عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 20-03-2023, 09:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,557
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (6)
سُورَةُ الْمَائِدَةِ
من صــ 235 الى صــ 242
الحلقة (292)




[ ص: 235 ] الرابعة عشرة : ما يجزى من الصيد شيئان : دواب وطير ; فيجزى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ، ففي النعامة بدنة ، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة ، وفي الظبي شاة ; وبه قال الشافعي ، وأقل ما يجزي عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية ; وذلك كالجذع من الضأن والثني مما سواه ، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام ، وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة ; فإن في الحمامة منه شاة اتباعا للسلف في ذلك ، والدبسي والفواخت والقمري وذوات الأطواق كله حمام ، وحكى ابن عبد الحكم عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة ; قال : وكذلك حمام الحرم ; قال : وفي حمام الحل حكومة ، وقال أبو حنيفة : إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخلقة ، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه ، أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله ; فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء ، أو يشتري بها طعاما ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوم المثل كما في المتلفات يقوم المثل ، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشيء ; فإن المثل هو الأصل في الوجوب ; وهذا بين وعليه تخرج قراءة الإضافة " فجزاء مثل " . احتج أبو حنيفة فقال : لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبرا ، في النعامة بدنة ، وفي الحمار بقرة ، وفي الظبي شاة ، لما أوقفه على عدلين يحكمان به ; لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر ; وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه ، ويضطرب وجه النظر عليه . ودليلنا عليه قول الله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم الآية . فالمثل يقتضي بظاهرة المثل الخلقي الصوري دون المعنى ، ثم قال : من النعم فبين جنس المثل ; ثم قال : يحكم به ذوا عدل منكم وهذا ضمير راجع إلى مثل من النعم ; لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه ; ثم قال : هديا بالغ الكعبة والذي يتصور فيه الهدي مثل المقتول من النعم ، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا ، ولا جرى لها ذكر في نفس الآية ; فصح ما ذكرناه ، والحمد لله ، وقولهم : لو كان الشبه معتبرا لما أوقفه على عدلين ; فالجواب أن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من صغر وكبر ، وما لا جنس له مما له جنس ، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص .

الخامسة عشرة : من أحرم من مكة فأغلق باب بيته على فراخ حمام فماتت فعليه في كل فرخ شاة . قال مالك : وفي صغار الصيد مثل ما في كباره ; وهو قول عطاء ، ولا يفدى عند مالك شيء بعناق ولا جفرة ; قال مالك : وذلك مثل الدية ; الصغير والكبير فيها سواء ، وفي الضب [ ص: 236 ] عنده واليربوع قيمتهما طعاما ، ومن أهل المدينة من يخالفه في صغار الصيد ، وفي اعتبار الجذع والثني ، ويقول بقول عمر : في الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة ; رواه مالك موقوفا ، وروى أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في الضبع إذا أصابه المحرم كبش وفي الظبي شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة قال : والجفرة التي قد ارتعت ، وفي طريق آخر قلت لأبي الزبير : وما الجفرة ؟ قال : التي قد فطمت ورعت . خرجه الدارقطني ، وقال الشافعي : في النعامة بدنة ، وفي فرخها فصيل ، وفي حمار الوحش بقرة ، وفي سخله عجل ; لأن الله تعالى حكم بالمثلية في الخلقة ، والصغر والكبر متفاوتان فيجب اعتبار الصغير فيه والكبير كسائر المتلفات . قال ابن العربي : وهذا صحيح وهو اختيار علمائنا ; قالوا : ولو كان الصيد أعورا أو أعرجا أو كسيرا لكان المثل على صفته لتتحقق المثلية ، فلا يلزم المتلف فوق ما أتلف ، ودليلنا قوله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم ولم يفصل بين صغير وكبير ، وقوله : هديا يقتضي ما يتناوله اسم الهدي لحق الإطلاق ، وذلك يقتضي الهدي التام ، والله أعلم .

