عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-06-2023, 08:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,228
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مناسك الحج على مذهب الإمام مالك رحمه الله



طواف الإفاضة: هو الركن الرابع للحج بعد الوقوف بعرفة، ولا بد أن يكون الطواف سبعة أشواط متواليات، فإن نقص عنها لم يجزئه، ولا يُجْبَر بالدم ويَفْسُد بِتَرْكِه الحجُّ، ومَنْ شَكَّ فإنه يَبْنِي على الأقل؛ كما يفعل من شَكَّ في عدد ركعات الصلاة، أما إذا زاد عليها فلا يضُرُّ.

شروط صحة الطواف عند المالكية:
يُشْتَرط لصحة الطواف ما يُشْتَرط في الصلاة من طهارة الحدث والخبث وستر العورة، فإذا أحدث في أثنائه، أو قبل صلاة ركعتيه أعاده؛ لأن الركعتين كالجزء منه.

المشي واجب في الطواف للقادر عليه.

ويُشْتَرط أن تجعل البيت عن يسارك.


بدء الطواف من الحجر الأسود وينتهي إليه، فقف أمامه مُكبرًا خاشعًا ثم قَبِّله إنْ تَيَسَّر ذلك، وهذا التقبيل من سنن الطواف في أول شوط، أما إن أدَّى الاقتراب إلى تأذِّيه أو تأذِّي غيره فالبُعْد أوْلَى، واستلمه باليد اليمنى وتقول: (باسم الله والله أكبر) وضعها على فيك مُتبرِّكًا، وإن لم تتمكَّن من الاستلام، فاقتصر على الإشارة بيدك أو بعصا عن بعد عند محاذاته، وقل على سبيل الاستِحباب: "اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاءً بعهدك واتِّباعًا لسُنَّة نبيِّك محمد صلى الله عليه وسلم".

فإذا قَبَّلته فتأخَّر قبله بقليل (حتى تضمن بدء الطواف من الحجر الأسود) مِنْ ثم اشرع في الطواف.

ولو ابتدأه قبله وجب إتمام الشوط الأخير إليه.

فإذا وصلت من الشوط الأول للركن اليماني (وهو الذي قبل الحجر الأسود) فاستلمه بيدك وضعها على فيك مُتَبرِّكًا، وإن لم تتمكَّن من الاستلام، اقتصر على الإشارة بيدك أو بعصا عن بُعْد عند محاذاته، وتقول: (باسم الله والله أكبر)، وهذا الاستلام أيضًا من سنن الطواف في أول شوط.

أما الركن العراقي الذي بعد الحجر الأسود والشامي هو الذي يليه لا يُقَبَّلَان، ولا يُسْتَلَمان؛ بل ذلك مكروه.

ولا تَلْحَس الحجر بلسانك كما يفعل الجُهَّال.

ولا يُسَنُّ للنساء استلام ولا تقبيل الحجر الأسود إلا عند خلوِّ المطاف، فالقرب من الكعبة بالنسبة للرجال، أما النساء فالسنة أن يطُفْنَ خلف الرجال، كما في الصلاة.

أن يكون الطواف حول الكعبة؛ فمن طاف داخل حِجْر إسماعيل لم يصحَّ طوافُه؛ لأن حِجْر إسماعيل من الكعبة.

أن يكون جميع بَدَنِك بتمامه خارجًا عن حِجْر إسماعيل عليه السلام، وعن (الشاذروان): الشاذروان هو البناء المسنَّم في جدار البيت؛ وذلك لأن أصلهما من البيت، والطواف إنما يكون بالبيت من خارجه لا من داخله، واحذر أن تلعب وأنت طائف بالحلقات التي فوق الشاذروان؛ لئلا يكون بعض جسمك داخل البيت.

ولا بُدَّ أن يكون الطوافُّ سبعة أشواط متواليات: فالموالاة بين الأشواط السبعة شرط عند الإمام مالك.

وإن شك في النقص بنى على اليقين، وتمَّمَ الأشواط السبعة، أما إذا زاد عليها فلا يضُرُّ.

وإن نقص عن السبعة أشواط لم يُجْزئه، ولا يُجْبَر بالدم ويَفْسُد بِتَرْكِه الحجُّ إن كان ركنًا، كما تقدَّم في أنواع الطواف.

ويجوز الاستراحة بين الأشواط.

