عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 19-03-2023, 08:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,779
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب البيع)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (283)

صـــــ(1) إلى صــ(12)

قال رحمه الله: [أو خياطة الثوب أو تفصيله].
القماش الخام هو الذي يوجد في طاقة القماش ولم يفصل بعد، فعندما يشتري الإنسان هذا النوع من القماش فله أحوال: تارةً يشتري القماش خاماً ولا يطلب تفصيله ولا خياطته، فيشتري -مثلاً- طاقة من القماش، فيقول للبائع: بكم هذه الطاقة؟ يقول: بمائة، قال: اشتريت، حينئذٍ لا إشكال.
لكن هناك صورة أخرى وهي أن يقول له: بكم هذا القماش؟ يقول له: هذا القماش متره بستة ريالات مثلاً، يقول: كم يكفيني من الأمتار؟ قال: ثلاثة أمتار، قال: إذاً أشتري منك ثلاثة أمتار، وبكم تفصلها؟ قال: بعشرين، حينئذٍ يقول: أشتري منك الثلاثة الأمتار، على أن تفصلها لي ثوباً بعشرين، فهذه الصورة التي يَفْصِلُ فيها قيمة الخام من القماش عن قيمة التفصيل فهذه لا إشكال فيها؛ لأن المشتري اشترى ما هو مباح بيعه وهو القماش وحدد المبيع وثمنه، وليس هناك أي إشكال في جواز هذا النوع من البيع، فوقع البيع على ثلاثة أمتار من هذا القماش، فإذا كان المتر بستة ريالات فمعنى ذلك أنه اشترى بثمانية عشر، ثم تعاقد معه إجارةً على التفصيل وذلك بعشرين، فيكون مجموع القيمة ثمانية وثلاثين ريالاً، إذاً: هذان عقدان منفصلان، البيع على حدة والإجارة على حدة.
الحالة الثانية: أن يقول له: بكم هذا الثوب؟ والثوب قد فصل وهو جاهز -كما يوجد الآن عند بعض الخياطين، حيث يُجهَّز الثوب ويكون على المقاس الذي يريده المشتري- بمائة، قال: اشتريت، ولكن بشرط أن تكويه لي، أو يشترط أن يغسله، فيقوم الخيّاط بغسل الثوب وكيّه وإعطائه للمشتري وهذه كلها منافع تختلف أذواق الناس ومقاصد الناس فيها، حتى لو قال له: أشترط أن تضعه لي في ورق، هذا كله من شروط المنافع التي يقصد بها حفظ المبيع أو وجود المنفعة الناشئة عن المبيع، وهذا النوع من الشروط لا بأس به، لكن لو قال له: أشترط عليك أن تخيط الثوب وأن تغسله وتكويه فحينئذٍ أدخل أكثر من شرط في عقد البيع، وهذا سيأتي إن شاء الله في مسألة الشرطين في البيع
‌‌حكم الجمع بين شرطين في البيع
قال رحمه الله: [وإن جمع بين شرطين بطل البيعُ].

أي: وإن جمع المتعاقدان بين شرطين في بيع بطل البيع، وهذه المسألة دليلها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)، وهو حديث حسّنه غير واحد من أهل العلم، والعمل على ما تضمنه من دلالة.
والعلماء رحمهم الله في مسألة الشرطين في البيع عندهم تفصيل وكلام، بعض العلماء يقول: أيُّ بيع اشتمل على شرطين فأنا أبطله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا شرطان في بيع) فنهى عن الشرطين في البيع، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وبعض العلماء فَصَّل: وتوضيح ذلك: أن الشرطين في البيع إما أن يكونا مفضيان إلى الربا، أو مفضيان إلى الغرر، أو يتضمنان محظوراً شرعياً، أو يكون الشرطان لا بأس بهما، ولو أردنا أن نختصر هذه الأحوال نختصرها بنوعين من الشروط نقول: إمّا أن يكون الشرطان متفقين مع الشرع، وإمّا أن يكونا مخالفين للشرع، أي يتضمنان محظوراً شرعياً.
