عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 30-08-2023, 07:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,412
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أبو العلاء المعري يرثي صديقه أبا حمزة الفقيه


سِرْ إنِ اسْطَعْتَ في الهواءِ رويدًا
لا اخْتيالًا على رُفاتِ العبادِ
رُبَّ لَحْدٍ قد صار لَحْدًا مِرارًا
ضاحِكٍ مِنْ تَزاحُمِ الأضدادِ


وكأنَّ أبا العلاء يرى أن سامعه ربما لا يزال غيرَ مُصدِّق هذه الحقيقة، فنراه يَلفِته إلى مظاهر الطبيعة، ويطلب منه أن يَسألَ الشمس والقمر عن أجيال البشر التي أنارَا لها ليلًا ونهارًا، ثم يَخلُص إلى وصفِ مشاعره تُجاه الحياة وتكالُب الناس على البقاء فيها، متعجبًا مِن هذا التكالب على حياةٍ كلُّها تعبٌ وشقاءٌ وسُهادٌ، ومِن الخوف مِن الموت والنفورِ منه، مع أنه في حقيقته رَقدةٌ يستريح الإنسان فيها مِن تلك المتاعب وهذا السهاد الطويل.

ولكن لماذا يُؤثِّر فينا هذا الكلام؟! يؤثر فينا لأنه في الحقيقة صدًى لِما نشعُرُ به في أعماقنا، ولكن على نحوٍ غير واضح، ثم إنه يضع أيديَنا على حقيقةٍ من حقائق الحياة التي كثيرًا ما ننساها في غمرة اللهاث وراء مُتَع الدنيا، إن للحياةِ إغراءَها الذي لا يُقاوَم، ولكنه يُكلِّفنا كثيرًا من الإرهاق والألم مِن جرَّاء النشاط المحموم الذي يقتضيناه هذا الإغراء، فإذا جاء إنسانٌ وأصاخَ بنا أن نَقِفَ لحظةً ونُفكِّر في نتيجة هذا السعي المتواصل المحموم، وبصَّرنا بأن هذا السعيَ مُنْتهٍ غيرُ طائلٍ، وكان هذا الإنسان صاحبَ نصيبٍ كبير من الحكمة وعُمق النظرة - فلا شك أن كلامَه سيُوقِظ فينا ما كنا نشعُرُ به في غير وضوحٍ مِن إرهاقٍ وألَمٍ، وسيُوقِظ فينا أيضًا رغبتَنا في أن نَحصُل على الراحة من كل هذا العناء، ومِن ثَمَّ نتجاوب مع ما يقول تجاوبًا كبيرًا؛ ذلك أنه باختصار يقول ما كان ينبغي أن نقوله، أو ما كنا نَوَدُّ أن نقوله.

ومما يجعل لهذا الكلام زيادةَ قَبولٍ في نفوسنا ما فيه مِن مقدرةٍ فنية، وقد رأيتُ ما في تساؤله: «أبكَت تلك الحمامة أم غنَّت... إلخ؟» - مِن تَهكُّم وسخرية نَستطيع أن نَراهما أيضًا في هذه العبارة الموجزة: «خفِّف الوطء!»، إنه التهكم بالغرور المختال الجاهل الذي يحاول الشاعر أن يَصطنع في مواجهته أسلوبَ التواضع حين يقول: «ما أَظُنُّ أَديمَ الأرض إلا من هذه الأجساد!»، فهو لا يريد أن يقطع بالحكم، ولكنه يتظاهَرُ بعدم التأكد؛ رغبةً منه في تعليم المختال الجاهل فضيلةَ التواضع، والشيءُ نفسُه تَلمِسُه في قوله: «العباد» [التي تساوى قولنا بالعامية «الناس الغلابة»]:
سِرْ إنِ اسْطَعْتَ في الهواءِ رُويدًا *** لا اخْتيالًا على رُفاتِ العبادِ
بدلًا من «الناس» أو «الخلق»، وهما لفظتانِ ليس فيهما هذا الوَخْز الذي يحتاجه دور الإحساس الغليظ الذي لا يَملأ عيونَهم أحدٌ؛ كي يُفيقوا من تعاليم وإحساسهم الغبي المتضخِّم بأنفسهم.

ومع ذلك كله فإن الشاعر في هذا الجزء من القصيدة قد أقحم بيتينِ لا ينسجمان مع السياق، وهما:
خُلِقَ الناسُ للبقاء فضلَّتْ
أُمَّةٌ يَحْسَبونَهمْ للنَّفَادِ
إنَّما يُنقَلونَ مِن دارِ أعما
لٍ إلى دارِ شِقْوةٍ أو رَشادِ