السادسة عشرة : في بيض النعامة عشر ثمن البدنة عند مالك ، وفي بيض الحمامة المكية عنده عشر ثمن الشاة . قال ابن القاسم : وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر ; فإن استهل فعليه الجزاء كاملا كجزاء الكبير من ذلك الطير . قال ابن المواز : بحكومة عدلين ، وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر القيمة . روى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه ; خرجه الدارقطني ، وروي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : في كل بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين .

السابعة عشرة : وأما ما لا مثل له كالعصافير والفيلة فقيمة لحمه أو عدله من الطعام ، دون ما يراد له من الأغراض ; لأن المراعى فيما له مثل وجوب مثله ، فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره ، ولأن الناس قائلان - أي : على مذهبين - معتبر للقيمة في جميع الصيد ; ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم ; فقد تضمن ذلك الإجماع على اعتبار القيمة فيما لا مثل له ، وأما الفيل فقيل : فيه بدنة من الهجان العظام التي لها سنامان ; وهي بيض خراسانية ، فإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاما ، فيكون عليه ذلك ، والعمل فيه أن [ ص: 237 ] يجعل الفيل في مركب ، وينظر إلى منتهى ما ينزل المركب في الماء ، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام حتى ينزل إلى الحد الذي نزل والفيل فيه ، وهذا عدله من الطعام ، وأما أن ينظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه فيكثر الطعام وذلك ضرر .

الثامنة عشرة : قوله تعالى : يحكم به ذوا عدل منكم روى مالك عن عبد الملك بن قريب عن محمد بن سيرين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية ، فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى ؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه : تعال حتى أحكم أنا وأنت ; فحكما عليه بعنز ; فولى الرجل وهو يقول : هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا يحكم معه ، فسمع عمر بن الخطاب قول الرجل فدعاه فسأله ، هل تقرأ سورة " المائدة " ؟ فقال : لا ; قال : هل تعرف الرجل الذي حكم معي ؟ فقال : لا ، فقال عمر رضي الله عنه : لو أخبرتني أنك تقرأ سورة " المائدة " لأوجعتك ضربا ، ثم قال : إن الله سبحانه يقول في كتابه : يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة وهذا عبد الرحمن بن عوف .

التاسعة عشرة : إذا اتفق الحكمان لزم الحكم ; وبه قال الحسن والشافعي ، وإن اختلفا نظر في غيرهما ، وقال محمد بن المواز : لا يأخذ بأرفع من قوليهما ; لأنه عمل بغير تحكيم ، وكذلك لا ينتقل عن المثل الخلقي إذا حكما به إلى الطعام ; لأنه أمر قد لزم ; قاله ابن شعبان ، وقال ابن القاسم : إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من المثل ففعلا ، فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز ، وقال ابن وهب رحمه الله في ( العتبية ) : من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد ، كما خيره الله في أن يخرج هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي ; وما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام ثم خير في أن يطعمه ، أو يصوم مكان كل مد يوما ; وكذلك قال مالك في ( المدونة ) .

الموفية عشرين : ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض ، ولو اجتزأ بحكومة الصحابة رضي الله عنهم فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسنا ، وقد روي عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة لا بد فيه من الحكومة ، ويجتزأ في هذه الأربعة بحكومة من مضى من السلف رضي الله عنهم .

[ ص: 238 ] الحادية والعشرون : لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال الشافعي في أحد قوليه : يكون الجاني أحد الحكمين ; وهذا تسامح منه ; فإن ظاهر الآية يقتضي جانيا وحكمين فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر ، وإفساد للمعنى ; لأن حكم المرء لنفسه لا يجوز ، ولو كان ذلك جائزا لاستغنى بنفسه عن غيره ; لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فزيادة ثان إليه دليل على استئناف الحكم برجلين .

