الموضوع: أندلسية - شوقي
عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 30-08-2023, 10:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,425
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أندلسية - شوقي


كأم موسى، على اسم الله تكفلنا
وباسمه ذهبت في اليم تلقينا

فإن الاحتلالَ هو الذي نفى شوقيًّا، وليست مصر هي التي هرَّبته من الاستعمار، ومن ثمة فإن الكلامَ هنا يناقضُ الواقعَ الذي يعرفه القاصي والداني، ومن ثمة أيضًا كانت الصورة في ثاني البيتين السابقين غيرَ موفقة؛ لأنه لا يوجد وجه شبه أصلًا بين طرفي التشبيه.

وبعد ذلك ببيت واحد نجده يقول:
يا ساري البرق يرمي عن جوانحنا
بعد الهدوء ويهمي عن مآقينا
لما ترقرق في دمع السماء دمًا
هاج البكا فخضبنا الأرض باكينا


ففي البيت الأول من هذين البيتين يجعل المطرَ الهامي من البرق بعضَ بكائه هو، مع أنه يعودُ في البيت الثاني فيقول: إن هذا البرق نفسه هو الذي هاج هذا البكاء.

وهو يقول:
لو استطعنا لخضنا الجو صاعقة *** والبر نار وغى، والبحر غسلينا
وهذا كلام لا يمسك بعضُه بعضًا، فكيف يهدد بأنه قادر على خوض الجو صاعقة... إلخ، مع أنه يصرح في أول الكلام بأنه غير مستطيع؟ أليس هذا معناه: «إذا استطعت أن أخوض الجو صاعقة لاستطعت أن أخوضه صاعقة»؟ وهل هذا شعر؟ ثم ما معنى أنه قادر على أن يخوض البحر غسلينا؟ إن الغسلين هو الصديد المُنْتِنُ الذي يسيل من جلود أهل النار، فكيف يتصورُ الشاعر نفسه وهو يخوض بحرًا منه؟ بل ما مغزى كون البحر غسلينًا؟ وهل النتن مما يلائم الجو النفسي في القصيدة؟ إن ورود هذه الكلمة في قافية البيت مثال واضح على كيفية تحكم القافية أحيانًا في فن الشاعر تحكمًا شائنًا.

وليس التنافر مقصورًا على الأفكار، بل يتجلى أيضًا في بعض الصور، فمثلا بينما يتحدث عن ماضي الأندلس، نراه لا يتذكر من هذا الماضي إلا:
.. فتية لا تنال الأرض أدمعهم *** ولا مفارقهم إلا مصلينا
مع أن الأندلسَ، إذا ذكرت، قفزَ إلى الخيال أول ما يقفز حرصُ أهلها على الاستمتاع بملذَّاتِ الدنيا (بغض النظر عن أن تلك هي الحقيقة أو لا) لا التدين والتقوى، وإن لتسمية الأندلس بـ (الفردوس المفقود) لدلالتها في هذا المجال، وبرغم هذا فإن الشاعر، في جو التقوى هذا، لا يجد شيئًا يشبه به نفسه وهو في مصر أو في إسبانية إلا الخمر سارت من بابل إلى دارين (على ما في الإشارة إلى هاتين المدينتين هنا من غموض بالنسبة لمعظم القراء):
لم نسر من حرم إلا إلى حرم *** كالخمر من بابل سارت لدارينا
غير متنبه للتنافر بين الخمر والتقوى (وإن كان لا بد من الاعتراف بجمال صياغة البيت في حد ذاته، إذ الشطر الأول يستقل بالمشبه، كما يستقل الثاني بالمشبه به مما يحدث توازنًا بين الشطرتين غير مجرد التوازن العروضي، فضلًا عن التقديم والتأخير في «من بابل سارت» مما جعل تنوين «بابل» يقع في نهاية التفعيلة نفسها التي يقع فيها تنوين «حرم» الأولى من الشطر الأول، فكان هذا التناغم الجميل بين الشطرتين، وذلك إلى جانب أننا كسبنا بهذا التقديم والتأخير تركيبًا للجملة غير عادي، فيه هزة المفاجأة).