صلاة ركعتين بعد الطواف: وحكم صلاة هاتين الركعتين الوجوب بعد طواف الإفاضة والقدوم؛ أما في طواف الوداع فقيل بوجوب الركعتين، وقيل بسنيتهما، والقولان صحيحان.

ويندبأن يقرأ فيهما بعد الفاتحة سورة "الكافرون" في الركعة الأولى، وسورة "الإخلاص" في الثانية.

ويندب صلاتهما خلف مقام إبراهيم والدعاء بعدهما بالملتزم -وهو بين الحجر الأسود والباب- كما سيأتي لاحقًا.

ولمن طاف بعد العصر يندب صلاة الركعتين بعد صلاة المغرب وقبل نافلتها.

ويُسَنُّ الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى للرجال فقط، وهو الإسراع بحسب الطاقة فوق المشي ودون الجري.

ويُسْتَحب لك الدعاء في الطواف بما تحب من أمور الدنيا والآخرة، وأفضل الأدعية ما ورد في الكتاب والسنة ثم ما فتح الله به عليك.

ويكره في الطواف الأكل والشرب ووضع اليد في فيك بلا حاجة، وأن يشبك بين أصابعك أو يفرقعها، وليكن طوافك بحضور قلب ولزوم أدب.

الدعاء بالملتزم والشرب من زمزم:
الملتزم هو حائط الكعبة بين الحجر الأسود وبابها.

هناك طريقتان في كتب المالكيين في ترتيب الطواف والدعاء بالملتزم والشرب من زمزم والركعتين:
ولكني أُرَجِّح الطريقة الأولى موافقةً لرسالة الأزهر في المناسك وللشرح الصغير للصَفْتي فيما عدا الشرب، ولأنها أقرب إلى الحكمة والترتيب الطبيعي:
الطريقة الأولى:
إذا أتممت الطواف فأتِ الملتزم،فضع وجهك وصدرك وذراعيك عليه، وادْعُ بما أحببت من أمور الدنيا والآخرة.

ثم صلِّي ركعتي سُنَّة الطواف، تقرأ فيهما بعد الفاتحة سورتي "الكافرون" و"الإخلاص"، والسِّرُّ في اختبار هاتين السورتين أنك في الحج تُجَدِّد العهد مع الله؛ ففي قراءة السورة الأولى براءةٌ من الكفرة، وفي الثانية إقرار بالتوحيد، والأفضل صلاتهما -إن أمكن- خلف مقام إبراهيم الخليل عليه السلام.

وبعد صلاتهما يُسْتَحب لك أن تمر على ماء زمزم فتشرب منه وتدعو بما تشاء ومن الدعاء المأثور: ((اللهُمَّ إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء)).

والطريقة الثانية هي:
بعد الفراغ من الطواف يُسَنُّ لك أن تصلي ركعتي سُنَّة الطواف -كما تقدم- فإذا فَرغت من الركعتين فأتِ الملتزم -كما تقدم- فإذا فرغت من دعائك تَمُرُّ على ماء زمزم فتشرب منه.

والظاهر أن الطريقة الثانية أَوْلَى لِأن مِنْ شرط صحة الطواف اتصال ركعتيه، فيُخْشَى لو وَقَف بالملتزم قبل الركعتين أن تقف طويلًا فتُبْطِل الطواف؛ ولعل من قدَّم الدعاء بالملتزم على الركعتين يُشتَرط لذلك أَلَّا يُطِيل وقوفه.


ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يكن المطاف مزدحمًا بحيث يتعَذر اختراقه إلى الملتزم، وإلا فلا شيء في تقديم الوقوف بالملتزم على الركعتين، على أنه إذا تَعذَّر الوقوف بالملتزم رأسًا لشدة الزحام فينبغي الوقوف بعد ركعتي الطواف خارج المطاف تجاه الملتزم والدعاء، وبذلك يتم الجمع بين الطريقتين.

ثم اقصد إلى الحجر الأسود فقَبِّله إن تيسَّر ذلك، أو استلمه كما تقدم.

واخرج من المسجد فورًا لأداء الركن الثاني بعد الإحرام؛ وهو السعي بين الصفا والمروة، يُسْتَحَب لك أن تخرج من باب بني مخزوم، وهو المعروف بباب الصفا.

السعي بين الصفا والمروة:
ثم اسْعَ بين الصفا والمروة سبعة أشواط متوالية تبدأ من الصفا إلى المروة وهذا شوط، وتعود من المروة إلى الصفا وهذا شوط ثانٍ وهكذا.

