عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 30-08-2023, 07:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,246
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أبو العلاء المعري يرثي صديقه أبا حمزة الفقيه


كيفَ أصْبحتَ في مَحلِّكَ بَعْدي
يا جديرًا مني بحُسْنِ افْتقادِ
قد أَقرَّ الطبيبُ عنكَ بعَجْزٍ
وتَقَضَّى تَرَدُّدُ العُوَّادِ
وانتَهى اليأسُ منك واستَشْعَر الوَجْ
دُ بأنْ لا مَعادَ حتَّى المَعادِ
كنتَ خِلَّ الصِّبا فلمَّا أَرادَ الـ
ـبَينُ وافَقْتَ رَأيَهُ في المُرادِ
ورأيتَ الوفاءَ للصاحبِ الأَوْ
وَلِ مِن شِيمةِ الكريمِ الجَوَادِ
وخلَعتَ الشبابَ غَضًّا فيَا لَيْ
تَكَ أَبْلَيتَه معَ الأَنْدادِ
فاذْهَبا خَيرَ ذاهبَيْنِ حَقيقَيْـ
ـنِ بسُقْيا رَوائحٍ وغَوادِي
ومَراثٍ لو أَنَّهنَّ دُموعٌ
لَمَحَوْنَ السُّطورَ في الإنْشادِ
زُحَلٌ أَشْرفُ الكواكبِ دارًا
مِن لقاء الرَّدى على مِيعادِ
واللبيبُ اللبيبُ مَنْ ليس يَغْتَرْ
رُ بكونٍ مَصيرُهُ للفَسادِ

هذه القصيدة تدور حول موضوع واحدٍ، هو رثاء أبي حمزة الفقيهِ الحنفي الذي كان مِن الواضح أن أبا العلاء المعرِّي يُجِلُّ أخلاقَه وزهدَه، وانصرافَه إلى العلم عن اللُّهاث خلفَ لذائذ الحياة الدنيا، وهي المناقبُ التي كان أبو العلاء المعرِّي نفسُه يتحلَّى بها، ويراها هي الأجدرَ بأن يستمسكَ بها الناسُ جميعًا، وبخاصةٍ أن الدنيا مصيرُها إلى انتهاء، وأنْ لا أحدَ ولا شيء مُخلَّد على وجه الدهر، ومِن الواضح كذلك أن جوًّا نفسيًّا واحدًا ينتظمُ القصيدة كلَّها مِن أولها إلى آخرها، هو جو الحسرة على أحوال الدنيا التي يتسرَّب كلُّ شيءٍ فيها - مِن عُمر وأصدقاء وهناءةِ بالٍ - من بين أيدينا، وعلى صديقه الذي قضى ولَمَّا يكن قد جاوَز سنَّ الشباب، فخلَّف الشاعر ليُحِسَّ بمزيدٍ مِن الوَحشة والأسى.

ومع وَحدة الموضوع ووَحدة الجو النفسي، فإن القصيدة لا تخلو من بعض التناقضات والعيوب الأخرى التي تنالُ مِن جمالها، وتُضعِف مِن قوةِ تأثيرها، كما سنرى بعدُ.

لقد بدأ الشاعرُ قصيدتَه بمقدِّمة فلسفية تفكَّر فيها في أحوال الدنيا، وانتهى إلى أن كل شيء فيها هالكٌ، وليس فيها ما يُغرِي بالحرص عليها، ومِن ثَمة فلا فرقَ في نظره بين مُتَعها وأحزانِها، وما دام الحال كذلك، فعلى كل إنسانٍ أن يتحلَّى بالتواضع، وأن يكف عن الاحتيال فوق أديم الأرض.

ويَخرج أبو العلاء من هذه المقدمةِ إلى مخاطبة الحمائم اللاتي لا يَكْفُفْنَ عن الهديل بكاءً على فرخ الحمام الذي تقولُ الحكايات: إن طيرًا جارحًا في قديم الأزمان قد انقضَّ عليه وافترَسه، فيَطلُب منهنَّ أن يُشارِكنَ في النَّوحِ على أبي حمزة الفقيهِ صاحب العقل الذكي، والخطيب الألمعي، وراوي الحديث العدل... إلخ.

ويخرج من ذلك مرةً أخرى إلى مخاطبةِ صديقين لأبي حمزة، فيَلتمس منهما أن يُغسِّلاه بالدمعِ الطاهر، وأن يُكفِّناه في وَرَق المصحف، ويُحذِّرهما من الانقياد وراء البكاء وتَعداد المناقب، فهما لا يُجْدِيان شيئًا، وهنا يتَّجِه بالخطاب إلى أبي حمزةَ متعجبًا من صروف الدهر، وكيف أنه ما كاد يرتدي بُرْدَ الشباب حتى خلَعه، بل خلَع بُرْدَ الحياة ذاتها!

وفي آخر القصيدة يعود فيَعزِف نغمةَ أن كلَّ شيء في الدنيا هالك، وأن العاقل مَن لا يَغترُّ بشيء فيها.

فأنت ترى من هذا التحليل السريع كيف أن القصيدةَ متماسكةُ الأفكار والمشاعر، «على أن يكون مفهومًا أني قد تعمَّدتُ في هذا التحليل أن أَقفِز فوق ما فيها مِن مآخِذَ سأتناولُها فيما بعد».

