضِيَ اللَّهُ عنه للحارثِ بنِ حوطٍ: يا حارِثُ إِنَّهُ ملبوسٌ عليك! إنَّ الحقَ لا يُعرَف بالرجالِ، اِعرفِ الحقَ تعرِفْ أهلَه.

وكان أَحْمَدُ بنُ حنبلٍ يَقُولُ: مِنْ ضِيقِ عِلمِ الرَّجُلِ أنْ يُقَلِّدَ فِي اعتقادِه رَجُلًا. اهـ.
(تلبيس إبليس)
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: وليس لأحَدٍ أنْ يَحْتَجَّ بِقَولِ أحدٍ في مسائلِ النِّزَاعِ، وإنما الْحُجّةُ: النصُّ والإجماعُ، ودليلٌ مُسْتَنْبَطٌ مِن ذلك تُقَرَّرُ مُقَدّمَاتُه بالأدلةِ الشرعيةِ لا بأقْوَالِ بعضِ العُلماءِ؛ فإنَّ أقوالَ العُلماءِ يُحْتَجُّ لها بالأدلةِ الشرعيةِ لا يُحْتَجُّ بها على الأدلةِ الشرعيةِ.

وقال: وقد يُرادُ بالشَّرْعِ قولُ أئمةِ الفقهِ: كأبي حنيفةَ والثوريِّ ومالكِ بنِ أنسٍ والأوزاعيِّ والليثِ بنِ سعدٍ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقٍ وداودَ وغيرِهم، فهؤلاء أقْوَالِهم يُحْتَجُّ لها بِالكتابِ والسُّنةِ.

وقال: والواجبُ على الناسِ اتِّبَاعُ ما بَعَثَ اللهُ به رسولَه، وأمَّا إذا خالَفَ قَولَ بعضِ الفقهاءِ ووافَقَ قَولَ آخرين لم يكُنْ لأحدٍ أنْ يُلْزِمَه بِقَولِ الْمُخَالِف، ويقولَ: هذا خالَفَ الشَّرعِ.

والناسُ إنما يُسألون يومَ القيامةِ: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ)؟

قال ابنُ القيمِ: وإنما يُسألُ الناسُ في قبورِهم ويومِ مَعَادِهم عنِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم؛ فيُقالُ له في قَبْرِه: ما كنتَ تَقولُ في هذا الرَّجُلِ الذي بُعِثَ فيكم؟ {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65]، ولا يُسألُ أحدٌ قَطّ عن إمامٍ ولا شيخٍ ولا مَتْبُوعٍ غيرِه، بل يُسألُ عمّن اتّبَعَه وائتَمَّ به غيرُه، فلينظرْ بِمَاذا يُجِيبُ؟ ولْيُعِدَّ للجوابِ صوابا.

وقال أيضا: قال أبو العاليةِ: كَلِمتانِ يُسألُ عنهما الأوّلون والآخِرون: ماذا كُنتم تَعبدون؟ وماذا أجَبْتُم المرسلين؟ فالسؤال عمّاذا كانوا يَعبدون، هو السؤال عنها نَفْسها [كلمة التوحيدِ]، والسؤالُ عمَّاذا أجابوا الْمُرْسَلِين، سؤالٌ عن الوسيلةِ والطريقِ المؤدِّيةِ إليها: هل سَلَكوها وأجابوا الرُّسُلَ لَمّا دعوهم إليها، فعادَ الأمرُ كلُّه إليها.

وأمْرٌ هذا شأْنُه حَقِيقٌ بأنْ تَنْعَقِدَ عليه الْخَنَاصِرُ، ويُعَضُّ عليه بِالنَّواجِذِ، ويُقْبَضُ فيه على الْجَمْرِ، ولا يُؤخذُ بأطْرَافِ الأنَامِلِ، ولا يُطْلَبُ على فَضْلةٍ، بل يُجْعَلُ هو الْمَطْلَبُ الأعظمُ، وما سواه إنما يُطْلَبُ على الفَضْلةِ. واللهُ الموفِّقُ لا إلهَ غيرُه ولا ربَّ سواه. اهـ. (طريق الهجرتين).

ومع ذلك نقولُ لهم تَنَزّلًا معهم: هل احتفلَ أحدٌ مِن الأئمةِ الأربعةِ – أصحابِ المذاهبِ الْمَتْبُوعةِ - بِيومِ الْمَولِد؟!