كونه سبعة أشواط، فإن سعيت أقل منها فلا يجزئه وعليك أن تكمله، وإذا طال الفصل بين الأشواط فابدأه من أوله، ويغتفر الفصل اليسير؛ كأن تصلي أثناءه على جنازة، أو يحصل منه بيع وشراء لا يطول عرفًا.

ويُسَنُّ الصعود فوق الصفا والمروة في كل شوط لمن يستطيع، وكذلك الدعاء عليهما بما تحب، والمرأة تصعد عليهما كالرجل إن خلا الموضع من مزاحمة الرجال وإلا وقفت أسفلهما.

ويُسْتَحَبُّ في السعي طهارة الحدث والخبث وستر العورة والدعاء بما شئت.

ويُسَنُّ للرجل الإسراع بين العمودين الأخضرين، وأحدهما تحت منارة باب علي، والثاني مقابل لرباط العباس، والإسراع يكون حال الذهاب إلى المروة، ولا تسرع في الرجوع.

والمشي في السعي كالمشي في الطواف كلاهما واجب للقادر عليه.

ويجب بعد طوافٍ واجب من قدوم أو إفاضة.

ولا يصحُّ السعي إلا بعد طوافٍ صحيح؛ فلو سعي من غير أن يطوف لم ينفع سعيه؛ لأنهما بمنزلة عبادة واحدة؛ ولذا لو فرق بينهما ومضى وقت طويل، أو طاف للقدوم من غير أن يسعي، فسد الطواف.

التحلُّل من العمرة:
إن كنت متمتعًا: أي مُحْرِمًا بالعمرة وحدها فهذا السعي لها، وهو آخر أركانها الثلاثة فتَحَلَّلَ منها بالحلق أو التقصير مع استيعاب جميع الرأس في الحالين، والحلق أفضل للرجال، وأما المرأة فتأخذ قدر الأنملة من أطرافه.

ومتى حَلَقت أو قَصَّرت فقد حَلَّ لك كل ما كان مُحَرَّمًا عليك لِأَجْل الإحرام كَلِبس الثياب وقربان النساء والطيب، فتمتَّع بما شئت من ذلك إلى أن تُحْرِم بالحج.

وأما إن كنت "قارنًا": أي مُحْرِمًا بالحج والعمرة أو "مُفردًا"؛ أي: مُحْرِمًا بالحج وحده هو الأفضل كما قدمنا فلا تَتَحَلَّل بعد السعي بحَلْق ولا تقصير؛ فالسعي هنا هو السعي المفروض أو الركن للحج والعمرة معًا، بالنسبة للقارن وللحج وحده بالنسبة للمفرد.

استمر على إحرامك إلى أن تتحلل يوم العيد كما سيأتي؛ لأنك إلى هنا سواء أكنت مفردًا أم قارنًا- لم تُتَمِّم حجك، وإنما أدَّيْت منه ركنين، وهما الإحرام والسعي، وبقي ركنان، وهما الوقوف وطواف الإفاضة، وأما الطواف الذي طفته قبل السعي فهو طواف القدوم، وهو واجب لا ركن فلا تغفل.

الخروج إلى مِنى:
ومتى جاء اليوم الثامن من ذي الحجة تخرج من باب شبيكة بعد الظهر وقبل صلاته ولكن بقدر ما تدرك صلاته بمِنى قبل دخول وقت العصر.

ويُسْتَحَب لك البيات بمِنى، ثم في اليوم التاسع تسير من مِنى إلى عرفات بعد طلوع الشمس، فإذا وصلت إليها ودخل وقت الظهر فيُسَنُّ لك الغُسْل من غير مبالغة في الدَّلْك ويُسَنُّ لك -ولو كنت من أهل عرفة- أن تجمع بين الظهر والعصر جَمْعَ تقديمٍ مع الخطيب الذي يخطب بمسجد نمرة، وأن تقصر صلاتهما.

كما تقطع التلبية عند وصولك إلى هذا المسجد.

الوقوف بعرفات:
فإذا فرغت من الصلاة فقف متضرعًا داعيًا لما بعد الغروب وهذا هو الركن الثالث من أركان الحج.

فالحضور بعرفة نوعان:
ركن يفسد الحجر بتركه، وتكفي لحظة من غروب شمس يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر.

وواجب يلزم في تركه دم، وتكفي لحظة من زوال شمس يوم عرفة إلى غروب الشمس من ذلك اليوم.