والحقيقة أن أجملَ أجزاء القصيدةِ هو المقدِّمة الفلسفية؛ بما فيها من عُمق وجلال وسخرية خافتةٍ بالمغرورين المختالين الذين يَنسَون أنهم مجرَّد مخلوقات عابرة فانية، فيضرب الواحد منهم وجه الأرض بقدمَيْه، ظنًّا منه أنه يستطيع أن يَخرِقَ الأرض أو يبلُغَ الجبال طولًا.

ويضاف إلى هذا الجزء الأبياتُ التي يلتمِسُ فيها الشاعر ممَّن يُحِبَّانِ أبا حمزة أن يُغسلاه بالدمع الطاهر، وأن يُكفناه بأوراق المصحف... إلخ، فهذه الأبيات تغزو الفؤاد غزوًا.

أما بقية القصيدة، فمعظمُها لا يبلغ من الجَودةِ شأوًا بعيدًا، وبعضها يَقصُر عن حد الجودة قَصْرًا.

أما في المقدمة الفلسفية، فإن الشاعر يتناول ثلاثَ أفكار فرعية:
هي أن كل شيء في الدنيا يستوي مع كل شيء آخر.

وأنْ لا أحدَ يبقى على الحدثان، «حتى إنه ليرى الأرض كلها قبرًا كبيرًا ينبغي أن نُحاذر المشي فوقَه ما أمكَن؛ احترامًا لرُفات الآباء والأجداد».

وأن الحياة هي التعب والشقاء بعينه، فلا معنى لتعلُّق الناس بها.

وهو في تناولِه للفكرةِ الأولى يُخصِّص لها ثلاثةَ أبيات، مستعرضًا في كل بيت منها مظاهرَ استواء كلِّ شيء مع كل شيء، فهو لا يرى فرقًا بين نَوْحِ الباكي وغناء المترنِّم، أليست كلها أصواتًا تخرجُ مِن فم الإنسان، وهو مخلوقٌ عابر، فكل ما فيه وكل ما يفعله مِن ثَمَّ عابرٌ فانٍ؟! وهو لا يجد اختلافًا بين صوت مَن يأتينا بخبر وفاة عزيزٍ، وصوت مُن يُبشرنا بميلاد طفلٍ جديد، فإذا كان ذلك قد ودَّع الدنيا، فإن هذا سيَقفوه عما قليل، كما أنه لا يستطيع أن يُحدد من هديل الحمامة التي يتمايل بها غصنُها على الشجرة القريبة، أهي تبكي أو تُغنِّي! فقد استوى الغناء والبكاء في أُذنَيْه؛ لأنه لم يَعُدْ يُبالي بمظاهرِ الحياة؛ إذ تعمَّق فيها حتى بلغ حقيقتها، فإذا هي سرابٌ خدَّاعٌ، وهذا البيت الأخير - وما فيه مِن تساؤل ساخرٍ يوحي بفِقدان شَهيَّة الحياة - هو أقوى الأبيات الثلاثة:
أبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمامةُ أَمْ غَنْـ *** ـنَتْ على فَرْعِ غُصنِها المَيَّادِ؟
وبعد ذلك نراه يُلِحُّ على فكرة الموت، فهذي القبور تُطالِعُنا في كلِّ مكان، فإذا عرَفنا أن أممًا وأجيالًا لا يُحِصيها إلا خالقُها، منذ أن بدأتِ الحياة على وجهِ الأرض - قد أتت في الدنيا ومضَت، فأين يا تُرى قبورهم؟! وأين عظامُ موتاها ورُفاتهم؟!

إن النتيجة المنطقية هي أن الأرض التي نمشي عليها الآن، قد كانت مَدفنًا لجيلٍ قبلنا، كما أن قبورَنا سوف تتحوَّل مع الأيام إلى أرضٍ يَدِبُّ فيها مَن سيأتون بعدَنا، ومعنى هذا أن الأرض كلها قبرٌ كبير، وأن التراب الذي نَطَؤُه بأقدامنا وأحذيَتِنا هو في الحقيقة رُفات الذاهبين، فانظر كيف يَظَلُّ المعري يَتغلغل في فكرته واصلًا منها إلى الحقيقة المرَّة، ساخرًا ممن تَستغرقُهم اللحظة الحاضرة، فيَعمَوْن عن هذه الحقيقة، ويُخيِّل إليهم غُرورُهم أنهم شيءٌ، وما هم بشيءٍ، فتَراهم يَمشون مختالِينَ، ناسين أنهم سيكونون عما قريب ترابًا تَدوسُه الأقدام المختالة كما يفعلون الآن برُفات أسلافهم، ومتهكمًا أيضًا بمصير البشر؛ إذ يقضُون حياتَهم في نزاع وخصام، ثم يجمع المتنازعين في النهاية نفسُ القبر الذي يَضحكُ في هذه الحالة منهم ومِن عنائهم في غير طائلٍ!

خفِّفِ الوَطْءَ ما أَظُنُّ أَديمَ ال
أرضِ إلَّا مِن هذهِ الأجسادِ
وقبيحٌ بنا وإِنْ قَدُمَ العَهْـ
ـدُ هَوانُ الآباءِ والأجدادِ

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.77%)]