عرض مشاركة واحدة
  #484  
قديم 19-03-2023, 12:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,412
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الشورى
الحلقة (484)
صــ 291 إلى صــ 300







قوله تعالى: وإذا ما غضبوا هم يغفرون أي: يعفون عمن ظلمهم [ ص: 291 ] طلبا لثواب الله تعالى .

والذين استجابوا لربهم أي: أجابوه فيما دعاهم إليه .

وأمرهم شورى بينهم قال ابن قتيبة : أي: يتشاورون فيه [بينهم] . وقال الزجاج : المعنى أنهم لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه .

قوله تعالى: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون اختلفوا في [هذا] البغي على ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه بغي الكفار على المسلمين . قال عطاء: هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله منهم فانتصروا . وقال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين بمكة، فرقة كانت تؤذى فتعفو عن المشركين، وفرقة كانت تؤذى فتنتصر، فأثنى الله عز وجل عليهم جميعا، فقال في الذين لم ينتصروا: وإذا ما غضبوا هم يغفرون ، وقال في المنتصرين: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون أي: من المشركين . وقال ابن زيد: ذكر المهاجرين، وكانوا صنفين، صنفا عفا، و صنفا انتصر، فقال: "وإذا ما غضبوا هم يغفرون"، فبدأ بهم، وقال في المنتصرين: "والذين إذا أصابهم [ ص: 292 ] البغي هم ينتصرون" أي: من المشركين; وقال: "والذين استجابوا لربهم: إلى قوله: "ينفقون" وهم الأنصار; ثم ذكر الصنف الثالث فقال: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون" من المشركين .

والثاني: أنه بغي المسلمين على المسلمين خاصة .

والثالث: أنه عام في جميع البغاة، سواء كانوا مسلمين أو كافرين .

فصل

واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ، فذهب بعض القائلين بأنها في المشركين إلى أنها منسوخة بآية السيف، فكأنهم يشيرون إلى أنها أثبتت الانتصار بعد بغي المشركين، فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال، دل على أنها منسوخة . وللقائلين بأنها في المسلمين قولان .

أحدهما: أنها منسوخة بقوله: ولمن صبر وغفر [الشورى: 43] فكأنها نبهت على مدح المنتصر، ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح، فبان وجه النسخ .

والثاني: أنها محكمة، لأن الصبر والغفران فضيلة، والانتصار مباح، فعلى هذا تكون محكمة، [وهو الأصح] .

فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية -وظاهرها مدح المنتصر- وبين آيات الحث على العفو؟ فعنه ثلاثة أجوبة .

أحدها: أنه انتصار المسلمين من الكافرين، وتلك رتبة الجهاد كما ذكرنا عن عطاء .

[ ص: 293 ] والثاني: أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له، وإن كان العفو أفضل، ومن لم يخرج من الشرع بفعله، حسن مدحه . قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين، صنف يعفو، فبدأ بذكره، وصنف ينتصر .

والثالث: أنه إذا بغى على المؤمن فاسق، فلأن له اجتراء الفساق عليه، وليس للمؤمن أن يذل نفسه، فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة لتكون العزة لأهل الدين . قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا . وقال القاضي أبو يعلى: هذه الآية محمولة على من تعدى وأصر على ذلك، وآيات العفو محمولة على أن يكون الجاني نادما .

قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها قال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح، إذا قال له كلمة إجابة بمثلها من غير أن يعتدي . وقال مقاتل: هذا في القصاص في الجراحات والدماء .

فمن عفا فلم يقتص وأصلح العمل فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين يعني من بدأ بالظلم . وإنما سمى المجازاة سيئة، لما بينا عند قوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه [البقرة: 194] . قال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم من كان أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا .

ولمن انتصر بعد ظلمه أي: بعد ظلم الظالم إياه; والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول، ونظيره: من دعاء الخير [فصلت: 49] و بسؤال نعجتك [ص: 24]، فأولئك يعني المنتصرين ما عليهم من سبيل أي: من طريق إلى لوم ولا حد، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس أي: يبتدؤون بالظلم ويبغون في الأرض بغير الحق أي: يعملون فيها بالمعاصي .

[ ص: 294 ] قوله تعالى: ولمن صبر فلم ينتصر وغفر إن ذلك الصبر والتجاوز لمن عزم الأمور وقد شرحناه في [آل عمران: 186] .
ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل . وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم . وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل .

قوله تعالى: ومن يضلل الله فما له من ولي أي: من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه .

وترى الظالمين يعني المشركين لما رأوا العذاب في الآخرة يسألون الرجعة إلى الدنيا يقولون هل إلى مرد من سبيل ؟

وتراهم يعرضون عليها أي: على النار خاشعين أي: خاضعين متواضعين من الذل ينظرون من طرف خفي وفيه أربعة أقوال .

أحدها: من طرف ذليل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد . وقال الأخفش: ينظرون من عين ضعيفة . وقال غيره: "من" بمعنى "الباء" .

والثاني: يسارقون النظر، قاله قتادة ، والسدي .

والثالث: ينظرون ببعض العين، قاله أبو عبيدة .

والرابع: أنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم، لأنهم قد حشروا عميا، فلم يروها بأعينهم، حكاه الفراء، والزجاج . وما بعد هذا قد سبق بيانه [الأنعام: 12، هود: 39] إلى قوله: ينصرونهم من دون الله أي: يمنعونهم من عذاب الله .
[ ص: 295 ] استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير . فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور . لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير .

قوله تعالى: استجيبوا لربكم أي: أجيبوه، فقد دعاكم برسوله من قبل أن يأتي يوم وهو يوم القيامة لا مرد له من الله أي: لا يقدر أحد على رده ودفعه ما لكم من ملجإ تلجؤون إليه، وما لكم من نكير قال مجاهد: من ناصر ينصركم . وقال غيره: من قدرة على تغيير ما نزل بكم .

فإن أعرضوا عن الإجابة فما أرسلناك عليهم حفيظا لحفظ أعمالهم إن عليك إلا البلاغ أي: ما عليك إلا أن تبلغهم . وهذا عند المفسرين منسوخ بآية السيف .

قوله تعالى: وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها قال المفسرون: [ ص: 296 ] المراد به: الكافر; والرحمة; الغنى والصحة والمطر ونحو ذلك، والسيئة: المرض والفقر والقحط [ونحو ذلك] . والإنسان هاهنا: اسم جنس، فلذلك قال: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم أي: بما سلف من مخالفتهم فإن الإنسان كفور بما سلف من النعم .

لله ملك السماوات والأرض أي: له التصرف فيها بما يريد، يهب لمن يشاء إناثا يعني البنات ليس فيهن ذكر، كما وهب للوط صلى الله عليه وسلم، فلم يولد له إلا البنات ويهب لمن يشاء الذكور يعني البنين ليس معهم أنثى، كما وهب لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، [فلم يولد له إلا الذكور] .

أو يزوجهم يعني الإناث والذكور . قال الزجاج : ومعنى "يزوجهم": يقرنهم . وكل شيئين يقترن أحدهما بالآخر، فهما زوجان، ويقال لكل واحد منهما: زوج، تقول: عندي زوجان من الخفاف، يعني اثنين .

وفي معنى الكلام للمفسرين قولان . أحدهما: أنه وضع المرأة غلاما ثم جارية ثم غلاما ثم جارية، قاله مجاهد، والجمهور . والثاني: [أنه] وضع المرأة جارية وغلاما توأمين، قاله ابن الحنفية . قالوا: وذلك كما جمع لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه وهب له بنين وبنات، ويجعل من يشاء عقيما لا يولد له، كيحيى بن زكريا عليهما السلام . وهذه الأقسام موجودة في سائر الناس، وإنما ذكروا الأنبياء تمثيلا .
وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم . وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [ ص: 297 ] وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور .

قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا قال المفسرون: سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا صادقا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال لهم: "لم ينظر موسى إلى الله"، ونزلت هذه الآية . والمراد بالوحي هاهنا: الوحي في المنام .

أو من وراء حجاب كما كلم موسى .

أو يرسل قرأ نافع، وابن عامر: "يرسل" بالرفع فيوحي بسكون الياء . وقرأ الباقون: "يرسل" بنصب اللام "فيوحي" بتحريك الياء، والمعنى: "أو يرسل رسولا" كجبرائيل "فيوحي" ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذنه ما يشاء . قال مكي بن أبي طالب: من قرأ "أو يرسل" بالنصب، عطفه على معنى قوله: "إلا وحيا" لأنه بمعنى: إلا أن يوحي . [ ص: 298 ] ومن قرأ بالرفع، فعلى الابتداء، كأنه قال، أو هو يرسل . قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية محمولة على أنه لا يكلم بشرا إلا من وراء حجاب في دار الدنيا .

قوله تعالى: وكذلك أي: وكما أوحينا إلى الرسل أوحينا إليك ، وقيل: الواو عطف على أول السورة، فالمعنى: كذلك نوحي إليك وإلى الذين من قبلك .

"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" قال ابن عباس: هو القرآن . وقال مقاتل: وحيا بأمرنا .

قوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب وذلك أنه لم يكن يعرف القرآن قبل الوحي ولا الإيمان فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه بمعنى الدعوة إلى الإيمان، قاله أبو العالية .

والثاني: أن المراد به: شرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلها إيمان; وقد سمى الصلاة إيمانا بقوله: وما كان الله ليضيع إيمانكم [البقرة: 143]، هذا اختيار ابن قتيبة، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة .

والثالث: أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وإذ كان طفلا قبل البلوغ، حكاه الواحدي . والقول ما اختاره ابن قتيبة ، وابن خزيمة، وقد اشتهر في الحديث عنه عليه السلام أنه كان قبل النبوة يوحد الله، ويبغض اللات والعزى، ويحج ويعتمر، ويتبع شريعة إبراهيم عليه السلام . قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على دين قومه، فهو قول سوء: أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب؟ وقال ابن قتيبة : قد جاء في الحديث [ ص: 299 ] أنه كان على دين قومه أربعين سنة . ومعناه: أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل، من ذلك حج البيت، والختان، وإيقاع الطلاق إذا كان ثلاثا، وأن للزوج الرجعة في الواحدة والاثنتين، ودية النفس مائة من الإبل، والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر . وكان عليه الصلاة والسلام على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم في الختان والغسل والحج، وكان لا يقرب الأوثان، ويعيبها . وكان لا يعرف شرائع الله التي شرعها لعباده على لسانه، فذلك قوله: "ما كنت تدري ما الكتاب" [يعني القرآن] "ولا الإيمان" يعني شرائع الإيمان; ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون له [البيت] مع شركهم .

قوله تعالى: ولكن جعلناه في هاء الكناية قولان . أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن . والثاني: إلى الإيمان .

نورا أي: ضياء ودليلا على التوحيد نهدي به من نشاء [من عبادنا] إلى دين الحق .

[ ص: 300 ] وإنك لتهدي أي: لتدعو إلى صراط مستقيم وهو الإسلام .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.79 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]