الثانية والعشرون : إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فقال مالك وأبو حنيفة : على كل واحد جزاء كامل . وقال الشافعي : عليهم كلهم كفارة واحدة لقضاء عمر وعبد الرحمن ، وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم فأصابوها ، فوقع في أنفسهم ، فأتوا ابن عمر فذكروا له فقال : عليكم كلكم كبش ; قالوا : أو على كل واحد منا كبش ; قال : إنكم لمعزز بكم ، عليكم كلكم كبش . قال اللغويون : لمعزز بكم أي : لمشدد عليكم ، وروي عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعا قال : عليهم كبش يتخارجونه بينهم ، ودليلنا قول الله سبحانه : ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وهذا خطاب لكل قاتل ، وكل واحد من القاتلين للصيد قاتل نفسا على التمام والكمال ، بدليل قتل الجماعة بالواحد ، ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص ، وقد قلنا بوجوبه إجماعا منا ومنهم ; فثبت ما قلناه .

الثالثة والعشرون : قال أبو حنيفة : إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وكلهم محلون ، عليهم جزاء واحد ، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل والحرم ; فإن ذلك لا يختلف ، وقال مالك : على كل واحد منهم جزاء كامل ، بناء على أن الرجل يكون محرما بدخوله الحرم ، كما يكون محرما بتلبيته بالإحرام ، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي ، فهو هاتك لها في الحالتين . السابعة : وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي قال : السر فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة ، وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه ، وإذا قتل المحلون صيدا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محرمة بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة ; فإن كل واحد منهم قاتل دابة ، ويشتركون في القيمة . قال ابن العربي : وأبو حنيفة أقوى منا ، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا .

الرابعة والعشرون : قوله تعالى : هديا بالغ الكعبة المعنى أنهما إذا حكما بالهدي فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإشعار والتقليد ، ويرسل من الحل إلى مكة ، وينحر ويتصدق به فيها ; لقوله : هديا بالغ الكعبة ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدي لا يبلغها ، إذ هي في [ ص: 239 ] المسجد ، وإنما أراد الحرم ولا خلاف في هذا ، وقال الشافعي : لا يحتاج الهدي إلى الحل بناء على أن الصغير من الهدي يجب في الصغير من الصيد ، فإنه يبتاع في الحرم ويهدى فيه .

الخامسة والعشرون : قوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين الكفارة إنما هي عن الصيد لا عن الهدي . قال ابن وهب قال مالك : أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه ، أنه يقوم الصيد الذي أصاب ، فينظر كم ثمنه من الطعام ، فيطعم لكل مسكين مدا ، أو يصوم مكان كل مد يوما ، وقال ابن القاسم عنه : إن قوم الصيد دراهم ثم قومها طعاما أجزأه ; والصواب الأول ، وقال عبد الله بن عبد الحكم مثله قال عنه : وهو في هذه الثلاثة بالخيار ; أي ذلك فعل أجزأه موسرا كان أو معسرا ، وبه قال عطاء وجمهور الفقهاء ; لأن أو للتخيير قال مالك : كل شيء في كتاب الله في الكفارات كذا أو كذا فصاحبه مخير في ذلك أي ذلك أحب أن يفعل فعل ، وروي عن ابن عباس أنه قال : إذا قتل المحرم ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة ; فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين ، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام ; وإن قتل إيلا أو نحوه فعليه بقرة ، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا ، فإن لم يجد صام عشرين يوما ; وإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة ، فإن لم يجد فإطعام ثلاثين مسكينا ، فإن لم يجد فصيام ثلاثين يوما ، والطعام مد مد لشبعهم . وقال إبراهيم النخعي وحماد بن سلمة ، قالوا : والمعنى أو كفارة طعام إن لم يجد الهدي ، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال : إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه ، فإن وجد جزاءه ذبحه وتصدق به ، وإن لم يكن عنده جزاؤه قوم جزاؤه بدراهم ، ثم قومت الدراهم حنطة ، ثم صام مكان كل نصف صاع يوما ; وقال : إنما أريد بالطعام تبيين أمر الصيام ، فمن لم يجد طعاما ، فإنه يجد جزاءه ، وأسنده أيضا عن السدي ، ويعترض هذا القول بظاهر الآية فإنه ينافره .

