وما أجمل أن نذكّر هنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكَّل»([3]) فلا عُذْرَ لمهملٍ، أو مفرط، أو مسيء، أو مفسد، أو جاهل:
{وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36] إذ لا عُذْرَ لهم.
أما مصيبةُ الموت فلا مجال للحذر منها، ولا محيص عنها، فهي مرتبطةٌ بانقضاء الأجل. وخلاصة ما يُطالب به المؤمنُ المسلم أن يَستقيم دائماً، فإذا جاءته المنيةُ فجأة ذهبَ إلى الله راضياً مرضياً:
{وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] والله تعالى يخاطبه فيقول له:
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27-30]
ولله درُّ مضن قال:
هو الموتُ لم ينْج منه امرؤ ولو أنه في بروجٍ تُشَيَّديموتُ الصَّغيرُ كما أنه
يموتُ الكبير فهل من مخلد؟!وما المرءُ إلا رهينُ الردى
فسبحانَ الذي بالبقاء تفرَّدمصابُكَ إن شئتَ تخفيفَهُ
ففكّر بموتِ النبيِّ مُحمَّدومن قال:
إنَّ الطبيبَ له في الطبِّ معرفةٌ
مادام في أجلِ الإنسان تأخيرُحتى إذا ما انقضتْ أيامُ مُدَّته
حارَ الطبيبُ وخانَتْهُ العَقَاقِيرُوقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نطلبَ السلامة، وأن لا ندعوَ بشر أو سوء، خشية أن تُصيب ساعة إجابة، فيستجاب لنا، فنخيب، ونندم، فخيرُ الناس مَن طال عمره، وحَسُن عمله.
والحياةُ فرصةٌ لعملٍ صالح، فلنغتنم كلَّ لحظة فيها بالعمل الصالح، يرضي الله تعالى، فنسعد في دنيانا وأخرانا، والليل والنهار فرصةٌ لمن أراد أن يذكَّر أو أراد شكوراً:
يا نفسُ إني قائلٌ فاستمعي
مقالةً من مرشدٍ ناصحما صاحبَ الإنسان في قبره
غيرُ التقى والعمل الصالحوفي القرآن الكريم أدلَّةٌ كثيرة على حرية التصرف، ونسبة العمل من خير أو شر إلى العبد نفسه، مختاراً دون إكراه:
{وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27]
قال تعالى:
{فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} [المزمل: 19]
{فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً} [النبأ: 39]
{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]
{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37]
{كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} [المدثر: 54-55]
{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} [النحل: 30]
وفي الفاتحة:
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]
ولم يقل: – ولا المضلَّلين – فهم قد ضلُّوا مختارين، ولذا جاءتْ بصيغة اسم الفاعل لا المفعول.
ويظهرُ لك ذلك جليًّا في موقف المشركين واعتذارهم يوم الدِّين، حين يُظهر الحق، ويعلن، وتلزمهم الحجة فيندمون حيث لا ينفع الندم، ويتمنون العودة إلى الدنيا من جديد ليصلحوا حالهم، ويستدركوا أمرهم، ولكنهم لا يُجابون؛ لأنهم كاذبون، مصرُّون على الضلال والكفر باختيارهم، ولو ردّوا إلى الدنيا لعادوا لما نُهُوا عنه من كفر وضلال، ففي سورة الأنعام [27 و 28]:
{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}
وفي سورة المؤمنون [99-100]:
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}
ويستعتبون بعد أن ينفخ في الصور ويدخلوا جهنم:
{أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [105]
فيعترفون بضلالهم، وأنهم ضلّوا باختيارهم:
{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ} [106]
ويطلبون الرحمة، وأن يعطوا فرصة أخرى لعلهم يهتدون:
{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون} [107]
فيقرّعون، ويذكّرون باستهزائهم بأهل الحق في الدنيا، والضحك منهم، والإساءة إليهم بإصرار وعناد:
{قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 108-110]
فالعقابُ عادلٌ، جاء جزاءً وفاقاً لما جنتْ أيديهم، واقترفوا من إثم.
