عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-05-2023, 12:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,238
الدولة : Egypt
افتراضي رد: النصر والهزيمة بين العوامل الذاتية والعوامل الغيبية



﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45]، واستعينوا لتحقيق الثبات في أنفسكم ومواقفكم، والنصر على عدوكم بالإكثار من ذكر الله، واستحضار معيته لسانًا وجنانًا[8] في مفاصل القتال، وقبل المعركة وأثناءها وبعدها؛ كي تفلحوا وتحققوا ما نهضتم له من طلب النصر، وإقامة الشهادة، وتثبيت أمر الإسلام على الأرض.

ثم أمرهم الحق تعالى بأهم ما ينبغي أن يتصف به الجندي الصادق؛ وهو الطاعة؛ فقال عز وجل: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [الأنفال: 46]، أطيعوا الله بإطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغكموه من أحكام الشريعة؛ قرآنًا وسُنَّة، وتوجيهًا ونصحًا، وما يأمركم به في ميدان الجهاد والبذل والفداء؛ إذ طاعة الجندي لقيادته العقدية والسياسية والعسكرية أوجب الواجبات، وعصيانها أو مخالفتها مقدمة للوهن، ودليل على الجبن وهشاشة الصف، وسبب للهزيمة؛ لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول عن أمراء البعثات العسكرية والدعوية كلما ابتعثهم: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني))، وكان القرآن الكريم يشجب في سياقات كثيرة صريح العصيان، كما يحذر من نفاق الطاعة بإظهار الموافقة وإسرار المخالفة؛ قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ [محمد: 20، 21]، وقال: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81]، ولعل أشد ما أصاب المسلمين وأوله ما كان يوم أحد؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرماة: ((انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبتوا في مكانكم، لا نُؤتينَّ من قِبَلِكم))، وأكد الأمر ثانية بقوله: ((احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقتَل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا))، فلم يمتثلوا لأمره صلى الله عليه وسلم، وكانت الهزيمة التي مُنُوا بها؛ لقلة صبرهم على لزوم الطاعة أمام إغراء الغنائم، والعدو منهزم عنها، فلما رأى العدو اختلال صفهم، وانشغالهم عن حماية ظهر زملائهم في المعركة بالغنائم، جمع أمره والتف حولهم؛ فكانت الهزيمة.

ثم حذرهم سبحانه من أخطر آفة تصيب الصف المسلم في حالتي السِّلم والحرب بعد العصيان؛ فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا ﴾ [الأنفال: 46]، باختلاف الآراء والأهواء، وتضارب الأهداف، أو باختلاق أسباب النزاع والخصومة، أو إذكائها، أو توسيع دائرتها؛ إذ التنازع والجَلَبَة والخلاف داخل الجيش الواحد دليل على تنافر الجنود، ورخاوة صفهم، وعدم وضوح هدفهم، وضعف ولائهم لمن يقاتلون تحت رايته؛ ﴿ فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46]، فتكون عاقبة أمركم فشل جهودكم في كل ما تصديتم له؛ جهادًا حربيًّا، أو علميًّا، أو اقتصاديًّا، أو بناء لمجد الأمة ودولتها، قيل لأكثم بن صيفي: "صِف لنا العمل في الحرب"، فقال: "أقِلُّوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختُلف عليه، واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، فتثبَّتوا؛ فإن أحزم الفريقين الركين"[9]، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل، وقد سمعت منازعة أصحابها وكثرة صياحهم: "المنازعة في الحرب خور، والصياح فيها فشل، وما برأيي خرجت مع هؤلاء".

