عرض مشاركة واحدة
  #482  
قديم 19-03-2023, 12:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,440
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ الشورى
الحلقة (482)
صــ 271 إلى صــ 280





بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حم عسق . كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ [ ص: 271 ] الرَّحِيمُ . وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى: حم قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الْمُؤْمِنِ] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: عسق فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ حُرُوفٌ مِنْ أَسْمَاءٍ; ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، وَالسِّينَ سَنَاؤُهُ، وَالْقَافَ قُدْرَتُهُ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَيْنَ فِيهَا عَذَابٌ، وَالسِّينَ فِيهَا مَسْخٌ، وَالْقَافَ فِيهَا قَذْفٌ، رَوَاهُ أَبُو الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْحَاءَ مِنْ حَرْبٍ، وَالْمِيمَ مِنْ تَحْوِيلِ مُلْكٍ، وَالْعَيْنَ مِنْ عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، وَالسِّينَ اسْتِئْصَالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، وَالْقَافَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ فِي مُلُوكِ الْأَرْضِ، قَالَهُ عَطَاءٌ . وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعَيْنَ مِنْ عَالِمٍ، وَالسِّينَ مِنْ قُدُّوسٍ، وَالْقَافَ مِنْ قَاهِرٍ، قَالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ . وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْعَيْنَ مِنَ الْعَزِيزِ، وَالسِّينَ مِنَ السَّلَامِ، وَالْقَافَ مِنَ الْقَادِرِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، قَالَهُ قَتَادَةُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ .

[ ص: 272 ] أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَمَا أَوْحَيْتُ "حم عسق" إِلَى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيهَا إِلَيْكَ، قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إِلَيْكَ أَخْبَارَ الْغَيْبِ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى مَنْ قَبْلَكَ، رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّالِثُ: أَنْ "حم عسق" نَزَلَتْ فِي أَمْرِ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إِلَيْكَ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِمَنْ كَذَّبَكَ كَمَا أَوْحَيْنَا ذَلِكَ إِلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمَعْنَى: هَكَذَا نُوحِي إِلَيْكَ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .

وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحَى" بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ . كَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ: مَنْ يُوحِي؟ قِيلَ: اللَّهُ . وَرَوَى أَبَانُ عَنْ عَاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْحَاءِ .

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ: "تَكَادُ" بِالتَّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِيَاءٍ وَتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا . وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ: "يَكَادُ" بِالْيَاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: "تَكَادُ" بِالتَّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا، أَيْ: يَتَشَقَّقْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ أَيْ: مِنْ فَوْقِ الْأَرَضِينَ مِنْ عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ; وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: "اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا" وَنَظِيرُهَا [الَّتِي] فِي [مَرْيَمَ: 90] .

وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأَمْرِ رَبِّهِمْ; وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي صِفَتِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ فِيهِ قَوْلَانِ .

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ .

[ ص: 273 ] وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا ابْتُلِيَ هَارُوتُ وَمَارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَنْ فِي الْأَرْضِ .

وَمَعْنَى اسْتِغْفَارِهِمْ: سُؤَالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ . وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ مُقَاتِلٌ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غَافِرٍ: 7]، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكُفَّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الْآيَةِ عَامٌّ، وَمَعْنَاهَا خَاصٌّ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غَافِرٍ: 7]، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِهِ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ أَيْ: حَافِظٌ لِأَعْمَالِهِمْ لِيُجَازِيَهُمْ بِهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أَيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ . وَهَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَلَا يَصِحُّ .

وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير . ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير . أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير .

قوله تعالى: وكذلك أي: ومثل ما ذكرنا أوحينا إليك قرآنا عربيا ليفهموا مافيه لتنذر أم القرى يعني مكة، والمراد: أهلها، [ ص: 274 ] وتنذر يوم الجمع أي: وتنذرهم يوم الجمع، وهو يوم القيامة، يجمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين لا ريب فيه أي: لا شك في هذا الجمع أنه كائن، ثم بعد الجمع يتفرقون، وهو قوله: فريق في الجنة وفريق في السعير .