يُضافُ إلى ذلك: ما في البِدَعِ الْمُحْدَثَةِ والتي تَعُودُ وتُحْدَثُ بِمناسباتٍ، مثل: الموالِدِ – ما فيه مِن مُضاهاةِ الأعيادِ الشرعيةِ؛ لأنَّ العِيدَ يُطلَقُ في اللغةِ وفي لسانِ الشَّرعِ على ما يَعودُ ويتكررُ.

وليس لأهلِ الإسلامِ أعيادٌ إلاّ ما جاءت به السُّنّةُ، وهي ثلاثةُ أعيادٍ: عيدُ الفِطر مِن رمضان، وعيدُ الأضحى، وعيدُ الأسبوع، وهو يومُ الجمعة؛ لِمَا يحصلُ فيه مِن اجتماع.

قال ابنُ رجبٍ: الأعيادُ تتعلقُ بإكمالِ أركانِ الإسلامِ؛ فالأعيادُ الثلاثةُ الْمُجْتَمَعُ عليها تتعلقُ بإكمالِ الصلاةِ والصيامِ والحجِ. فأمَّا الزكاةُ، فليس لها زَمانٌ مُعَيَّنٌ تُكمَلُ فيه، وأما الشهادتان، فإكْمَالُهما هو الاجتهادُ في الصِّدقِ فيهما، وتحقيقِهما والقيامِ بحقوقِهما. وخواصُ المؤمنين يجتهدون على ذلك كلَّ يومٍ وَوَقتٍ؛ فَلِهذا كانت أيامُهم كلُّها أعيادًا، ولذلك كانت أعيادُهم في الجنةِ مُسْتَمِرّة. اهـ.

ألاَ فلْيَتّقِ اللهَ مَن يُروّجُ للبِدَعِ، ويُسوِّغُ عَمَلَ أهلِ البِدَعِ، وليُوقِّرِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، كما أمَرَ اللهُ تبارك وتعالى بِقولِه: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9].

فإنَّ توقيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سببُ الفلاحِ، كما قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

فإنَّ مِن توقيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وإجلالِه أنْ لا يُعارَضَ قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِقولِ أحدٍ كائنا مَن كان مِن الناس.

كان ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما يقول: أُرَاهم سَيِهْلِكُون أقولُ: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويقولُ: نَهَى أبو بكر وعمر. (رواه الإمامُ أحمدُ).

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: كان عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ إذا بَيَّنَ لهم معنى كلامِ عُمرَ، يُنَازِعونه في ذلك، فيقولُ لهم: فَقَدِّرُوا أنَّ عُمرَ نَهَى عن ذلك. أمْرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحَقُّ أن تَتَّبِعُوه أم عُمرَ؟!

قال الْحَلِيميُّ: فَمَعْلومٌ أنَّ حُقوقَ رَسولِ الله صلى الله عليه أجَلُّ وأعظمُ وأكْرَمُ وألْزَمُ لَنا وأوْجَبُ علينا مِن حُقوقِ السَّاداتِ على مَمَالِيكِهم، والآباءِ على أولادِهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى أنْقَذَنا به مِن النارِ في الآخرةِ، وعَصَم به لَنا أرواحَنا وأبدانَنا وأعراضَنا وأموالَنا وأهلينا وأولادَنا في العاجِلةِ، وهَدَانا به، كما إذا أطَعناه أدّانا إلى جناتِ النعيم، فأيَّةُ نِعمةٍ تُوازِي هذه النِّعمَ؟ وأيَّةُ مِنّةٍ تُدانِي هذه الْمِنَنَ؟

ثم إنه جَلّ ثناؤه ألْزَمَنا طاعَتَه، وتَوَعّدَنا على مَعصيتِه بِالنار، ووَعَدَنا باتِّبَاعِه الجنةَ، فأيُّ رُتبةٍ تُضاهي هذه الرّتبةَ، وأيَّ درجةٍ تُساوي في العملِ هذه الدرجةَ؟

فَحَقٌّ علينا إذًا أن نُحِبَّه ونُجِلَّه ونُعَظِّمَه ونَهِيبَه أكثر مِن إجلال كُلِّ عبدٍ سَيّدَه، وكُلِّ وَلَدٍ وَالِدَه، وبِمِثلِ هذا نَطَقَ الكتابُ، ووَرَدَتْ أوَامِرُ اللهِ جل ثناؤه، قال اللهُ عز وجل: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]، فأخْبَرَ أنَّ الفَلاحَ إنما يَكونُ لِمَن جَمَعَ إلى الإيمانِ به تَعْزِيرَه، ولا خلافَ في أنَّ التَّعْزيرَ هاهنا: التعظيمُ، وقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 8، 9]، فأبَانَ أنَّ حَقَّ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم في أُمّتِه أن يَكونَ مُعَزَّزًا مُوَقّرا مَهِيبا، ولا يُعامَلُ بالاسْتِرْسَالِ والْمُبَاسَطةِ، كما يُعامِلُ الأكفاءُ بعضَهم بعضا. اهـ.

