عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 30-08-2023, 07:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رمزية معركة البقرة الوحشية وفناء الوعل في القصيدة القديمة


ترده ولما يخرج السوط شأوها
مروحا، جنوح الليل، ناجية الغد
كهمك إن تجهد تجدها نجيحة
صبورا، وإن تسترخ عنها تزيد
وتنضح ذفراها بجون كأنه
عصيم كحيل، في المراجل، معقد
وتلوي بريان العسيب، تمره
على فرج محروم الشراب، مجدد
تبادر أغوال العشي، وتتقي
علالة ملوي، من القد، محصد[3]

لقد أضفى الشاعر على ناقته العظيمة كما هو ظاهر من الأبيات، أجمل الصفات وأحسنها، فهي القوية في بنيتها الجسدية، والنشيطة في حركاتها، والسريعة في مشيها، لا تخاف الليل مهما أظلم، وتواجه المخاطر مهما صعبت، وتبادر براكبها ما يخاف أن يهلكه أو يؤذيه، متجشمة مصاعب الطريق ووعورتها، فلا يهدأ لها بال حتى تلحقه بالمنزل الذي يبيت فيه، ثم يشبه الشاعر ناقته في الأخير ببقرة وحشية قصيرة الأنف؛ يقول:
كخنساء سفعاء الملاطم حرة *** مسافرة مزؤودة أم فرقد[4]

فالخنساء هي البقرة قصيرة الأنف، السفعاء وهي السوداء في حمرة، الملاطم الواحد ملطم وهو الخد، المزؤودة؛ أي: المذعورة المرتعبة الخائفة، والفرقد هو ولد البقرة[5].

إن الشاعر زهير بن أبي سلمى هنا لم يشأ أن يشبه ناقته بالثور الوحشي، ولكنه آثر أن يشبهها لنشاطها الزائد ولقوتها المفرطة بالبقرة الوحشية التي يرافقها في طريقها فرقدها، وهو ولدها الصغير بطل الحكاية، ثم يستطرد بعد ذلك في وصف هذه البقرة من سائر الجوانب جسديًّا ونفسيًّا؛ يقول:
غدت بسلاح، مثله يتقى به
ويؤمن جأش الخائف، المتوحد
وسامعتين، تعرف العتق فيهما
إلى جذر مدلوك الكعوب، محدد
وناظرتين تطرحان قذاهما
كأنهما مكحولتان، بإثمد[6]


لقد اعتادت هذه البقرة الوحشية التي تشبه ناقة الشاعر في قوتها ونشاطها، على الخروج في الصباح الباكر من أجل الرعي رفقة فرقدها الصغير، وسلاحها الوحيد الذي يحميها ويحقق لها قدرًا من الثقة في النفس وتتكئ عليه في مواجهتها الأخطار المحتملة، ويرفع الفزع عن صغيرها حديث العهد بالحياة، هو قرونها الحادة الفتاكة التي تكفي ضربة مباشرة واحدة منها للإطاحة بأقوى الأعداء والمهاجمين وجبرهم على الفرار.

إن ملمح المعركة من أجل البقاء أو الصراع مع الموت المتربص واضح وجلي هنا، فحتى الطبيعة الخلقية للحيوان – وجود قرون للبقرة الوحشية – توحي بحضور رمزي للموت في جميع مناحي الطبيعة، وبكونية موضوعة الموت وحتميته، وتعدد أسبابه، والصراع من أجل البقاء، وتحقيق الخلود، وجدلية الحياة والموت أيضًا.

ويستطرد زهير في وصف هذه البقرة الوحشية موضوع القصة، ويعرض بعضًا من أعضاء جسدها بدقة كبيرة، قبل أن ينتقل عقب ذلك إلى رصد تفاصيل الفاجعة التي ستحل بها وبفرقدها؛ يقول:
طباها ضحاء أو خلاء فخالفت
إليه السباع في كناس ومرقد
أضاعت فلم تغفر لها خلواتها
فلاقت بيانًا عند آخر معهد
دما عند شلو تحجل الطير حوله
وبضع لحام في إهاب مقدد
وتنفض عنها غيب كل خميلة
وتخشى رماة الغوث من كل مرصد

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.31%)]