فهو مخيَّرٌ من جهة أنَّ له إرادةً، وله مشيئةً، وله اختيارًا، يعرف الضَّارَّ من النافع، والطيبَ من الخبيث، يأكل ويشرب باختياره، يزور إخوانه باختياره، ينام باختياره، يقوم باختياره، يأتي الطاعة باختياره، ويأتي المعصية باختياره، لكن هذا له مشيئة سابقة، وله قدر من الله سابق، لا يخرج عن ملك الله، ولا عن إرادته جلَّ وعلا: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، فهو مُخيَّرٌ من جهة ما أعطاه الله من المشيئة والقُدرة والاختيار والفهم، وهي مناط التكليف، ومُسَيَّرٌ من جهة أنه لا يخرج عن قدر الله.
ونعود إلى ما بدأنا به الحديث عن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الإنسان: 30].
فابن آدم منا يرغب في حدوث أشياء يظن أن فيها الخير له، فإذا لم يجِبْه الحق لذلك، فإنه يتهم القضاء والقدر، ومن يظن ذلك يجهل ما للحق عز جاهه من صفات العلم والحكمة بل ويسيء الظن بصفة القدرة والاستغناء للمولى عز وجل.
ويكفي هذا أن يتذكر قوله تعالى فيما رواه عنه صلى الله عليه وسلم: ((يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ، ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ))؛ صحيح مسلم. وفي روايةٍ: ((إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا)).
وهذا الحديث العظيم الجليل يجب تدبُّره مليًّا، ويا ليتنا نفهمه هكذا وعلى تلك الوجوه الأربعة:
الوجه الأول: الظلم صفة سلبية ليست من صفات المولى عز وجل، وهو لا يعقل منطقًا ولا عقلًا كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: الظلم هو تصرُّفك في غير ما تملك، وهو عز جاهه لا يُصادف لغيره ملكًا، فهو مالك الملك والملكوت.
الوجه الثاني: أن نتدبَّر هذا الحوار البديع الرقيق الجليل (استهدوني أهدكم/استطعموني أطعمكم/ استكسوني أكسكم/ استغفروني أغفر لكم).
الوجه الثالث: استغناء الله وغناه عن كل ما خلق.
الوجه الرابع: على كل العباد الاشتغال والانشغال فقط بالعمل الصالح المصلح، وترك كل عمل سيئ مفسد، فهذا هو الصراط المستقيم، اعملوا فكل مُيسَّر لما خلق له، وكل موكل إلى ما كلف به.
والحديث يبين شمول إرادة المولى عز جاهه ونفاذ مشيئته، فإله الكون الأعظم مهيمن على كل مخلوقاته، مجيب لكل سائل يسأله فيما طلبه منه مما يحبه ويرضاه، ولا يحب عز جاهه ولا يرضى إلَّا عمَّا أمر به شرعًا، وتلك هي ما يسميها العلماء بالإرادة الكونية القدرية.
ومما يزيد الأمر بيانًا وإيضاحًا، قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [هود: 34]، فهو عز جاهه العليم الحكيم، يعلم الجهر وما يخفى، والسر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وحكمته تقتضي تقدير الوقت الأنسب والكيفية الأصلح لما يطلبه كل مخلوق، فهو عز جاهه القائل: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، ونحن نرى ذلك في عالم البشر، فقد تصدر من أصحاب الخبرة في الطب وفي الهندسة بل وفي السياسة أشياء كثيرة يراها قليلو الخبرة من العامة أشياء تنذر بعواقب خطيرة، فإذا بها تأتي بالإصلاح والصلاح، والمؤمن الحق يوقن بلا ريب وبلا أدنى شك بأن الخير كله من الله وبيد الله، وهو يردد في كل حين: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26]، ويشير لحاله هذا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، فيقول: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابه سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن العبد له مشيئة، وهي تابعة لمشيئة الله، كما ذكر الله ذلك في عدة مواضع من كتابه، فقال: ﴿ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [المدثر: 55، 56]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الإنسان: 30]، وقوله تعالى: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 28، 29]، فإذا كان الله قد جعل العبد مريدًا مختارًا شائيًا امتنع أن يقال: هو مجبور مقهور مع كونه قد جعل مريدًا، وامتنع أن يكون هو الذي ابتدع لنفسه المشيئة.