ويُجزئ الوقوف بأي جزء من عرفة كان، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، وحَدُّ عرفة العَلَمَان المَنْصُوبان هناك.

ويُستَحبُّ للوقوف بعرفة طهارة وركوب، وهو مستثنًى من النهي عن اتخاذ ظهور الدوابِّ مساطب.

ثم بعد الغروب تفيض من عرفات إلى المزدلفة وتسرع في سيرك إليه لتدرك وقت العشاء الاختياري بها، وهو من مغيب الشفق الأحمر إلى ثلث الليل الأول عند المالكية، فإذا وصلت إليها وجب عليك النزول بقدر حَطِّ الرِّحَال وسُنَّ لك أن تجمع بين المغرب والعشاء جَمْعَ تأخيرٍ مع قصر العشاء، ويُستَحبُّ لك البيات بالمزدلفة، ويُسْتَحبُّ لك أن تلتقط الحصيات التي ترمي بها الجمرات.

فإذا طلع فجر يوم العيد فبكِّر بصلاة الصبح، ثم قف بالمشعر الحرام إلى الإِسفار ووضوح النهار مستقبلًا القبلة داعيًا بما أحببت، ويقول تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].


العودة إلى مِنى:
وقبيل طلوع الشمس تسير في المشعر الحرام بسكينة ووقار إلى مِنى، فاذا وصلت إلى بطن محسِّر -وهو وادٍ بين المشعر الحرام ومِنى- يُستَحب لك الإسراع فيه ماشيًا أو راكبًا [3] ولا تسرع المرأة إلا إذا كانت راكبة، فإذا جاوزت بطن محسِّر فارجع إلى السكينة والوقار حتى تصل إلى مِنى.

رمي جمرة العقبة:
فإذا وصلت إلى مِنى ترمي جمرة العقبة بسبع حصيات، وهو في ذاته واجب، ووقته من طلوع فجر يوم النحر، ويندب أن يكون بعد طلوع الشمس إلى الزوال (بداية وقت الظهر)، ويكره تأخيره عنه إلا لضرورة أو الزحام.

يُستَحب لك أن تكون الحصيات التي التقطها من المزدلفة، وأن تكون وسطًا قَدْر الفول أو النوى، كما يُشْترط أن يكون الحصى من جنس الحجر فلا يكون طينًا ولا معدنًا.

كما يُستحب لك أن تُكبِّر مع رمي كل حصاة، قائلًا: (باسم الله، الله أكبر).

وأن ترمي الجمرات على البناء، وأمَّا الرمي حوله فلا يُجْزِئ إلا إذا وصل إليه، والمطلوب هو الرمي في مجمع الحصا؛ أي: المكان الذي يجتمع فيه الحصا حتى قِيل: إن الجمرة[4] اسم لهذا المكان فقط.

ولا يشترط طهارة ما يُرمى به؛ فلو رمي بمتنجس أجزأه، ونَدَب أن يعيده بطاهر.

يجوز التوكيل في رمي الجمرات للضعفاء والمرضى والنساء، ولا حرج عليهم، ولا يلزمهم بذلك فدية.

أن يكون الرمي باليد اليمنى إن كنت تحسن الرمي بها.

وبرمي جمرة العقبة يتحلَّل الحاج التحلُّل الأصغر، ويَحِل لك كل ما كان مُحرَّمًا عليك بالإحرام إلا النساء والصيد، ويُكره التطيُّب.

ثم بعد هذا الرمي نذبح ما معك من الهَدْي واجبًا أو تطوُّعًا، ولا أضحية عليك.

ثم تحلق رأسك أو تُقصِّر جميع الشعر على ما سبق لك بيانه في التحلُّل من العمرة.

واعلم أن تقديم رمي العقبة على كل واحد من الحلق وطواف الإفاضة واجب؛ فإن قَدَّمت واحدًا منهما على الرمي فعليك دم.

بخلاف تقديم النحر أو الحلق على الإفاضة أو تقديم الرمي على النحر فليس بواجب، بل مندوب وعلى هذا نفعله.

واعلم أن تأخير كل واحد من الحلق وطواف الإفاضة عن الرمي واجب؛ فإن فعلت أحدهما قبل رمي جمرة العقبة فعليك دم.


طواف الإفاضة:
ثم ترجع إلى مكة لتطوف طواف الإفاضة وهو الركن الرابع من أركان الحج؛ فتفعل فيه نحو ما مَرَّ في طواف القدوم.