وخروجهما على السياقِ يَكْمُنُ في أن الفكرة التي تدور حولها الأبيات التي ورَدا فيها، هي أنْ لا شيء ولا أحدَ مُخلَّد في هذه الدنيا، ومن ثَمَّ فعلى رغمِ أن هذين البيتين يُعبِّرانِ عن عقيدتنا نحن المؤمنين بالله واليوم الآخر، فإنهما قد أُقحِما في غير موضعهما إقحامًا، علاوةً على أن قولَه بُعيدَ ذلك:
ضِجعةُ الموتِ رَقْدةٌ يستريح الـ *** ــجِسمُ فيها والعيشُ مثلُ السُّهادِ
يتناقض مع مضمونِ هذين البيتين؛ إذ كيف يكون الموتُ ضِجعةً يَستريح الجسمُ فيها من السهاد والألم، والبيتانِ يُؤكِّدان أن الإنسان يترُك الدنيا ليَنتقل إلى الجنة أو النار؟! إن الموتَ إذًا ليس نومًا، بل يقظة تامَّة، وإذا ما قصَر بالإنسان عملُه، فهل يَنتظره إلا النار وسُهادُها الذي يتضاءل بجَنبه كلُّ سهادٍ؟!

أما في الجزء الثاني الذي يتَّجه بالخطاب فيه إلى الحمائم الهادلة فوق غُصون الأشجار، فإنه ما إن يبدأ هذه البداية الموفَّقة المؤثِّرة حين ينادي بنات الهديل، ويَطلُب منهنَّ تَعزيتَه عن الآلام التي كان يُحِسُّها لفَقْد صديقه، وحين يتعجَّب مِن وفائهن هذا التعجب الحلو الرقيق:
إيْهِ للهِ دَرُّكُنَّ فأنتُنْـ
ـنَ اللواتي تُحسِنَّ حِفْظَ الوِدادِ
ما نَسِيتُنَّ هالكًا في الأوانِ الـ
ـخالِ أَوْدَى مِن قَبْلِ هُلْكِ


حتى نراه يأخُذُ على هذه الحمائم أنها تضَعُ في أجيادها أطواقًا للزينة، وأن الأحرى بها أن تَخلَع هذه الأطواق؛ ليكونَ حِدادُها كاملًا، وهي مؤاخذة تثيرُ الابتسام، فلَسْنَ هنَّ اللاتي وضَعْنَها في أعناقهنَّ، لا، ولا هنَّ مستطيعات أن يَخلَعْنَها.

والشيء ذاته يَنطبق على تلاعُبه بالتَوْرِيةِ في البيت الثاني من الأبيات التي يَرثي فيها صديقَه ويُشيد بمناقبه، وهو:
وفقيهًا أفكارُهُ شِدْنَ للنُعْــ *** مانِ ما لَمْ يَشِدْهُ شِعْرُ زِيادِ
إذ معنى البيت هو أن أبا حمزة قد شاد بأفكارِه لأبي حنيفة النعمان ما لم يستطع شعرُ النابغة أن يَشيده للنعمان بن المنذر، ولكن أبا العلاء اكتفى بإيرادِ لفظة «النعمان» مرة واحدة، وكأن النعمان الذي شاد له أبو حمزة شهرةً علمية، هو هو النعمان الذي شاد له زياد مَجدًا في دنيا الشعر والأدب، فهذا تلاعُب بالألفاظ لا يناسب تمامًا جوَّ الحزن الذي يُخيِّم على القصيدة كلها، فإذا أضَفْنا إلى ذلك أن هذا الجزء من القصيدة إنما هو عبارةٌ عن تقريرات عادية يعدِّد فيها مناقبَ صديقه المتوفَّى واحدةً وراء الأخرى بأسلوب خالٍ من رَواء الفن - عرَفْنا إلى أي مدًى لم يُوفَّقِ الشاعر في هذه الأبيات.

ونصل الآن إلى هذه الأبيات الجميلة:
ودِّعا أيُّها الحَفِيَّانِ ذاك الشْـ
ـشَخْصَ إنَّ الوداعَ أيْسرُ زادِ
واغْسِلاهُ بالدمعِ إِنْ كان طُهْرًا
وادْفِناهُ بين الحَشا والفُؤادِ
واحْبُواهُ الأكفانَ مِن وَرَق المُصْـ
ـحفِ كِبْرًا عن أَنْفَسِ الأبْرادِ
واتْلُوَا النَّعْشَ بالقراءةِ والتَّسْـ
ـبيحِ لا بالنَّحيبِ والتَّعْدادِ


فالغموض الذي يُحِيط بهذينِ الشخصين اللذينِ يُوجِّه إليهما الخطاب، ولفظة «الحَفيان»، بما يدل عليه من إعزاز وإكرامٍ ووُدٍّ واهتمامٍ، وهذه الصور الحالمة المشعَّة وَضَاءةً ونُبلًا التي يقفو بعضها بعضًا: «اغْسلاه بالدمع إن كان طُهرًا»، و«ادْفِناه بين الحشا والفؤاد»، و«احْبواه الأكفان من وَرَق المصحف»، و«اتْلُوا النعش بالقراءة والتسبيح»، كل هذا يدخل إلى القلب، فيستولي عليه استيلاءً.