ولعل هذه العدالة الإلهية الكاملة تتضحُ لنا في سورة العنكبوت الآية [40] حيث ذكرَ اللهُ تعالى أنواعَ العقاب في الدنيا قبل الآخرة لمن ظلم وكفر، مبيِّناً أنَّ ذلك العقابَ إنما نزلَ بهم لظلمهم:
{فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} – أي: كقوم لوط -:
{وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} – أي: كأهل مدين -:
{وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ} – أي: كقارون وأمثاله -:
{وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا} – أي: كقوم نوح الكافرين وفرعون وأعوانه -:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
وآيات سورة سبأ [15-17] تدعم هذا المعنى بوضوح:
{لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور}
فالعقابُ الذي نزل بهم هو عقابٌ عادلٌ بسبب كفرهم بأنهم الله، وإعراضهم عن أوامره.
وفي سورة النبأ الآيات [21-30]:
{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً}
وجملتا: {إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابا}
جملتان تعليليتان، تبينان سببَ ما نزلَ بأهل جهنم من عقاب، وما قُدِّم لهم من شراب.
أَمَّا حديث: «إِنَّ أحدكم ليجمعُ خَلْقُهُ في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسلُ إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بأربع كلمات: أجله، وعمله، ورزقه، وشقي أو سعيد»([4]).
فالذي يتضحُ لي أن الرواية الرَّاجحة قالت: «ويُؤمر بأربع كلمات» ولم تقلْ: ويكتب، مما يدلُّ على أنَّ الملك ينفخُ الروح، ويرافق الإنسانَ ليكتب تلك الأربع بعد وقوعها لا قبله، كما يظن الكثيرون.
ذلك أنَّ الأوامرَ والنَّواهي في القرآن الكريم، والسُّـنَّة الشريفة، لن يكون منها أيَّة فائدة إذا كانت تلك الأربع مفروضة قسراً وجبراً على الإنسان – باستثناء الأجل – ولو كان الأمرُ كذلك لاحتجَّ الكسولُ لكسله، والمتخاذل لتخاذله، والظالم لظلمه، والمفسد لفساده؛ بالقضاء والقدر. ولأُهملت الفروض والواجبات، وانتشرت المفاسدُ والموبقات بحجّة أَن الإنسان ريشةٌ في مهبِّ الرياح، قد فُرِض عليه قولُه وعملُه من الأزل، ولا يملك له تغييراً.
والأدلة القرآنية، والأحاديث الصحيحة، تدعمُ وتؤيد أَنَّ ذلك يُكتب على الإِنسان بعد أن يفعله لا قبله، ولعل أهمّها مايلي.
آية آل عمران [181]:
{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}
ولم يقل: (كتبنا) – في الماضي – بل قال ]سَنَكْتُبُ [ – في المستقبل –.
وفي سورة التوبة [120]:
{وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} أي: كتب ذلك بعد ما فعلوه، وهذا ما تقتضيه قواعدُ اللغة العربية.
وفي سورة يونس [21]:
{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} بصيغة المضارع.
وفي سورة الأنبياء [94]:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}
أي: باستمرار إلى أن يموت.
وفي سورة يس [12]:
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}
وفي سورة الزخرف [19]:
{سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ}
وفي سورة الزخرف [80]:
{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}
بصيغة المضارع المفيد للحاضر والمستقبل.
وفي سورة ق [18]:
{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}
أي: يرافقه ملك يكتبُ عنه كلَّ شيء.
وفي سورة الانفطار [10-12]:
{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}
فهذه الآياتُ الكريمةُ واضحةُ الدلالة على أنَّ الملائكة تكتب أقوال وأفعال العباد بعد وقوعها لا قبله، مما يوافق ويؤكِّد عدل الله تعالى المطلق الكامل:
{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: 49]
([3]) رواه الترمذي وابن حبان.
المصدر : كتاب القضاء والقدر حق وعدل، للدكتور هشام عبد الرزاق الحمصي رحمه الله تعالى
منقول