عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 30-08-2023, 07:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رمزية معركة البقرة الوحشية وفناء الوعل في القصيدة القديمة


فجالت على وحشيها وكأنها
مسربلة في رازقي معضد
ولم تدر وشك البين حتى رأتهم
وقد قعدوا أنفاقها، كل مقعد[7]

الذي حدث في هذه القصة كما يرد في القصيدة، أن البقرة الوحشية، وبينما كانت منشغلة وهي ترعى عند وقت الضحى في الخلاء، غفلت عن فرقدها، وكانت قد تركته في مرقده في حمى كناسها، أي في بيتها، فأتت إليه في تلك اللحظة السباع وأكلته، لقد كان صغيرًا ضعيفًا غير قادر على الحركة، أو دفع الخطر عن نفسه، لذلك ما إن خرجت أمه للرعي حتى هجمت الذئاب المتربصة على بيتها قاصدة إياه، وفاتكة به وبجسده الهش، وكما هو حال المصدوم دائمًا، لم تصدق البقرة ما يجري معها في بداية الأمر، فظلت بعض الوقت مشدوهة حائرة هائمة بذهنها غير مصدقة ما يجري حولها، تبحث عما يشفي غليلها ويذهب عنها حيرتها، ويرفع الشك باليقين، لقد ظلت تذهب وتجيء في المكان كالمجنون الذي فقد شيئًا غاليًا، إلى أن تكشفت الأمور ووجدت الجواب في آخر موضع عهدت فيه فرقدها، ولنا أن تخيل هول الصدمة عندما وقعت عينا المسكينة أول مرة على ما تبقى من جسد صغيرها الذي قطعت أوصاله، وتمزقت أعضاؤه إلى أشلاء، وتحول إلى قطعة من لحم قد تحجلت حولها الطيور، هذه الطيور الكاسرة التي جعلت تتسابق عما تبقى بعدما أكلت الذئاب ما أكلت من الفرقد، غير آبهة بمقدار المأساة وحجم الحزن الذي خيَّم على الأم المكلومة في فلذة كبدها.

لكن يا ليت الأمر قد وقف عند هذا الحد المأساوي؛ حيث ما إن كادت البقرة الوحشية تكتشف هول المصيبة التي ألمت بها، وقبل أن تلتقط أنفاسها وتستوعب ما جرى، حتى وجدت نفسها أمام خطر آخر محدق، يحيط بها ويتهدد حياتها، يقول زهير:
وثاروا بها من جانبيها كليهما
وجالت، وإن يجشمها الشد تجهد
تبذ الألى يأتينها، من ورائها
وإن تتقدمها السوابق تصطد


لقد وجدت البقرة نفسها محاطة بكلاب صيد شرسة وهائجة، ومستعدة للفتك بكل من تلاقيه في طريقها، فبدا لها وكأن اليوم هو يوم موتها ونهايتها هي كذلك، بعدما فتكت الذئاب بصغيرها، لكنها تقرر المقاومة وصد هجمات الكلاب، ويجبرها الخوف من الموت والتمزق ومن تحول جسدها إلى بقايا قطع لحم تعبث بها الطيور، كما حدث مع فرقدها على الفرار والجري بأقصى سرعة ممكنة، فتسبق الكلاب التي تأتي خلفها، وتصيب بقرنيها الكلاب الأخرى التي تتقدمها وتسبقها.
فأنقذها من غمرة الموت أنها *** رأت أنها تنظـر النبل تقصـد