فأما الشرطان اللذان يتفقان مع الشرع فكأن يقول لك: أبيعك هذه السيارة وأشترط عليك أن يكون بيعها مؤجلاً -أقساطاً-، وأشترط عليك كفيلاً غارماً، فاشترط عليك في العقد شرطين: البيع المؤجل وهو لا ينافي الشرع، والشرع أذن به كما أذن بالمعجل ما لم يتضمن غرراً، وكونه يشترط كفيلاً غارماً هذا من مصلحة العقد؛ لأنه إذا عجز المشتري قام الكفيل بالسداد فتمّ البيع، فهذان الشرطان دخلا في العقد على وجه يوافق الشرع وليس هناك أيّ معارضة للشرع، فإذا كانت الشروط موافقةً للشرع فتنقسم أيضاً إلى قسمين: تارةً تكون من مصلحة عقد البيع، كما ذكرنا في تأجيله وأيضاً اشتراطه للكفيل، وتارةً يكون الشرطان لا يخالفان الشرع لكن فيهما منفعة لأحد المتعاقدين، أي: أن يشترط شرطين لمصلحته هو بائعاً أو مشترياً.
ففي الصورة الأولى اشترط شرطين، وصحيح أن فيهما مصلحة للبائع؛ لكن فيهما إمضاء للعقد وحفاظ على إتمامه؛ لأن الكفيل سيسدّد ويمضي العقد، وهذا أضمن للحقوق، وهذا يسمونه من مصلحة العقد، لكن في الصورة الثانية من الشروط التي لا تعارض الشرع أن يكون فيه منفعة للمشتري أو منفعة للبائع -كما ذكرنا- يشتري منه القماش ويقول: أشتري منك هذا القماش بشرط أن تخيطه وتغسله، فحينئذٍ تضمن العقد شرطين مشروعين بأصلهما؛ ولكنهما لمنفعة أحد المتعاقدين.
إذاً: الصورة الأولى جائزة بالإجماع وهذا مثال آخر لها: أن يقول له: أبيعك هذه الأرض، فيقول المشتري: بشرط أن يكون لها صك، وأن يكون إفراغها فوراً، فإنّ الصك لاستيثاق البيع وضمان الحق، وإفراغها فوراً مما يمضي الحق ويمليه، فهذا لا إشكال فيه وهذه شروط مشروعة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء: أنّه لا بأس بهذه الشروط؛ لأنها من مقتضيات العقد أو مما يعين على صحة العقد.
والصورة الثانية من الشروط المشروعة والتي تتضمن منفعة لأحد المتعاقدين -كما ذكرنا- أن يقول له: أشتري منك هذا الحطب بمائة على أن تكسره وتحمله إلى بيتي -هناك في المثال السابق قلنا: تكسره فقط؛ لكن هنا: تكسره، وتحمله إلى بيتي -فأصبح عندنا شرطان، وهذه الصورة وقع فيها الخلاف بين العلماء رحمهم الله.
فقال بعض أهل العلم: هذان الشرطان لا يعارضان الشرع، بل لو زاد شرطاً ثالثاً صح ولا بأس.
واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل) فمنطوق الحديث يدل على بطلان الشروط التي تخالف الشرع، ومفهوم الحديث: أن الشروط لو كانت توافق شرع الله فإنه لا بأس بها وليست بباطلة، وهذا دليلهم الأول.
الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون على شروطهم، أو عند شروطهم) قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين ما تكررت فيه الشروط وبين ما كان شرطاً، وعلى هذا فإن الاشتراط جائز للشرطين كما هو جائز للشرط الواحد.
وأما الذين منعوا، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليه ويقول به طائفة من أهل الحديث واستدلوا بظاهر السنة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ولا شرطان في بيع) أي: لا يحلُّ الشرطان إذا وقعا في بيع، قالوا: فنأخذ بظاهر هذا الحديث، ثم قالوا: لو قلنا: إن الحديث المراد به: شرطان فاسدان -أي: يعارضان الشرع- لما كان للحديث معنى؛ لأن الشرط الواحد المعارض للشرع يبطل البيعن فمن باب أولى إذا كانا شرطين، فيكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للشرطين خالياً من الفائدة.
توضيح ذلك: أنه لو كان مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ولا شرطان في بيع) الشرطان المعارضان للشرع فإن الشرط الواحد منهما محرم فكيف يقول: (شرطان)، إنما يقول: شرط واحد وينّبه على ذلك، لكن كونه يقصد الشرطين يدل على أن الأصل فيهما الجواز ولكنهما حظرا لكونهما يوجبان شيئاً من الغرر أو الفتنة.
مثال ذلك: نذكر المثال الذي ذكره المصنف: إذا اشتريت الحطب على أن يكسره ويحمله إلى بيتك، فقد أصبحت ثلاثة عقود: عقد بيع، وعقدان للإجارة:
الأول: التكسير، والثاني: الحمل إلى البيت.