(أي: إنه هو عز جاهه من يهيئ لك أمر المشيئة، وينير لك الطريق لكي تشاء ولكي تريد).
والظلم لا يجوز في حق الحكم العدل كما ذكرنا، وهو لا يجبر أحدًا على الإيمان أو الكفر لكنه وهو الإله الحق القادر المطلق يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهذا كله في نطاق علمه بما خلق وحكمته سبحانه بما يصلح من حال عبده، فمشيئته فوق كل مشيئة، ولا يقف أمام مشيئته شيء في الملك أو الملكوت، ويستحيل في حقه النقص كما قلنا، فإذا كان الإنسان يستطيع تحريك يديه كما يشاء، فإنه يحركها كثيرًا دون إرادة ودون مشيئة، والله فوق هذا قادر على أن يوقفها فلا تتحرك فضلًا على أن الإنسان تتحرك رئتاه وقلبه وأمعاؤه وكبده وكليتاه دون إرادته، فمن بيده كل ذلك، فإرادة ومشيئة الله فوق كل مشيئة، ولولاها ما قامت السماوات والأرض، ولا كان للمخلوقات أن تحيا على ظهرها.
فللعبد مشيئة، وهو ليس مسلوب الإرادة والاختيار، والله يحصي عليه أعماله فيما قدر له فيه الاختيار، وفيما كلفه الله به وهو في نطاق اختياره، وهو يُجازى على ما يختاره ويفعله.
وأنا عند تدبُّري لكلام الله في محكم تنزيله أجد جوابًا لكل سؤال يجول بخاطري في موضع آخر قريبًا كان أو بعيدًا بين دفتي هذا الكتاب المعجز الفريد، وعند وقوفي عند قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الإنسان: 30]، وجدت الجواب عن أسئلة كثيرة جالت بخاطري في قوله تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53].
فقد كرَّم الله الإنسان على بقية مخلوقاته، وسخر له كل ما في الكون، وأنعم له بما لا يُعدُّ ولا يحصى من النعم، لكن الإنسان موصوف في الكتاب بما يلي:
خُلِق ضعيفًا: يقول تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]، وقد خفَّف الله عنه لقاء ضعفه في التكاليف، فلم يُكلِّفة بما ليس في طاقته، ولم يكلف المكره والناسي والنائم والمجنون والصغير.
ظلوم كفَّار جاحد لأنعم الله: يقول تعالى: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]، ويقول تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: 6].
خصيم مجادل: يقول تعالى: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 4]، ويقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴾ [الكهف: 54].
عجول: يقول تعالى: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ [الإسراء: 11].
هلوع جزوع منوع: يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ [المعارج: 19 - 22]، فإنَّ من طبيعة الإنسان الهلع والجزع والمنع والشحَّ.
يئوس قنوط: يقول تعالى: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴾ [الإسراء: 83]، ويقول تعالى: ﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ [فصلت: 49].
أسير للغفلة والنسيان: يقول تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7]، ويقول تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ [مريم: 39]، ويقول تعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1].
ومن أجل طبائع الإنسان تلك سواء كانت مخلوقة أم مكتسبة، فإنه يجحد كل تلك النعم ويكفر بها، ويدعي أنها وجدت من تلقاء نفسها أو بفضل ذكائه وعلمه أو بفعل الطبيعة وما إلى ذلك من خزعبلات وخرافات، وسبب ذلك إيلاف النعم والتعوُّد عليها، والتنعُّم منها بما هو فوق الحاجة وبالإسراف منها والاستمتاع الزائد بها، فهي مذللة ومسخرة دون جهد.
يقول الإمام الشعراوي: ونستطيع أن نضرب لذلك مثلًا بالولد الذي تعطيه مصروفه مثلًا كل أول شهر، تجده لا يحرص على أنْ يلقاك بعد ذلك إلا كل أول شهر، إنما إذا عوَّدته أن يأخذ مصروفه كل يوم تراه في الصباح يحوم حولك، ويُظهِر لك نفسه ليُذكِّرك بالمعلوم.