السادسة والعشرون : اختلف العلماء في الوقت الذي يعتبر فيه المتلف ; فقال قوم : يوم الإتلاف ، وقال آخرون : يوم القضاء ، وقال آخرون : يلزم المتلف أكثر القيمتين ، من يوم الإتلاف إلى يوم الحكم . قال ابن العربي : واختلف علماؤنا كاختلافهم ، والصحيح أنه تلزمه القيمة يوم الإتلاف ; والدليل على ذلك أن الوجود كان حقا للمتلف عليه ، فإذا أعدمه المتلف لزمه إيجاده بمثله ، وذلك في وقت العدم .

السابعة والعشرون : أما الهدي فلا خلاف أنه لا بد له من مكة ; لقوله تعالى : هديا بالغ الكعبة ، وأما الإطعام فاختلف فيه قول مالك هل يكون بمكة أو بموضع الإصابة ; وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي ، وقال عطاء : ما كان من دم أو طعام فبمكة ويصوم حيث يشاء ; وهو [ ص: 240 ] قول مالك في الصوم ، ولا خلاف فيه . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد بغير الحرم إلا الصيام ، وقال حماد وأبو حنيفة : يكفر بموضع الإصابة مطلقا ، وقال الطبري : يكفر حيث شاء مطلقا ، فأما قول أبي حنيفة فلا وجه له في النظر ، ولا أثر فيه . وأما من قال يصوم حيث شاء ; فلأن الصوم عبادة تختص بالصائم فتكون في كل موضع كصيام سائر الكفارات وغيرها . وأما وجه القول بأن الطعام يكون بمكة ; فلأنه بدل عن الهدي أو نظير له ، والهدي حق لمساكين مكة ، فلذلك يكون بمكة بدله أو نظيره ، وأما من قال إنه يكون بكل موضع ; فاعتبار بكل طعام وفدية ، فإنها تجوز بكل موضع ، والله أعلم .

الثامنة والعشرون : قوله تعالى : أو عدل ذلك صياما العدل والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهما المثل ; قاله الكسائي ، وقال الفراء : عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه ، وبفتح العين مثله من غير جنسه ، ويؤثر هذا القول عن الكسائي ، تقول : عندي عدل دراهمك من الدراهم ، وعندي عدل دراهمك من الثياب ; والصحيح عن الكسائي أنهما لغتان ، وهو قول البصريين ، ولا يصح أن يماثل الصيام الطعام في وجه أقرب من العدد قال مالك : يصوم عن كل مد يوما ، وإن زاد على شهرين أو ثلاثة ; وبه قال الشافعي ، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا : إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فعرف العدد ، ثم يقال : كم من الطعام يشبع هذا العدد ; فإن شاء أخرج ذلك الطعام ، وإن شاء صام عدد أمداده ، وهذا قول حسن احتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة ; فبهذا النظر يكثر الإطعام ، ومن أهل العلم من لا يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين ; قالوا : لأنها أعلى الكفارات ، واختاره ابن العربي ، وقاله أبو حنيفة رحمه الله : يصوم عن كل مدين يوما اعتبارا بفدية الأذى .

التاسعة والعشرون : قوله تعالى : ليذوق وبال أمره الذوق هنا مستعار كقوله تعالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم وقال : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ، وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان ، وهي في هذا كله مستعارة ومنه الحديث ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا . الحديث . والوبال سوء العاقبة ، والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله ، وطعام وبيل إذا كان ثقيلا ; ومنه قوله :

[ ص: 241 ]
فمرت كهاة ذات خيف جلالة عقيلة شيخ كالوبيل يلندد
وعبر بأمره عن جميع حاله .