ثم تبدو البقرة وكأنها تدرك جيدًا خطر الصيادين الرماة أصحاب الكلاب، الذين إذا لحقوا بها قتلوها وأردوها أرضًا بنبالهم التي لا تخطئ مرماها، لذلك بادرت وسارعت بالعدو هربًا بعدما عرفت أن الكلاب هي كلاب صيد مدربة يتعقبها الصيادون، وتحضر هنا التجربة الذاتية للبقرة الوحشية في الصحاري والخلوات؛ حيث اعتادت على المطاردات التي احتفظت ذاكرتها بفصولها ومخاطرها.
نجاء مجد ليس فيه وتيرة
وتذبيبها عنها بأسحم مذود
وجدت، فألقت بينهن وبينها
غبارًا كما فارت دواخن غرقد
بملتئمات كالخذاريف قوبلت
إلى جوشن خاظي الطريقة مسند
كأن دماء المؤسدات بنحرها
أطبة صرف في قضيم مصرد
إلى هرم تهجيرها، ووسيجها
تروح، من الليل التمام، وتغتدي[8]


وفي الأخير تمكنت البقرة الوحشية من النجاة ومن الإفلات من خطر الموت المحقق الذي أحاط بها من كل جانب وكاد يخطفها، وذلك بفضل مجهودها الفردي، وسرعتها في الجري والعدو،

ودفاعها بقوة وشراسة عن نفسها، وإصرارها على الانتصار والحفاظ على الحياة.

لقد نظمت القصيدة كما هو معلوم في غرض المدح، لذلك انتهت المعركة بانتصار البقرة على الكلاب؛ حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقتل البقرة وتنهزم مادامت تشبه ناقة الشاعر القوية والنشطة، التي ستنقله مخترقة الفيافي والمفازات المقفرة لتصل به إلى ممدوحه العظيم ذي الشأن والمهابة، لقد كان شعراء الشعر العربي القديم أذكياءَ في منظوماتهم وقصائدهم، بل منسجمين إلى حد بعيد مع سياق وظروف نظمهم، وذلك عندما منحوا الانتصار والفوز في أشعارهم المدحية للثور الوحشي والبقرة الوحشية، بينما انتصروا للكلاب في قصائدهم الرثائية. ذلك أنه في غرض المدح يستمر الزمن وتستمر معه الحياة، ودفقات المعاني الشعرية الحسنة، وتنساب الألفاظ العذبة والأوصاف الإنسانية الجميلة التي يضفيها الشاعر على ممدوحه بسخاء، وكثيرًا ما كانت قصائد المدح تتضمن دعوات صريحة للممدوح بالحياة والمدد في العمر، بل إن المدح في كنهه وجوهره دعاء للممدوح بالخير والسداد في العمل والرأي، والفلاح في الحياة، ومن هنا كان لابد للثور والبقرة الوحشية التي تشبه ناقة الشاعر من الانتصار في المعركة؛ حتى يتمكن من متابعة المسير في الطريق بما يسمح بمتابعة ذكر مناقب الممدوح وأوصافه الحسنة، كما أن مقتل الثور والبقرة الوحشية لا ينسجم والدعاء للممدوح بالخير والعمر المديد، هذا بينما في قصيدة الرثاء يتوقف الزمن كلية وتتوقف معه الحياة، ولا يتبقى غير الذكريات الجميلة التي يعود إليها الشاعر وينبش فيها، ويصدح بأحداثها ومواقفها عاليًا، وتُهيمن الأحزان وتسيطر لغة البكاء والدموع الحارة على الفضاء، فلا يكاد المتلقي يسمع غير صوت الأنين والحشرجة، ولا يرى غير الظلام الدامس والليل المدلهم؛ حيث يخيم شبح الموت، والرثاء كالمدح، غير أنه مدح - لميت كما ذكر ذلك ابن رشيق في كتابه العمدة في محاسن الشعر وآدابه – وهو أيضًا دعاء للمرثي، لكن ليس دعاء للحياة الهنيئة أو للمدد في العمر، ولكن دعاء بالرحمة والمغفرة والسكينة لروحه التي تكون قد انتقلت إلى الإقامة في عالم آخر مجهول، لذلك كان من الانسجام مع السياق العام للقصيدة الرثائية وغرضها الأساسي أن ينهزم الثور والبقرة الوحشية، ويسقط مقتولًا أمام كلاب الصيد القوية والمدربة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.86 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.06%)]