إذن: رتابة النعمة قد تُذهِلك عن المُنعِم، فلا تتذكره إلا حين الحاجة إليه؛ لذا يُنبِّهنا الحق تبارك وتعالى: إذا أعطيتُ لكم نعمة فإياكم أنْ تغتروا بها، إياكم أن تُذهِلكم النعمة عن المنعم؛ لأنكم سوف تحكمون على أنفسكم أنه لا مُنعِم غيري، بدليل أنني إذا سلبْتُ النعمة منكم فلن تجدوا غيري تلجأون إليه فستقولون: يا رب يا رب، فأنت ستكون شاهدًا على نفسك، لن تكذب عليها، فَلِمَنْ تتوجَّه إذا أصابك فقر؟ ولمن تتوجَّه إذا أصابك مرض؟ لن تتوجَّه إلا إلى الله تقول: يا رب ﴿ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53].
ولذلك، فالناس أصحاب اليقين في الله تعالى ساعةَ أنْ يصيبهم ضُرٌّ، يقولون: ذكَّرتنا بك يا ربّ، فكأن الضر لما وقع بهم صار نعمة؛ لأنه ذكرهم بالخالق الموجِد العظيم.
فيقول تعالى في الآية الأخرى: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ﴾ [الأنعام: 43]، فحتى الابتلاء جعل الله له فوائد، فهو يأخذ بأيدينا بعيدًا عن الغفلة، والانغماس في المتع التي تشغلنا عن الذكر، وتذهلنا عن المنعم الأعلى.
ويقول الحق تعالى في آية التوبة: ﴿ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ﴾ [التوبة: 118]، وفي آية النحل: ﴿ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53]، وفي سورة الإنسان: ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الإنسان: 29 - 31]، فلا مجير ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه.
فلن يجيرك وينجيك من الله إلا الله، فهو سبحانه ذو صفات جلال وصفات جمال، فهو قهار، وجبار، ومنتقم، وذو بطش شديد، وهو كذلك بَرٌّ ودود ورحمن ورحيم وغفور، ولا ناصر ولا مغيث ولا حسيب من الله إلا الله، وهو سبحانه كتب فوق العرش: سبقت رحمتي غضبي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي))؛ رواه البخاري (7453)، ومسلم (2751). فلا وقاية للعبد من صفات الجلال إلا صفات الجمال.
ويقول صلى الله عليه وسلم: ((اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْك، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِك))؛ رواه مسلم.
وقد سمع الأصمعي -وهو يطوف- مسلمًا عند باب الملتزم يقول: اللهم إني أستحي أن أطلب منك المغفرة؛ لأني عصيتك، ولكني تطلَّعْتُ فلم أجد إلهًا سواك، فقال له: يا هذا، إن الله يغفر لك لحُسْن مسألتك.
فالعبد مأمور بالمسارعة إلى فعل الخيرات والمبادرة بالتوبة من المعاصي والسيئات، فإذا تاب العبد من ذنبه فهذا دليل أن الله تاب عليه -أي: أذن له في التوبة، ووفَّقه لها ليتوب ويرجع إليه- فليؤمل في فضله وليرجُ واسع رحمته وليسأله، كما مَنَّ بالتوفيق إلى التوبة أولًا أن يمن بقبولها آخرًا، قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ -فقيل معنى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾- أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا، وقيل: المعنى تاب عليهم؛ أي: فسح لهم ولم يعجل عقابهم ليتوبوا، وقيل: تاب عليهم ليثبتوا على التوبة.
وقيل: المعنى تاب عليهم ليرجعوا إلى حال الرِّضا عنهم.
وبالجملة فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا، دليله قوله عليه السلام: اعملوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ لما خلق له.
يقول ابن القيم رحمه الله: وتوبة العبد إلى ربه محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه بعدها، فتوبته بين توبتين من الله سابقة ولاحقة، فإنه تاب عليه أولًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبد فتاب الله عليه ثانيًا قبولًا وإثابة، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118]، فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببًا ومقتضيًا لتوبتهم، فدلَّ على أنهم ما تابوا حتى تاب الله عليهم، والحكم ينتفي لانتفاء علته، وهذا القدر من سر اسميه الأول والآخر، فهو المعد وهو الممد، ومنه السبب والمسبب، وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه كما قال أعرف الخلق به: ((وأعوذ بك منك))، والعبد تواب، والله تواب، فتوبة العبد: رجوعه إلى سيده بعد الإباق، وتوبة الله نوعان: إذن وتوفيق، وقبول وإمداد.