ثم ذكر سبب افتراقهم فقال: ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة أي: على دين واحد، كقوله: لجمعهم على الهدى [الأنعام: 35] ولكن يدخل من يشاء في رحمته أي: في دينه والظالمون وهم الكافرون ما لهم من ولي يدفع عنهم العذاب ولا نصير يمنعهم منه .

أم اتخذوا من دونه أي: بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء يعني آلهة يتولونهم فالله هو الولي أي: ولي أوليائه، فليتخذوه وليا دون الآلهة; وقال ابن عباس: وليك يا محمد وولي من اتبعك .
وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب . فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس [ ص: 275 ] كمثله شيء وهو السميع البصير . له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم . شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب . وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب .

قوله تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء أي: من أمر الدين; وقيل: بل هو عام فحكمه إلى الله فيه قولان . أحدهما: علمه عند الله . والثاني: هو يحكم فيه . قال مقاتل: وذلك أن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن، وآمن بعضهم، فقال الله: أنا الذي أحكم فيه ذلكم الله الذي يحكم بين المختلفين هو ربي عليه توكلت في مهماتي وإليه أنيب أي: أرجع في المعاد .

فاطر السماوات قد سبق بيانه [الأنعام: 14]، جعل لكم من أنفسكم أي: من مثل خلقكم أزواجا نساء ومن الأنعام أزواجا أصنافا ذكورا وإناثا; والمعنى أنه خلق لكم الذكر والأنثى من الحيوان كله يذرؤكم فيها ثلاثة أقوال . أحدها: يخلقكم، قاله السدي . والثاني: يعيشكم، قاله مقاتل . والثالث: يكثركم، قاله الفراء . و [في قوله] فيه قولان .

أحدهما: أنها على أصلها، قاله الأكثرون . فعلى هذا في هاء الكناية ثلاثة أقوال . [ ص: 276 ] أحدها: أنها ترجع إلى بطون الإناث وقد تقدم ذكر الأزواج، قاله زيد بن أسلم . فعلى هذا يكون المعنى: يخلقكم في بطون النساء، وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة ، فقال: يخلقكم في الرحم أو في الزوج; وقال ابن جرير: يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم، ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام .

والثاني: أنها ترجع إلى الأرض، قاله ابن زيد; فعلى هذا يكون المعنى: يذرؤكم فيما خلق من السموات والأرض .

والثالث: أنها ترجع إلى الجعل المذكور; ثم في معنى الكلام قولان . أحدهما: يعيشكم فيما جعل من الأنعام، قاله مقاتل . والثاني: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعل الأزواج، قاله الواحدي .

والقول الثاني: أن "فيه" بمعنى "به"; والمعنى: يكثركم بما جعل لكم، قاله الفراء، والزجاج .

قوله تعالى: ليس كمثله شيء قال ابن قتيبة : أي: ليس كهو شيء، والعرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي هذا، وقال الزجاج : الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس مثله شيء . وما بعد هذا قد سبق بيانه [الزمر: 63، الرعد: 26] إلى قوله: شرع لكم أي: بين وأوضح من الدين ما وصى به نوحا وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه تحليل الحلال وتحريم الحرام، قاله قتادة . والثاني: تحريم الأخوات والأمهات، قاله الحكم . والثالث: التوحيد وترك الشرك .

قوله تعالى: والذي أوحينا إليك أي: من القرآن وشرائع الإسلام . قال الزجاج : المعنى: وشرع الذي أوحينا إليك وشرع لكم ما وصى به إبراهيم [ ص: 277 ] وموسى وعيسى . وقوله: أن أقيموا الدين تفسير قوله: وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ، وجائز أن يكون تفسيرا لـ "ما وصى به نوحا" ولقوله: والذي أوحينا إليك ولقوله: وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ، فيكون المعنى: شرع لكم ولمن قبلكم إقامة الدين وترك الفرقة، وشرع الاجتماع على اتباع الرسل . وقال مقاتل: أن أقيموا الدين يعني التوحيد ولا تتفرقوا فيه أي: لا تختلفوا كبر على المشركين أي: عظم على مشركي مكة ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد .

