قياس التعب (6)
الشيخ طه محمد الساكت
محاضرات في التربية وإدارة المدارس (7)
الامتحانات المدرسية وأهميتها
ضرورتها:
الامتحانات مشكلة كبرى من مشاكل التربية في العصر الحاضر، فهي مَهْمَا اختلفت أشكالها وتَبَاينت نُظُمها وأساليبُها، ضرورية لا يُستَغنى عنها في كل نظام من نُظُم التعليم؛ لفوائدها الكثيرة، والحاجة إلى تقدير كفايات الناس وعِلْمهم، ومعرفة مدى صلاحهم وقدرتهم في الأعمال المختلفة، وهي تُعَرِّف المدرس مقدار ما استفاده التلاميذ من دروسه، وبها نستطيع أن نَعرف قيمة أعمال المدرسين والنُظَّار، وأثر ما بذلوه من الجهود في التعليم والتهذيب والإدارة، ولكنها بشكلها الحاضر المألوف وعلى الرغم من ضرورتها وفوائدها، تترك آثارًا سيئة كثيرة في نفوس التلاميذ وصحتهم.. فضلًا عن أنها ليست معيارًا صحيحًا لا يُخطئ في تقدير الكفايات والمعلومات؛ لذلك نرى أنه ليس من سَدَاد الرأي أن نحُكم عليها حُكمًا مطلقًا، فهي مع ضرورتها ليست كافية كل الكفاية، وليست بالمقياس الصحيح، ويَنجُم عن الإفراط فيها أضرارٌ كثيرة؛ وأحسن ما قِيل عنها أنها شرٌ لا بد منه؛ كما يقول الإنكليز، وستظل الامتحانات الوسيلة الوحيدة في أداء الغَرَض، حتى تأخذ الاختبارات العقلية والاختبارات العلمية مكانها من الصحة والذيوع اللائقين بها.
تاريخها:
والامتحانات على أشكالها المختلفة قديمة العهد، ولم يُعْنَ بها إلا في القرن التاسع عشر، وأول امتحان عُقِد في مصر للشهادة الابتدائية كان في عام 1892م، والظاهر أن الامتحانات كلها كانت شفهية؛ تتخذ شكل سؤال وجواب، أو مناظرة، أو الدفاع عن مقالة تُكتَب، أو إلقاء محاضرة عامة.
أثر الامتحانات في التعليم:
فوائد الامتحانات:
يرى أنصار الامتحانات المألوفة أن لها كثيرًا من الفوائد التعليمية، فهي:
1- تُشَوِّق التلميذ إلى بَذْل الجهد المتواصل لبلوغ الغاية التي يَرمي إليها.
2- تَحْمِل الطفل على أن يَعْلَق دروسه في ذهنه ويربطها بعضها ببعض، وتُلْزِمه مراجعتها واستذكارها والبحث عنها في مراجعها؛ وهذه فائدة يجب ألا يُستهان بها.
3- تدل على مقدار ما عرَفه التلاميذ.
4- تُعَوِّد التلاميذ المثَابرة والاعتماد على النفس، والعمل المُنظَم لإدراك غاية مُعَينة.
5- تؤدي إلى إيجاد المنافسة الصالحة بين التلاميذ، وتدفَعُهم إلى الاجتهاد في العمل.
6- تُبيِّن للمدرس الحالة العلمية لتلاميذه، وتُظهِر له نتيجة عمله، وتُبيِّن له مَوَاطَن ضَعفه، وأَثر طُرق التعليم التي اتبَعَها؛ فيُصْلِحها إن كانت خطأً، كما أنها تُبيِّن للناظر وأولياء أمور التلاميذ نتيجةَ عملِ المدرسة والتلاميذ.
7- تُمَكِّننا من اختيار أصلح التلاميذ للالتحاق بالمدارس العالية مثلًا.
مثالب (عيوب) الامتحان ومضارُّه كما يراها بعض الدارسين:
أما مضارُّ الامتحانات ومثالبها، فكثيرة أيضًا؛ فهي حُكم على نتيجة عمل التلاميذ والمدرسة نفسها، فإن كانت النتائج حسنة اعْتُبِرت المدرسة حسنةً، وإن كانت سيئة اعتُبِرت كذلك، ولا شك أن الحُكم على المدرسة نتيجة امتحانها قد يكون خطأً.