لذلك ولمثل هذه المواقف وغيرها؛ عقَّب الحق تعالى - وهو أعلم بما يكون ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا - كأنه يحذر مما سيرتكب يوم أُحُد قبل وقوعه؛ بقوله عز وجل: ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46]؛ لأن الصبر صبران كما قال الإمام علي كرم الله وجهه: "صبر على ما تكره، وصبر على ما تحب"، صبر على ألمِ ما يضرك؛ حتى يجعل الله لك منه نجاة وسلامة، وصبر على إغراء الفاحشة؛ مالًا أو شهوة - والعصيان من أبغض الفاحشة – فلا تقترفها لتفوز؛ قال عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200].

ثم حذرهم تعالى من التأثر بأخلاق أعدائهم الذين خرجوا للعدوان عليهم في بدر، منتفشين كبرًا وتعاليًا؛ فقال عز وجل: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ [الأنفال: 47]؛ وهم مشركو مكة إذ خرجوا منها إلى بدر، ﴿ بَطَرًا ﴾ [الأنفال: 47]؛ استعلاء وتفاخرًا، واعتزازًا وفرحًا بما لديهم من القوة والمال، ﴿ وَرِئَاءَ النَّاسِ ﴾ [الأنفال: 47]، ومراءاة للعرب بما لديهم من المنزلة والجاه، حتى إنهم لما بلغوا الجحفة في خروجهم لحماية عير تجارتهم، وأتاهم رسول أبي سفيان، يقول لهم: ارجعوا فقد سلِمت عيركم، قال أبو جهل: "والله لا نرجع حتى نرِد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القِيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا".

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [الأنفال: 47]، ويصرفون الناس عن الإيمان بالله ورسوله، ويبغون لهم الشرك والكفر والضلال، مُغْفِلين أن الله تعالى محيطٌ بهم، يعلم سرهم ونجواهم، وخفيَّ أعمالهم؛ مكرًا وكيدًا وصرفًا عن الإيمان.

﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [الأنفال: 48]، واذكروا حين زيَّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، فرأوها حسنة ومدعاة للفخر، وازدادوا بطرًا وبعدًا عن الهداية؛ كما في قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [فاطر: 8]، وإذ ألقى الشيطان في أمنياتهم أنهم الغالبون من دون الناس جميعًا، ﴿ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [الأنفال: 48]، فازدادوا غرورًا وضلالة وبعدًا عن الحق، ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ﴾ [الأنفال: 48]، أُجيركم وأُدافع عنكم، وأحميكم من أعدائكم، ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ ﴾ [الأنفال: 48]، فلما التحم الجيشان؛ جيش المسلمين، وجيش المشركين في المعركة، ورأى إبليس نزول الملائكة، وبوادر نصر المسلمين، ﴿ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ [الأنفال: 48]، تولى الشيطان مدبرًا مذعورًا، فارًّا وخائفًا من عاقبة أمره في حال هزيمة المشركين، وهو في صفهم، ﴿ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ﴾ [الأنفال: 48]، قال للمشركين وهو يفر مرعوبًا متبرئًا منهم: ﴿ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ﴾ [الأنفال: 48]، أرى الملائكة من حيث لا ترونهم، ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 48]، إني أخشى أن يعذبني الله بهم عذابًا شديدًا، إذا استفردوا بي عقب انهزامكم.

ثم ذكَّرهم الحق سبحانه للعظة والاعتبار والحذر مما أخذ ينشأ حولهم من النفاق في المدينة؛ فقال عز وجل: ﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ﴾ [الأنفال: 49]، وهم القلة التي أسلمت على رِيبة وتردد، أو طمع ودخيلة شك وضعف، أو استبد بهم الجبن وعصفت بهم الوساوس والظنون، فلم يصف إيمانهم، وزلزلت الشبهات تصورهم الإيماني، فكشفت المعركة دخيلتهم، وعللوا إقدام الصادقين واستبسالهم بما اغتروا به من وعود النصر والتمكين في الدنيا، ونعيم الجنة في الآخرة.