حتى عاطفة الشاعر الرئيسة في القصيدة يمزقها التناقض، إنه يحن إلى مصر ويصور آلام غربته التي لا يستطيع أن يتحملها، مع أنه قال: إن الأندلس التي نفي إليها هي نسخة من مصر نابت عنها:
لما نبا الخلد نابت عنه نسخته *** تماثل الورد خيريا ونسرينا
فلماذا البكاء على مصر إذن ما دام الخيري هو النسرين والنسرين هو الخيري؟

كذلك فإن عاطفته تجاه الأندلس غير مطردة في اتجاه واحد: أهو يتعزَّى بها عن بعده عن بلاده، أم هي تثير أشجانَه بما توقظ في خاطره من ذكريات الماضي البعيد، أيام أن كانت للمسلمين موطنًا ودارًا؟

بل إن عاطفته الدينية أيضًا لا تخلو من التناقض، إنه، حين يتذكر ماضي الأندلس، فإن أول ما يفد على خاطره هو الفتية المصلون الذين يبكون من خشية الله، وبرغم هذا فهو لا يجد حرجًا من أن يتمدح بأن المصريين هم أول من عبدوا الشمس، فهل هذا مما يفتخر به؟! وكيف يتسق هذا مع الافتخار بأن الأجدادَ لم يسجدوا إلا لله ولم يبكوا إلا من خشية الله؟ باختصار، كيف تتسق الوثنية مع الوحدانية؟

ومما يعيب الأندلسية أيضًا أن في بعض صورها إحالة؛ إذ هي تقوم على مجرد التوهم ولا يمكن تصورها، كما هي الحال في الصورتين اللتين يتضمنهما البيتان الثاني والثالث من الأبيات الثلاثة الآتية:


ذكية الذيل لو خلنا غلالتها
قميص يوسف لم نحسب مغالينا
جشمت شوك السرى حتى أتيت لنا
بالورد كتبا وبالريا عناوينا


فهل من يستطيع أن يتخيل للنسمة المعطرة ذيلًا وغلالةً، فضلًا عن أن تخلع هذه الغلالة وتلقيها على وجه شوقي ليرتد بصيرًا، كما هي الحال في قصة يوسف ويعقوب عليهما السلام، مما توحيه الإشارة الموجودة في البيت؟ أم هل من يستطيع أن يتخيل الكتب التي هي ورد، والعناوين التي هي ريا هذا الورد؟ ألا يرى القارئ معي أن هذه تشبيهات لا تنهض إلا على مجرد التوهم؟

وقبل ذلك نجد الشاعر يقول:
يا ساري البرق يرمي عن جوانحنا

بالله إن جبت ظلماء العباب على
نجائب النور مجدوا بجبرينا
ترد عنك يداه كل عادية
إنسا يعثن فسادا أو شياطينا

فقف إلى النيل..........
إلخ


فنحاول أن نتخيل كيف يمكن أن يعتدي أيٌّ من الإنس أو الجن على ساري البرق هذا، أو ما الذي جعل الشاعر يُقحم جبريل عليه السلام هنا - فتعيينا المحاولة؛ ذلك أن الصورة لا تستند إلى الخيال بل إلى التوهم.

كذلك، فإن من المتعذر أن نتصوَّرَ على أي أساس فرَّق شوقي بين نوع الألم الذي كان يستشعره من جراء الاغتراب عن مصر، ونوع الألم الذي كان «نائح الطلح» يقاسيه بسبب عجزه عن الرجوع إلى موطنه، حتى ليصوِّر ألمه هو في صورة «سهم مريش» وألم الطائر المهيض في صورة «سكين مسلول»:
كل رمته النوى: ريش الفراق لنا *** سهما، وسل عليك البين سكينا
ثم إن في القصيدة عددًا من الأبيات الباردة التي لا تستثير عاطفة ولا تحرك خيالًا، مثل الأبيات التالية، (ما عدا الأول منها):
لكن مصر، وإن أغضت على مقة
عين من الخلد بالكافور تسقينا
على جوانبها رفت تمائمنا
وحول حافاتها قامت رواقينا
ملاعب مرحت فيها مآربنا
وأربع أنست فيها أمانينا


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.32 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.74%)]