الموفية ثلاثين : قوله تعالى : عفا الله عما سلف يعني في جاهليتكم من قتلكم الصيد ; قاله عطاء بن أبي رباح وجماعة معه ، وقيل : قبل نزول الكفارة . ومن عاد يعني للمنهي فينتقم الله منه أي : بالكفارة ، وقيل : المعنى فينتقم الله منه يعني في الآخرة إن كان مستحلا ; ويكفر في ظاهر الحكم ، وقال شريح وسعيد بن جبير : يحكم عليه في أول مرة ، فإذا عاد لم يحكم عليه ، وقيل له : اذهب ينتقم الله منك ، أي : ذنبك أعظم من أن يكفر ، كما أن اليمين الفاجرة لا كفارة لها عند أكثر أهل العلم لعظم إثمها ، والمتورعون يتقون النقمة بالتكفير ، وقد روي عن ابن عباس : يملأ ظهره سوطا حتى يموت ، وروي عن زيد بن أبي المعلى : أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز عنه ، ثم عاد فأنزل الله عز وجل نارا من السماء فأحرقته ; وهذه عبرة للأمة وكف للمعتدين عن المعصية .

قوله تعالى : والله عزيز ذو انتقام عزيز أي : منيع في ملكه ، ولا يمتنع عليه ما يريده . ذو انتقام ممن عصاه إن شاء .
قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون

فيه ثلاث عشرة مسألة :

الأولى : قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر هذا حكم بتحليل صيد البحر ، وهو كل ما صيد من حيتانه والصيد هنا يراد به المصيد ، وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب ، وقد مضى القول في البحر في " البقرة " والحمد لله . و ( متاعا ) نصب على المصدر أي : متعتم به متاعا .

الثانية : قوله تعالى : و ( طعامه ) الطعام لفظ مشترك يطلق على كل ما يطعم ، ويطلق على مطعوم خاص كالماء وحده ، والبر وحده ، والتمر وحده ، واللبن وحده ، وقد يطلق على النوم كما تقدم ; وهو هنا عبارة عما قذف به البحر وطفا عليه ; أسند الدارقطني عن ابن عباس في قول الله عز وجل : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة الآية . صيده ما [ ص: 242 ] صيد وطعامه ما لفظ البحر ، وروي عن أبي هريرة مثله ; وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ، وروي عن ابن عباس ميتته وهو في ذلك المعنى ، وروي عنه أنه قال : طعامه ما ملح منه وبقي ; وقاله معه جماعة ، وقال قوم : طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره .

الثالثة : قال أبو حنيفة : لا يؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك ، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه ، وكره الحسن أكل الطافي من السمك . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كرهه ، وروي عنه أيضا أنه كره أكل الجري وروي عنه أكل ذلك كله وهو أصح ; ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن جعفر بن محمد عن علي قال : الجراد والحيتان ذكي ; فعلي مختلف عنه في أكل الطافي من السمك ولم يختلف عن جابر أنه كرهه ، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد ، واحتجوا بعموم قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة ، وبما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق الماء فلا تأكلوه . قال الدارقطني : تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن جابر ، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به . وروى سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ; قال الدارقطني : لم يسنده عن الثوري غير أبي أحمد الزبيري وخالفه وكيع والعدنيان ، وعبد الرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم ; رووه عن الثوري موقوفا وهو الصواب ، وكذلك رواه أيوب السختياني ، وعبيد الله بن عمر وابن جريج ، وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفا قال أبو داود : وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الدارقطني : وروي عن إسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن أبي الزبير مرفوعا ، ولا يصح رفعه ، رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية ووقفه غيره ، وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري في رواية الأشجعي : يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب ، وسائر ما في البحر من الحيوان ، وسواء اصطيد أو وجد ميتا ، واحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر : هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحوت




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.26 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.40%)]