ويُستحب أن يكون طواف الإفاضة عقب حَلْقك بلا تأخير بغير ضرورة، وأن يكون في ثَوْبَي إحرامك وهما إزارك ورداؤك؛ ليكون أداء الأركان جميعًا فيها.

ثم تسعى بعده بين الصفا والمروة سبعًا كما تقدم إن كان سعيك أولًا عن العمرة فقط.


وأما إذا كان سعيك أولًا عن الحج وحده أو الحج والعمرة؛ فلا يُطلب منك سعي بعد هذا الطواف؛ لأنك قد أدَّيْته بعد طواف القدوم.

واعلم أن تقديم رمي العقبة على كل واحد من الحلق وطواف الإفاضة واجب؛ فإن قَدَّمت واحدًا منهما على الرمي فعليك دم.

بخلاف تقديم النحر أو الحلق على الإفاضة أو تقديم الرمي على النحر فليس بواجب، بل مندوب وعلى هذا نفعله.

واعلم أن تأخير كل واحد من الحلق وطواف الإفاضة عن الرمي واجب؛ فإن فعلت أحدهما قبل رمي جمرة العقبة فعليك دم.


وعلى هذا فالذي تفعله يوم العيد على التربيب الواجب والمُستحب أربعة: الرمي، فالنحر، فالحلق، فالإفاضة.

التحلُّل الأكبر:
فإذا طاف الحاجُّ طوافَّ الإفاضة وسعى بين الصفا والمروة، إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، فإنه يتحلَّل التحلُّل الأكبر، فيباح له حينئذٍ كل شيء، بما في ذلك الاستمتاع بزوجته؛ لأنه أنهى أركان الحج كلها، ولم يبق عليه إلا رمي الجمار في أيام التشريق (أي: أيام ثاني العيد، وثالث العيد ورابع العيد).

الرجوع من مكة إلى مِنى:
وبعد أن تطوف للإفاضة وتصلي ركعتين سُنَّة الطواف وبعد أن تسعى إن لم تكن سعيت يجب عليك أن ترجع إلى مِنى يوم العيد لأجل المبيت بها ثلاث ليال إن لم تتعجَّل، وليلتين إن تعجَّلت؛ قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ [البقرة: 203].

وشرط جواز التعجيل أن تجاوز جمرة العقبة قبل غروب الشمس من اليوم الثاني، فإن غَرَبت الشمس قبل أن تجاوز جمرة العقبة وجب عليك البيات للثالث.

رمي الجمار الثلاث:
وفي كل يوم من الأيام التي تقيمها بمِنى ترمي الجمرات الثلاث مبتدئًا بالجمرة الكبرى وهي التي تلي مسجد مِنى، ثم الوسطى التي في السوق (وقت كتابة المقال عام 1360هـ - 1941م ) وتختم بجمرة العقبة.

ووقت الرمي في الأيام الثلاثة أو الاثنين للمتعجِّل من الظهر إلىغروب الشمس.

ورمي كل جمرة هنا يكون بسبع حصيات وبالكيفية السابقة في رمي جمرة العقبة.

فجميع الحصيات إحدى وعشرون حصاة في كل يوم من أيام التشريق.

ويُستحَبُّ لك بعد رمي الجمرة الأولى أن تقف عندها بأن تتقدم أمامها جاعلًا منها خلف ظهرك ثم تقف مستقبلًا الكعبة حامدًا لله تعالى مُكبِّرًا مُهلِّلًا مُصلِّيًا على النبي صلى الله عليه وسلم داعيًا بما تحب، ويكون وقوفك هذا بمقدار قراءة سورة البقرة للمُسرِع، وكذا يقف بعد رمي الجمرة الثانية في بطن الوادي جاعلًا الثانية إلى يمينك مستقبلًا داعيًا، وأما الثالثة فتنصرف بعد رميها.

والأفضل المشي عند الرمي في عيد يوم النحر.

واعلم أن المبيت بمِنى لياليَ التشريق مختلف فيه بين العلماء، وأنه حتى على قول الجمهور من العلماء بأن المبيت بمِنى واجب، فإنهم يرخصون لِمَن كان ذا عذرٍ شرعي بترك المبيت ولا إثم عليه حينئذٍ ولا كراهة، ولا يلزمه شيء أيضًا، ولا شك أن الخوف من الأمراض والأوبئة من جملة الأعذار الشرعية المَرْعية.