فأصبح إجارةً بدلاً من كونه عقد بيع؛ لأن الحكم للأغلب فهو بيع وفي حقيقته تغلبه الإجارة، ولذلك قالوا: تداخلت العقود، وحينئذٍ لا نفرق بين كونه مشروعاً أو ممنوعاً، فإذا تضمن البيع شرطين لمنفعة أحد المتعاقدين فإنه لا يجوز، ولا شكّ أن هذا القول أشبه وأقوى من ناحية الدليل وظاهر الدليل أقوى.
وكون أحد المتعاقدين يشترط منفعتين في شرطين لا شك أنه لا يؤمن من دخول الغرر.
وأما الشرطان الممنوعان شرعاً: كأن يشترط شرطين محرمين موجبين للغرر، إذ لو انفرد شرط واحد محرم فإن هذا يقتضي فساد البيع، فكيف وقد اشتمل على شرطين محرمين؟! كأن يقول له مثلاً: أبيعك هذه الأرض على ألا تبيعها لأحد ولا تهبها لأحد، فإن قوله: هذا يعارض شرع الله عز وجل؛ لأن الذي يشتري الشيء من حقه أن يبيعه ويهبه، وقد حرم عليه ما أذن الله له به، فإن من ملك السلعة من حقه أن يبيعها ومن حقه أن يهبها وأن يتصرف فيها بالمعروف أو يقول له: أبيعك هذه السيارة على ألا تركبها، فإن السيارة تُشترى من أجل مصلحة الركوب.
أو يقول له: أبيعك هذه السيارة على ألا تحمل عليها أحداً، أو على ألا تسافر بها إلى جدة أو إلى مكة، فهذه كلها شروط تخالف الأصل الشرعي، فالأصل أنني إذا اشتريت الشيء فأنا حرٌّ فيه أتصرف فيه كيفما أشاء، فما دام أن هذا البائع قد باع ذات الشيء، فكأنه يعارض شرع الله عز وجل بكلا الشرطين، وعلى هذا فهذان الشرطان محرمان بالإجماع، على أنه لو اشترط شرطاً واحداً يخالف مقتضى العقد فهو فاسد، فكيف إذا جمع بين شرطين، فإنه من باب أولى وأحرى
‌‌الأسئلة
‌‌الفرق بين الشروط التي تفسد البيع والتي لا تفسده


‌‌السؤال
متى يكون الشرط لاغياً والبيع صحيحاً؟ ومتى يكون الشرط لاغياً والبيع فاسداً، أثابكم الله؟


‌‌الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالشرط الذي يفسد البيع هو الذي يتضمن غرراً يوجب بطلان البيع، وذلك كبيع الأشياء مشترطة بشروط تدخل الغرر عليها، مثلاً: لو قال: أنا أشتري منك البستان لكن بشرط أن تكون فيه ثمرة السنة القادمة، فأنا لا أضمن، ومسألة الثمرة ليست بيدي، أو اشترى منه الناقة أو الشاة واشترط أن تكون حاملاً السنة القادمة، فالحمل علمه عند الله سبحانه وتعالى، فهذه شروط يسمونها: شروط الغرر، وهي تستلزم فساد العقد كله؛ لأن العقد قام عليها وبني عليها، فكأنه اشترى من أجل هذه المنفعة المقصودة من المبيع، لكن هذه المنفعة المقصودة من البيع تارة تكون واضحة، فيشتري البعير بما فيه، أو الناقة بما فيها، أو البقرة بما فيها، أو الشاة بما فيها؛ لكن أن يشترط أن المزرعة تكون منها ثمرة السنة القادمة، فهذا ليس بوسع أحد، ولذلك ينص العلماء رحمهم الله على بطلان البيع وفساده؛ لأن هذا الشرط يوجب الغرر ولا يمكن أن تتم الصفقة إلا به؛ لأنه مركب عليه؛ لأن نفس الثمرة مقصودة، فلو قلت: نصحح البيع ونلغي الشرط ظلمت المشتري؛ لأن المشتري إنما أشترى من أجل الثمرة.
وأما الشرط الذي يصح معه البيع ويفسد الشرط، فهذا مثل الشرط الذي لا يكون في صلب العقد، أي: ليس بمؤثر في صلب العقد، فلا يتضمن غرراً ولا يتضمن رباً، ولا يئول إلى غرر ولا إلى ربا، فمثلاً: لو اشترط أن يكون الولاء له كما في حديث عائشة رضي الله عنها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قضاء الله أوثق، وشرط الله أحق، إنما الولاء لمن أعتق) فصحح البيع وألغى الشرط، مع أن أهل بريرة باعوها بشرط أن يكون الولاء لهم.
