عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 24-08-2023, 12:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,538
الدولة : Egypt
افتراضي رد: البحتري في وصف إيوان كسرى


واشترائي العِرَاقَ خُطَّةُ غَبْنٍ
بعدَ بَيْعي الشآمَ بَيعةَ وَكْسِ
لا تَرُزْني مُحاولًا لاخْتِباري
عندَ هذي البَلوى فَتُنْكِرَ مَسِّي

ونظرة سريعة إلى ما تردَّد في هذه الأبيات من ألفاظ: "الزَّعزعة والتَّعس، والنَّكس، وتَطفيف البَخس، والخِسة، وبيع الوَكس والبَلوى" - تُنبيك عن مدى ما يُثقل نفسَ الشاعر مِن شَجَنٍ، وما يُحسُّه من ضيق بالدهر الذي يتخيَّله إنسانًا معاديًا، فهو يُزعزعه بُغيةَ اتْعاسه ونَكسِه، وهو يُطفف - حتى القليل الذي أبقى له عليه - تطفيفَ بَخسٍ، وكأنه وزَّان أو كيَّال مخادعٌ يَستغفله ويُعطيه أقلَّ كثيرًا جدًّا مما يستحقه!

ويتعجب الشاعر من هذا الوضع، فيحاول تفسيره، ويكون أول ما يرد على خاطره أن الزمان ربما كان مائلًا بهواه مع الأخِسَّاء ضد أهل الفضل والكرامة، ويبلغ ضيقُ الشاعر مداه حين يُهيب بنا ألا نُحاول الاقترابَ منه أو الحديثَ إليه، بُغيةَ معرفةِ ما طرَأَ على شخصيته من تغيُّرات نتيجة هذه الأوضاع المعكوسة، فإننا لو فعَلنا ذلك لأنكَرنا منه وُعورةَ نفسيته بعد أن كان ليِّن الجانب سَمْحَ الطبع، ثم تتراكم الهمومُ على نفس الشاعر وتتكاثف، فلا يجد مناصًا من التحول عن بغداد جمعاءَ.

وانظر كيف عبَّر الشاعر عن ذلك بأن صوَّر الهموم وقد حضرت إلى رَحْله، مما جعله يركب دابَّته وينطلق بعيدًا، تاركًا لها المكان بما فيه ومَن فيه، غير مُطيقٍ أن يقع له عليها بصرٌ، وانظر كذلك كيف يَقرُن بين حظه السيئ وبين ما توالَى مِن خُطوب على إيوان آل ساسان، أليس يتسلَّى المنكوبون بلقاء بعضِهم بعضًا يَتشاكون همومَهم، فتُخَفَّف آلامُهم حين يَجدون أنهم ليسوا وحدَهم الذين أحاطتْ بهم المصائبُ، بل لهم في النَّكبات أشباهٌ؟!
حَضَرَتْ رَحْلِيَ الهمومُ فوجَّهْـ
ـتُ إلى أبْيضِ المدائنِ عَنْسِي
أتَسلَّى عن الحُظُوظِ وآسَى
لِمَحَلٍّ من آل ساسانَ دَرْسِ
ذَكَّرَتْنِيهمُ الخُطُوبُ التَّوَالي
ولَقَدْ تُذْكِرُ الخطوبُ وتُنْسِي


وأجمل ما في التعبير عن هذا الحزن أن الشاعر قد عكَسه على الإيوان؛ مما أكسَبه قوةً وحرارة وشدةَ تأثير؛ إذ أصبح وكأن أحزان الإيوان صدًى له يُقوِّيه، ثم يأتي الشاعر بعد ذلك فيَأْسَى بدوره لهذا الإيوان، فنُحس أنه قد أُوتي نفسًا نبيلة، نفسًا لا تعرف الكَزازة والانغلاق على الذات، بل لا تُلهيها آلامُها هي عن آلام الآخرين، والتعاطف معهم، والبكاءِ لهم بكاءً مَبعثُه الحبُّ، بل بكاءً غير معهودٍ إلا لدى أهل الصبابة والوجْد، وهذا كلُّه رغم أن ليست الدار داره، ولا أهلها أهلَه، ولكنهم من أهل الشرف، وهو بأهل الشرف متعلِّق:
عُمِّرَتْ للسُّرُور دهْرًا فَصَارتْ
للتَّعزِّي رِبَاعُهُمْ والتَّأَسِّي
فلَها أنْ أُعِينَها بدُموعٍ
مُوقَفَاتٍ على الصَّبَابَةِ حُبْسِ
ذَاكَ عندِي وليْستِ الدَّارُ دارِي
باقتِرابٍ منها ولا الجِنْسُ جِنْسِي
........................
...............................
وأَرَاني مِنْ بعدُ أَكْلَفُ بالأَشْـ
ـرَافِ طُرًّا منْ كلِّ سِنْخٍ وجِنْسِ


وذلك فضلًا عما للفرس من أيادٍ على العرب والعروبة كما سلف القول، وأحب أن تقف قليلًا عند قوله عن دموعه التي ذرَفها أمام الإيوان إنها: "دموع مُوقفات على الصَّبابة حُبْس"، وكأنها وقفٌ قد حبَسه صاحبه للإنفاق منه في هذا الغرض النبيل!

ومن أسرار جمال القصيدة أيضًا هذه الأبيات التي يصف فيها البحتري ما كان مصورًا على جدران الإيوان من معارك دارت رحاها بين الفرس والروم:
فإذا ما رأيتَ صُورةَ أَنْطَا
كِيَّةَ ارْتَعْتَ بينَ رُومٍ وفُرْسِ
والمنايا مَوَاثِلٌ وأَنُوشِرْ
وَانُ يُزْجي الصفوفَ تحْتَ الدِّرَفْسِ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.89 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.22%)]