ولئن رُويَ عن مجاهد وابن جريج وابن إسحاق ومعمر أن المنافقين الذين أشارت لهم الآية الكريمة كانوا حينئذٍ فئة من قريش؛ منهم قيس بن الوليد بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن عبدالمطلب، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا في جيش قريش من مكة، فلما رأوا استبسال المسلمين على قلَّتِهم، قالوا: "غر هؤلاء دينهم"، فإن ابن عباس رضي الله عنه ذهب إلى أنهم كانوا في جيش المسلمين بقوله: "هم يومئذٍ في المسلمين"، فإن صح ما قاله ابن عباس - وإن لم تبين لنا الآية أسماءهم - كانوا هم البذرة الخبيثة الأولى لنشأة النفاق في المدينة، وحذر من شرها الحق تعالى بقوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ * وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 101، 102]، وهم الطابور الذي نما وترعرع حتى ذرَّ قرنه، وبلغ عدده ثلث جيش المسلمين، وتولى يوم أُحُد؛ ونزل بذكرهم قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 167، 168].

ولذلك عقَّب الوحي الكريم على تعجب المنافقين من استبسال الصادقين بتوضيح الجانب الغيبي للنصر، والخلفية العقدية والنفسية للإقدام والشجاعة؛ فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 49]؛ أي: ومن يثق بالله ويتوكل عليه في جميع أمره، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ [الأنفال: 49]، قاهر لا يُغالَب، قوي لا يعجزه شيء، جبار ذلت له الخلائق، وخشعت له السماوات والأرض، منه تمام النصر لأوليائه، والهزيمة لأعدائه، لا يذِل من استجار به، ولا يرضى لعباده المعتزين به والمتوكلين عليه، إلا النصر والتمكين، أو الشهادة والجنة، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 49] في أفعاله وتصريفه لمصائر عباده وجميع خلقه؛ إنشاء وتسخيرًا ومآلًا، بحكمته يقرر النصر لمن توكل عليه حالًا ومكانًا وميقاتًا، حكمته خلف كل تدبير أو تقرير أو تغيير، وجنوده الصادقون إذا عزموا أجرى على يدهم بحكمته ما تعجز العقول عن فهمه، والإرادات عن إنجازه.

وبعد أن نقل لنا الوحي الكريم حال المؤمنين وهم يصولون ويجولون في ميادين الجهاد، وحال المنافقين وقد غابت عنهم خلفية الإيمان الذي يملأ القلوب ثقةً بالنصر، والتوكل الذي يكسب الشجاعة على مقارعة الرجال، وعَمُوا عن آثار القدرة الإلهية عزة وحكمة، يحيلنا عز وجل على مشهد آخر شديد القتامة والرعب من حال المشركين في أشد لحظات موتهم، مغضوبًا عليهم يائسين من رحمة الله؛ بقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ ﴾ [الأنفال: 50]؛ أي: ولو ترى يا محمد عاقبة أمر هؤلاء المشركين وأولئك المنافقين عند موتهم، لرأيت مشهدًا رهيبًا مفزعًا حين تنتزع الملائكة أرواحهم من أبدانهم، ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ﴾ [الأنفال: 50]، والملائكة يضربون وجوههم، وما أقبل من أبدانهم ضربَ تعذيب وإهانة؛ لأن أكرم وأمنع ما في المرء وجهه وما أقبل من جسده، ﴿ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ [الأنفال: 50]، ويضربون أدبارهم ضرب إهانة وإذلال؛ لأن أذل ما في المرء دبره، ﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الأنفال: 50]، ويقولون لهم تشفيًا ونكاية وسخرية بهم إذ يلقونهم في جهنم: تذوقوا طعم الاحتراق؛ كما في قوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ [الدخان: 49].

ويختم الحق تعالى هذا المشهد الرهيب بذكر دقة عدالته، ومنجز وعيده؛ فيقول: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [الأنفال: 51]، ذلك العذاب عند انتزاع أرواح الكفار من أجسادهم، والحريق في جهنم بعده جزاء عادل موافق لِما ارتكبوه في الدنيا من الآثام؛ قال عز وجل: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ [النبأ: 21 - 26]، ولأن الله تعالى عادل لا يُظلَم لديه أحد من عباده، وقد حرم الظلم على نفسه؛ فقال فيما رواه البخاري ومسلم: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا)).