وتبقى بعد ذلك الأبياتُ الأخيرة التي يُخاطب فيها صديقه الراحل، مُتذكِّرًا مرضَه وعَجْز الطبيب عن أن يفعل له شيئًا، وداعيًا له بالسُّقيا، ومتفجعًا على فَقْده، والتي تنتهي بهذينِ البيتين:
زُحَلٌ أَشْرفُ الكواكبِ دارًا
مِن لقاء الرَّدى على مِيعادِ
واللبيبُ اللبيبُ مَنْ ليس يَغْتَرْ
رُ بكونٍ مَصيرُهُ للفَسادِ


وهما أجمل هذه الأبيات، وبخاصة الصورةُ التي رسم فيها مصيرَ الكوكب «زُحل»؛ إذ جعله على ميعادٍ من لقاء الرَّدى، وذلك إلى جانب ما في العبارة من تقديم وتأخير، جعل المعنى لا يتَّضِح إلا مع آخر كلمة فيها، وكذلك تعبيرُه عن تفتُّت الكوكب واندثاره في الهواء بـ«لقاء الردى»، وفضلًا عن جمال الصورة وطرافة التركيب، فهناك التأكيد في قوله: «واللبيب اللبيب»، بما يوحي به مِن شدة حب الشاعر لبني البشر، ورغبته الطاغية في أن يَنصَحَهم ويُرشِدَهم ويَرُدَّهم عن مَهاوي الاغترار بكَوْنٍ مصيرُه - كما يقول - للفسادِ، ولاحِظْ أن تحذيرَه ينصبُّ على «الكون» كله، أليس فاجعًا أن يكون هذا الكون كله - بسماواته وأرضه وفضائه وشموسه وأقماره، وناسه، وحيوانه ونباته، وماضيه وحاضره ومستقبله، على مدى الأجيال المتلاحقة التي لا يُحصيها إلا بارئها - إلى فسادٍ؟! والبيتان من ناحية أخرى يعودان بالقصيدة عودًا على بَدْءٍ، فيُضْفِيان عليها مزيدَ تماسُك، ولكن أُحبُّ أن أُنبِّه إلى ما كنتُ أسلفتُ الإشارة إليه، وهو ما في القصيدة مِن تناقضٍ، لقد رأينا جانبًا منه في نُبُوِّ بعض الصور أو التعبيرات عن سياقها، ولكن هناك وجهًا آخر لهذا التناقض؛ إذ بينما نرى الشاعر يُلِحُّ على أنه لا فائدة من البكاء والنحيب على الموتى، إذا به يطلُبُ مِن بنات هديل أن يُشاركنَ «الغواني الخِراد» في نَدْبِهنَّ صديقَه المأسوفَ عليه، وبينما نجده يقول:
تَعَبٌ كلُّها الحياةُ فما أعْــ *** ــجَبُ إلَّا مِن راغبٍ في ازْديادِ
نراه يعود فيتمنَّى لو أن هذا الصديق قد طال عمرُه ولم يقضِ نحبَه في غضارة الشباب:
وخلَعتَ الشبابَ غَضًّا فيَا لَيْـ *** تَكَ أَبْلَيتَه معَ الأَنْدادِ
صحيح أن من الممكن الردَّ بأن هذا التناقض إنما تسأل عنه الطبيعة البشرية؛ إذ كثيرًا ما تقتنع عقولنا بشيءٍ، لكن قلوبنا لا تَقتنع به، ولا تستجيب للأحداث بمقتضاه، إلا أن ما يؤخذ على الشاعر أنه أسرَف في الإلحاح على فكرةِ أنْ لا جَدْوى من البكاء والحزن، إسرافًا سدَّ عليه الطريق فيما بعد، وقيَّد حريته، فلما عاد يتصرَّف كما يتصرَّف الناس العاديون، فيَندُبُ الموتى ويُعدد مناقبهم، ويتمنَّى لو كانوا بقُوْا على قيد الحياة - أضحى موقفه حرجًا.

وبعد:
فالقصيدةُ رغم ما في بعض أجزائها من قوة وجمال، فإنها لا ترقى إلى المصفِّ الذي وضعها أحد النقاد فيه؛ إذ يقول: إنه «ربما كانت هذه المرثية خيرَ مراثي العربية على الإطلاق»، فقد رأينا كيف أنها لا تخلو من بعض العيوب الفادحة، علاوةً على أن بعض أجزائها فاترٌ يَلمِس صفحةَ النفس فلا تَهتزُّ له، ومن الإجحاف أن نُفضِّلها على قصيدة كتلك التي يرثي فيها مالك بن الريب نفسَه، أو تلك التي يتفجَّع فيها أبو ذُؤَيب الهُذَلي على أولادِه، أو ابن الرومي على ابنه الأوسط، أو قصيدة العقاد في «رثاء طفلة» [وهذا قليل من كثير]؛ ذلك أن قصيدة أبي العلاء تفتقرُ إلى ما في هذه القصائد من ألَمٍ يَصهَر الفؤاد صَهْرًا؛ إذ إن الألم الذي تبعثُه في نفوسِنا هو ألَمٌ مَبعثُه العقلُ والتفلسفُ، وهو ألم عامٌّ يتعلق بمصير الكون كلِّه بالدرجة الأولى.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.15 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.53 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.50%)]