وقَالَ ابنُ القيِّمِ: كَانَ السَّلَفُ الطَّيِّبُ يَشْتَدُّ نَكِيرُهُمْ وَغَضَبُهُمْ عَلَى مَنْ عَارَضَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِرَأْيٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوِ اسْتِحْسَانٍ أَوْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَيَهْجُرُونَ فَاعِلَ ذَلِكَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَضْرِبُ لَهُ الأَمْثَالَ، وَلا يُسَوِّغُونَ غَيْرَ الانْقِيَادِ لَهُ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّلَقِّي بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلا يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ التَّوَقُّفُ فِي قَبُولِهِ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ عَمَلٌ أَوْ قِيَاسٌ أَوْ يُوَافِقَ قَوْلَ فُلانٍ وَفُلانٍ، بَلْ كَانُوا عَامِلِينَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. اهـ.

وعلى الناسِ عامّةً، وأهلِ العِلْمِ خاصةً: أن يُعظِّموا ما عَظّمَه اللهُ.

ومما يَجب تعظيمُه: نُصوصُ الوحيين، والذَّبُّ عنها.

وتعظيمُ نُصوصِ الوحيين دليلٌ وعلامةٌ على صِدْقِ مَحَبةِ اللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم:
قال القسطلانيُّ: ومِن علاماتِ هذه الْمَحَبّةِ: نَصْرُ دِينِ الإسلامِ بالقولِ والفعلِ، والذَّبُّ عن الشريعةِ المقدّسَةِ، والتَّخَلُّقُ بأخْلاقِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، في الْجُودِ والإيثارِ، والْحِلْمِ والصبرِ والتواضعِ. اهـ.

ولِكُلِّ دعوى حقيقةٌ:
فصِدقُ مَحَبَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له بُرْهانٌ.

قال القاضي عياضٌ رحمه الله: علامةُ مَحبتِه صلى الله عليه وسلم:
اعلم أنَّ مَنْ أحَبَّ شيئا آثَرَه وآثرَ مُوَافقتَه وإلاّ لم يكُنْ صادقا في حُبِّه، وكان مُدّعِيًا. فالصادقُ في حُبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مَن تَظهرُ علامةُ ذلك عليه.

وأوّلُها: الاقتداءُ به، واستعمالُ سُنّتِه واتّباعُ أقوالِه وأفعالِه، وامتثالُ أوامِرِه، واجتنابُ نواهيه، والتأدّبُ بآدابِه في عُسرِه ويُسرِه، ومَنْشَطِه ومَكْرَهه..

2- وإيثارُ ما شَرعه وحضَّ عليه على هَوى نفسِه ومُوافقةِ شهوتِه.

3- ومِن علاماتِ محبةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: كَثْرةُ ذِكْرِه له، فمن أحَبَّ شيئا أكثرَ مِن ذِكْرِه.

4- ومنها: كثرةُ شوقِه إلى لِقائه. فكُلُّ حَبيبٍ يُحبُّ لِقاءَ حَبيبِه...

5- ومِن علاماتِه مع كثرةِ ذِكرِه: تعظيمُه له وتوقيرُه عند ذِكرِه، وإظهارُ الخشوعِ والانكسارِ مع سماعِ اسمه.

6- ومنها: مَحبتُه لِمَن أحَبَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ومَن هو بِسببِهِ مِن آلِ بيتِه وصحابتِه مِن المهاجرينَ والأنصارِ.وعداوةُ مَن عاداهم، وبُغْضُ مَن أبغضَهم وسَبَّهم. فمَنْ أحبَّ شيئا أحبَّ مَن يُحِبُّ.

7- ومنها: بُغضُ مَن أبغضَ اللهَ ورسولَه، ومعاداةُ مَن عاداه، ومُجانبَةُ مَن خالَفَ سنتَه، وابتدعَ في دينِه، واستثقالُه كلَّ أمرٍ يُخالفُ شريعتَه. (باختصار مِن كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.07%)]