لقد كانت مسيرة مشركي قريش في عتوِّهم وعدوانيتهم وإصرارهم على الكفر، وحرصهم على استئصال دعوة الإسلام؛ نبيها وقرآنها والمؤمنين بها - نموذجًا بئيسًا لمصير كل متكبر جبار؛ ولذلك شبَّه مسيرتهم بما سار عليه فرعون وآله؛ فقال: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [الأنفال: 52]، والدأب لغة: العادة والملازمة، ومنه يُقال لليل والنهار: "الدائبان"، فإن واظب المرء على شيء قيل: دأب عليه، وقوله تعالى: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ [الأنفال: 52]؛أي: إن مشركي قريش دأبوا على الشرك والعدوان مثل الذي دأب عليه فرعون وآله، ﴿ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 52]، ودأب عليه كذلك من كان قبلهم من الكفار ممن ذكرهم الحق تعالى في سياقات قرآنية كثيرة؛ كقوله عز وجل: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ [ص: 12 - 14]، فعاقبهم الله سابقين ولاحقين بما دأبوا على اقترافه، بعضهم أُخِذ بالطوفان، وبعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالمسخ، وبعضهم رُجموا بالحجارة، وأُخذ كفار مكة بالقتل والأسر، وذل الهزيمة في بدر، ﴿ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ [الأنفال: 52] استحقاقًا وعدلًا، ﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ ﴾ [الأنفال: 52]، قادر قويٌّ لا يُغالَب، ليس كمثل قوته شيء، ﴿ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 52]، عقوبته لمن يستحقها شديدة لا تندفع؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ﴾ [الطور: 7، 8]، هذا مآل من يدأبون على الكفر والعصيان، من سبق منهم ومن لحق، عذاب باستلال أرواحهم عند الموت، وعند إلقائهم في جهنم، يقابله مآل أهل الإيمان والإحسان الذين تتوفاهم الملائكة طيبين؛ ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 32].

[1] الشَّمْلة بفتح وسكون: كساء له خمل يتوشح فيلتفُّ بالجسم كله.
[2] عبدالمطلِب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي جد الرسول صلى الله عليه وسلم.
[3] المطلب بن عبدمناف بن قصي عم عبدالمطلب بن هاشم الذي أتى به من عند أخواله بني النجار من يثرب.
[4] حديث جبير بن مطعم: ((لما كان يوم خيبر قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فأتيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله، أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم؛ لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟ فقال: إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبَّك أصابعه))؛ [رواه أحمد والبخاري]، وعندما حاصرت قريش بني هاشم في الشعب، ومنعوا تزويجهم ومبايعتهم، دخل بنو المطلب مع بني هاشم في الشعب؛ غضبًا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وحماية له، دخل مسلمهم في الشعب طاعةً لله ولرسولِه، ودخله كافرهم حميةً للعشيرة، وأنفةً وطاعةً لأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تدخل بنو نوفل ولا بنو عبدشمس بل حاربوهم ونابذوهم، وقلَّبوا بطون قريش على حرب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين.
[5] الركاز هو المال المدفون لا يُعرَف مالكه، أو المدفون في الجاهلية.
[6] بلغت بيعات المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم على الإيمان والنصرة ستًّا؛ هي: بيعتا العقبة الأولى والثانية في مشعر مِنًى، وبيعة الرضوان في الحديبية، وبيعتا فتح مكة؛ أولاهما للرجال، وثانيتهما للنساء، وبيعة خاصة بعالم الجن في مسجد الجن القريب من مقابر جنة المعلاة.
[7] ما تليق: ما تُبْقِي.
[8] الجَنان: القلب
[9] ركين: رزين شديد.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.26 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.63 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.15%)]