ولذلك لابد من معرفة طبيعة الشرط، فما كان منها مبنياً على الثمرة المقصودة من العقد، فمن الظلم أن نصحح العقد فنلزم المشتري بشيء لم يرده ولم يقصده، وفي هذه الحالة نبطل البيع فنرد الثمن للمشتري ونرد المثمن للبائع إنصافاً ورداً للحقوق إلى أصحابها، والله تعالى أعلم

‌‌حكم الشروط في النكاح

‌‌السؤال
تكلمتم عن الشروط في البيع فهل تجوز الشروط في النكاح، أثابكم الله؟


‌‌الجواب
النكاح تجوز فيه الشروط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) والشروط في النكاح تنقسم كما تنقسم الشروط في البيع، فتارةً تكون مشروعة وتارةً تكون ممنوعة، فالشروط المشروعة هي التي توافق مقتضى العقد، كأن يقول الولي للزوج: زوجتك بنتي بعشرة آلاف حاضرة، قال: قبلت، على أن يكون الزواج هذا الأسبوع، فإن استعجال الزواج يمضي العقد ويوافق مقصود الشرع من إمضاء العقد، أو اشترط أن يدخل على زوجته هذا الأسبوع، ويُمَكَّن منها، قال الولي: قبلت، فيلزم ولي المرأة أن يمكِّن الزوج من زوجته في الوقت الذي اتفقا عليه، فهذا الشرط يوافق مقصود العقد.
كذلك أيضاً لو قال: زوجتُك بنتي بعشرة آلاف.
قال: قبلت، بشرط أن تكون مطيعةً ولا تعصي لي أمراً إلا إذا عصيت الله عز وجل فلا طاعة لي، فإن كون الزوجة مطيعة لزوجها وتحت أمر زوجها هذا موافق لمقصود الشرع، أو أشترط ألَاّ تخرج من بيتها وألا تخرج من بيتي إلا بإذني؛ لأنها قد تخرج لبيع وشراء، وقد تخرج لمصلحة كالتعليم ونحوه؛ لكن قال: أنا أريدها أن تبقى في البيت، مصلحتي أن تبقى في البيت، كأن تكون في بيئة يخشى عليها الحرام أو يخشى عليها أن يؤذيها أحد، فقال: أشترط أن تبقى في البيت، في هذه الحالة هذا الشرط من حقه، وموافق لمقصود الشرع، فإذا نظر وليها أنه لا يُدْخِل الضرر على المرأة قبله، وإذا أدخل الضرر على المرأة قال له: ابحث عن زوجة، بنتي لا تصلح لك؛ لأني أرى أن بنتي لابد لها من الخروج.
هذه الشروط التي تقع في النكاح لمصلحة العقد ومما يوافق مقتضى العقد معتبرةٌ، كأن يقول له: أشترط عليك أن تدفع المهر معجلاً.
قال: قبلت.
فهذا شرطٌ في عقد النكاح، ويجب عليه أن يبر بالشرط ويوفي له.
وأما الشروط التي تخالف الشرع: كأن يدخل فساداً على العقد، كما لو قال: زوجتك بنتي بعشرة آلاف على أن تزوجني أختك بخمسة آلاف، فهذا نكاح شغار، وهذا يوجب بطلان العقد؛ لأنه ينبني عليه الشغار الذي حرمه الشرع وفي هذه الحالة يفسد العقد.
لكن في بعض الأحيان يفسد الشرط ويبقى العقد كما لو قال: زوجتك بنتي بخمر، أي: على أن يعطيه خمراً صداقاً لها، فالخمر محرم، فيُلْغَى المسمى ويجب لها مهر المثل ويمضي العقد؛ لكن الشافعية يخالفون في هذا، ويقولون: إذا فسد المهر فسد العقد.
الشاهد: أن الشروط في النكاح منها ما هو صحيح وشرعي ومنها ما هو غير شرعي، والغير الشرعي منه ما يوجب فساد العقد، ومنه ما لا يوجب فساد العقد، كالبيع سواءً بسواء، ويجب على المسلم أن يتقي الله، خاصةً إذا اشترطت عليه المرأة شروطاً وكان بوسعه أن يوفي بهذه الشروط؛ لأن الشرع أمر بالوفاء بالعقود.