العمرة:
إذا كنت محرمًا أولًا بالحج والعمرة، أو بالعمرة، وأحرمت بالحج بعدها وأتممت عملها كما أرشدناك، فقد أديت النُّسكَين "الحج والعمرة".

وأما إذا كان إحرامك أولًا بالحج وحده (بأن كنت "مفردًا" كما هو الأفضل خصوصًا لمن ضاق وقفه) وقد فرغت من جميع أعماله؛ فيُطلب منك على سبيل السنة المؤكدة أن تأتي بالعمرة بعد الحج إن لم تكن قد اعتمرت قبل أشهر الحج، وهي: إحرام، وطواف، وسعي كما تقدم، وبعد ذلك يكون التحلُّل منها بالحلق أو التقصير.

ميقات العمرة:
ويصح الإحرام بالعمرة في كل وقت من أوقات السنة لغير المحرم بالحج أو بعمرة أخرى.

ولا يصح الإحرام بعمرة جديدة حتى تفرغ من أعمال حجِّك أو عمرتك السابقة، ويكره تكرارها في العام الواحد، ويكون الإحرام بها من الحل -وهو ما عدا الحرم كما تقدم-.

والمُستحب أن يكون الإحرام بها من ميقاتك كما تقدم، وأعمالها من الإحرام والتلبية والطواف والسعي كأعمال الحج.

وقد روى الترمذي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ))، وفي التيسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ))؛ [أخرجه النسائي].

طواف الوداع:
متى قضيت جميع الأعمال المطلوبة تلك على ما أرشدناك إليه، فأَكْثِر من طواف التطوع مدة إقامتك بمكة، ومن مشاهدة البيت، ومن الذكر والدعاء، ودخول الكعبة مستحب، وكذلك الصلاة فيها.

ويُكره الصعود فوق ظهر الكعبة.

الخروج من مكة:
فإذا أردت الخروج من مكة فيُستحب لك أن تطوف بالبيت ليكون ذلك آخر عهدك به، ولا تنس أن تأتي الملتزم وتدعو عنده، وأن تصلي ركعتي الطواف حسب ما شرحناه لك، غير أنك لا تسرع في الأشواط الثلاثة الأولى؛ كطواف الإفاضة إذا سبقه قدوم، وأما إذا لم يسبقه قدوم فإنه يرمل فيه.

ويُكرَه أن ترجع بظهرك عند الخروج من المسجد الحرام؛ لأنه من بدع الأعاجم لا من السنة.


والأفضل أن يكون خروجك من مكة من طريق كُدَّى، وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من حج أو عمرة أو غزو يقول: ((لا إلهَ إلَّا اللَّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْك ولَهُ الحمْدُ، وَهُو عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عابِدُونَ ساجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صدقَ اللَّهُ وَعْدهُ، وَنَصَر عَبْده، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وحْدَه))؛ متفقٌ عليه.

ثم ينبغي لك أن تشد الرحال إلى مسجد المدينة، وتتمتَّع بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، إن لم تكن قمت بالزيارة أولًا.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.


[1] منها:
1– حدوث مانع يمنع من إتمام الحج والعمرة؛ كمرض أو عَدُوٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾ [البقرة: 196].
2– التمتع بالتحلُّل من إحرام العمرة لاستئناف إحرام آخر للحج عند الخُروج إلى عرفة، وهذا النوع من الهدي يُجيز الإمام مالك نحره بغير مكة كالفدية.
3– الهَدْي الواقع جزاءً للصيد في الحرم، ولا يجوز فِعْلُه بغير الحرم، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ﴾ [المائدة: 95].

[2] ما يصح في الضحية؛ وأَقَلُّه سنة إن كان من الغنم، وثلاث سنين إن كان من البقر، وخمس إن كان من الإبل.

[3] لأن العذاب قد نزل بأصحاب الفيل في هذا الوادي (بطن محسِّر)، كما قِيل، ورده الشيخ الصاوي وقال: هو خلاف التحقيق.

[4] يظهر لك أن هناك رأيين فى مسمى الجمرة، فمن اعتبر البناء مع اختلاف مسماها وأنها البناء وما تحته، وقال الآخر: إذا وقعت الحصاة في شق البناء ولم تصل إلى الأرض، وأما من قصر الجمرة على ما تحت البناء وهو مجتمع الحصا؛ فإنه يقول بضرورة سقوط الحصاة فى مجمع الحصا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.26 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]