ويعتبر كثيرون الامتحانات عَقَبة في إصلاح التربية وطُرُقها الإصلاحَ المرغوب فيه؛ لعدة أسباب:
1- إن الامتحانات لا تُبيِّن إلا مقدار ما حَصَّله التلاميذ من المعلومات؛ وليست المعلومات هي كل شيء في التربية، فمعرفة التلاميذ قواعد النحو والصرف والحوادث التاريخية، وحَلُّ المسائل الحسابية لا تدُل على كفايتهم واستعدادهم، ولا تدل على ما يَصْلُحُون له مِن الأعمال في مناحي الحياة المختلفة (مَنَاحِي الْحَيَاةِ: مَجَالاَتُهَا)، وبالامتحانات المألوفة لا يُمكِننا أن نقيسَ أثَرَ التربية في تنظيم العقل وتدريبه، وفي تقوية الجسم والعناية بالصحة، وفي غرس العادات الصالحة، وفي تهذيب الأخلاق، وفي إِعْدَاد الطفل للحياة الاجتماعية الراقية، وتَفْهِيمه كيْفية الاستفادة بأوقات الفراغ، ولذلك نرى أن من الخطأ الكبير الحُكم على عمل المدرسة وصلاحها بعَدَدِ مَنْ ينجَح من تلاميذها في الامتحان العام، فَكَم من تلميذٍ نجح في الامتحان؛ لكنه لم ينجح في الحياة العملية والاجتماعية.
2- أنها تُهمِل الفروق الكبيرة بين التلاميذ في الميول والاستعدادات، وتَتَطلَّب أن يكونوا جميعًا على طرازٍ واحد؛ لأنَّ الامتحانات العامة تَتَطلَّب مِنهَاجًا واحدًا مُعَينًا يسير عليه التلاميذ المقَدَّمون لها؛ ولذلك يُضطَرون إلى حفظ المعلومات المختلفة التي سَيَمْتَحِنون فيها من غير نَظَرٍ إلى ميولهم وقواهم، وهي أيضًا تَفرِض أن الأطفال جميعًا متساوون في المقدرة العقلية؛ فتعمل على تَرْقَيَتهم جميعًا بنسبةٍ واحدة وخُطَى واحدة، ولم يَقُل أحدٌ بهذا التساوي.
3- أنها تجعل التعليم في المدارس مُتَكَلَّفًا غير طبيعي، فالمُعلم يبذل جهده في حَشْر أكبر قِسطٍ من المعلومات في عقول التلاميذ في أقصر وقت استعدادًا للامتحان، ولا يَعْني بِفَهْمهم لدروسهم، أو تَعوِيدهم التفكيرَ فيها، ويَحصر جُهده في عمل مُلخصَات وحفظ مذكرات، واختيار المواضع التي يُنتَظر أن تكون فيها الأسئلة، وإرهاق التلاميذ بتفاصيل لا قيمة لها، وتعاريف لا يَفهَمون معناها، فتكون معلوماتهم كلها ألفاظًا لا علاقة لها بالحياة، ولا بتجاربهم الشخصية، ولا غرابة إذا نَسِي التلاميذ كل هذه المعلومات بعد الامتحان بقليلٍ. وبدلًا من أن تَخدُم الامتحانات التربية؛ أصبحت الامتحانات عَقَبة في سبيل التربية الصالحة، فالعناية كلها مُوَجَّهةٌ إلى الامتحانات، أمَّا إعداد التلاميذ للحياة فمُهْمَلٌ كلَّ الإهمال.
4- تجعل الامتحانات المدرس مَيَّالًا إلى إهمال طائفةٍ من التلاميذ في فصله، فقد يُعْني كل العناية بالأقوياء لثِقَته بنجاحهم، ويُهمِل الضعفاء الذين يُنتَظر رسوبُهم، وقد يَعكس المدرس الأمرَ، فيُعْني بالضعفاء عنايةً كبيرة، حتى يصل بهم إلى الحد الذي يُمَكِّنهم من النجاح في الامتحان، وأما الأقوياء فيُهمَلون للثقة بنجاحهم، وفي كِلتا الحالين إهمالٌ لطائفة كبيرة من التلاميذ، وتَضيِيع جزءٍ كبير من وقتهم.
5- إن الامتحانات تقلل من قيمة المواد الدراسية، فَكُل مادة من المواد تُقَدَّر بالدرجات المعَيَّنة لها في الامتحان، أما المعلومات النافعة التي تتصل بحياتهم وأخلاقهم وسلوكهم، فلا يُفكر فيها أحد؛ لأنها ليست من مواد الامتحان؛ كدروس الدين والألعاب الرياضية، والأشغال اليدوية، وغيرها من المواد التي لها أثرٌ كبير في تربية التلاميذ تربية خُلُقية صحية.
6- كثيرًا ما تكون الامتحانات سببًا في سوء الأخلاق؛ فقد تَحْمِل التلاميذ على الكذب والغش بطُرقٍ مختلفة، وقد يعمل التلميذ إذا سُئل عن شئٍ يَجْهله على أن يُوهِم الممتَحِن أنه فاهمُ السؤال، وهذا نوعٌ من الغش.
7- كثيرًا ما يكون الامتحان سببًا في ضرر التلاميذ من الوجهة العقلية والصحية؛ فالخوف والانزعاج اللذان يَتَوَلدان في نفوس التلاميذ أثناء الامتحان قد يُحدِثان اضطرابات عصبيةً قد تؤدي إلى عواقبَ وخيمةٍ.