وبعض الأزواج ينتهك حدود الله ويغشى محارم الله بالتلاعب بهذه الشروط، فإن الله سائله، قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} [الإسراء:34]، فإذا أخذ عليك العهد والميثاق وكتب بينك وبينه الكتاب على شرط، فإن الله سائلك عن هذا الشرط حفظت أو ضيعت، ولذلك قال الله تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء:21].
وقد كان السلف إذا زوج الرجل ابنته يقول: أزوجكها على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أزوجها لك لتحملها أمانةً في عنقك على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الشرط والميثاق الذي وصفه الله بأنه غليظ يُسأل عنه الزوج، فكيف بالحقوق؟! إذا اشترطت عليه أن يعجل لها مهرها، أو اشترطت عليه أن يعطيها مؤخر الصداق، فتلاعب بمثل هذه الشروط فالله سائله، ومن خان وضيع فإن الله محاسبه، وقد يبتليه الله بنكبة في نفسه، من بلاء في جسده، وقد يبتليه الله بنكبة في دينه فيسلبه الخشوع في صلاته، وقد يحرمه إجابة الدعوة -والعياذ بالله- لأن الظلم ظلمات؛ ظلمات في الدنيا وظلمات في الآخرة، وقد تفسد على العبد دنياه وآخرته بسبب مظلمة، فإن المظلوم إذا اشتكى إلى الله فإن الله يقول: (وعزتي وجلالي لأنصرنكِ ولو بعد حين) فدعوة المظلوم مستجابة، والظلم في الحقوق والشروط شنيع خاصة ظلم النساء؛ لأن المرأة ضعيفة وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عظم حق المرأة وقال -كما في الصحيح-: (إني أحرِّج حق الضعيفين).
وقد يغتنم الزوج ضعف المرأة وقد يرى أنها أصبحت الآن في بيته بعيدة عن والدها أو توفي والدها، فإن بعض الأزواج يفي بالشروط ما دام والدها حياً، ويخاف من والدها، فإذا توفي والدها لم يبالِ بأي شرط كان ويفعل ما شاء، ولا شك أنه إذا توفي والدها فإن ربها أعظم لها من والدها.
فالله سبحانه وتعالى عظم أمر المرأة، قال صلى الله عليه وسلم: (إني أحرِّج -أي: أعظم الحرج والإثم- حق الضعيفين: المرأة، واليتيم) فجعل المرأة قرينةً لليتيم، وإذا تأملت المرأة وجدتها يتيمة؛ لأنها إذا دخلت بيت الزوجية جاءتها الضغوط النفسية وجاءتها الضغوط من ناحية أولادها، ولا تستطيع أن تحاسب زوجها ولا تستطيع أن تعترض على زوجها، وإذا جاءت تعترض تخاف على حقوقها، وتخاف أن يؤذيها في فراش أو مبيت، ولا تستطيع أن تبوح بكلمة واحدة خوفاً على أولادها، فحالها أشد من اليتيم، فإن اليتيم على الأقل يصرخ ويبدي ما في نفسه من الألم والحزن؛ ولكن المرأة لا تستطيع أن تبوح بما في نفسها.
فإذا كان ولي المرأة قد أخذ العهد والشرط على الزوج أن يعطي شيئاً للمرأة أو يؤخر لها الصداق إلى وقت معين، أو يفي لها بأمور معينة في بيتها أو في أولادها فإن الواجب عليه أن يتقي الله وأن يعلم أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه ومحاسب له، والمظالم إذا كانت بين العبد وربه قد تُغْفَر للعبد في طرفة عين، فهذه امرأةٌ بغي زانية -والعياذ بالله- مرت على كلب فسقته وهو في شدة الظمأ فغفر الله ذنوبها؛ ولكن إذا كان الحق لمخلوق، فلا.
حتى قال بعض العلماء في حديث القبرين: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، -قال في أحدهما-: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة) لأن النميمة إفساد ما بين الناس، فالحق للمخلوق، فلما شفع صلى الله عليه وسلم لَمْ يُرْفع عنه العذاب، انتبهوا! ما رُفِعَ العذاب إلا بقدر أن تيبس الجريدة، ما ملك أن يشفع برفع العذاب بالكلية؛ لأنه حقٌ لمخلوق، وهذا أمر يُعَظِّم حقوق المخلوقين.
ولذلك ينبغي للإنسان أن يتقي الله، خاصةً إذا كان المخلوق من ذوي القرابة؛ لأن ظلم القريب ذي الرحم يشتمل على مظلمتين: الظلم، وقطيعة الرحم، والله تعالى يقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء:1].
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا ويسلم منا، وأن يغفر لنا ويتوب علينا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.94%)]