قوله تعالى: الله يجتبي إليه أي: يصطفي من عباده لدينه من يشاء ويهدي إلى دينه، من ينيب أي: يرجع إلى طاعته .

ثم ذكر افتراقهم بعد أن أوصاه بترك الفرقة، فقال: وما تفرقوا يعني أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: من بعد كثرة علمهم للبغي . والثاني: من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال . والثالث: من بعد ما جاءهم القرآن، بغيا منهم على محمد صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 278 ] ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير المكذبين من هذه الأمة إلى يوم القيامة، لقضي بينهم بإنزال العذاب على المكذبين وإن الذين أورثوا الكتاب يعني اليهود والنصارى من بعدهم أي: من بعد أنبيائهم لفي شك منه أي: من محمد صلى الله عليه وسلم .
فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنـزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد .

قوله تعالى: فلذلك فادع قال الفراء: المعنى: فإلى ذلك، تقول: دعوت إلى فلان، ودعوت لفلان، و "ذلك" بمعنى "هذا"; وللمفسرين فيه قولان .

أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن السائب . والثاني: أنه التوحيد، قاله مقاتل .

[ ص: 279 ] قوله تعالى: ولا تتبع أهواءهم يعني أهل الكتاب، لأنهم دعوه إلى دينهم .

قوله تعالى: وأمرت لأعدل بينكم قال بعض النحويين: المعنى: أمرت كي أعدل . وقال غيره: المعنى: أمرت بالعدل . وتقع "أمرت" على "أن"، وعلى "كي"، وعلى "اللام"; يقال: أمرت أن أعدل، وكي أعدل، ولأعدل .

ثم في ما أمر أن يعدل فيه قولان . أحدهما: في الأحكام إذا ترافعوا إليه . والثاني: في تبليغ الرسالة .

قوله تعالى: الله ربنا وربكم أي: هو إلهنا وإن اختلفنا، فهو يجازينا بأعمالنا، فذلك قوله: لنا أعمالنا أي: جزاؤها .

لا حجة بيننا وبينكم قال مجاهد: لا خصومة بيننا وبينكم .

فصل

وفي هذه الآية قولان

أحدهما: أنها اقتضت الاقتصار على الإنذار، وذلك قبل القتال، ثم نزلت آية السيف فنسختها، قاله الأكثرون .

والثاني: أن معناها: إن الكلام -بعد ظهور الحجج والبراهين- قد سقط بيننا، فعلى هذا هي محكمة، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله عن طائفة من المفسرين .

قوله تعالى: والذين يحاجون في الله أي: يخاصمون في دينه . قال قتادة: هم اليهود، قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم . وعلى قول مجاهد: هم المشركون، طمعوا أن تعود الجاهلية .

[ ص: 280 ] قوله تعالى: من بعد ما استجيب له أي: من بعد إجابة الناس إلى الإسلام حجتهم داحضة أي: خصومتهم باطلة .

الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب . يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد . الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز . من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب .

قوله تعالى: الله الذي أنزل الكتاب يعني القرآن بالحق أي: لم ينزله لغير شيء والميزان فيه قولان . أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس، وقتادة، والجمهور . والثاني: أنه الذي يوزن به، حكي عن مجاهد . ومعنى إنزاله: إلهام الخلق أن يعملوا به، وأمر الله عز وجل إياهم بالإنصاف . وسمي العدل ميزانا; لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق . وتمام الآية مشروح في [الأحزاب: 63] .

قوله تعالى: يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها لأنهم لا يخافون ما فيها، إذ لم يؤمنوا بكونها، فهم يطلبون قيامها استبعادا واستهزاء والذين آمنوا مشفقون أي: خائفون منها لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون، ولا يدرون ما يكون منهم ويعلمون أنها الحق أي: أنها كائنة لا محالة ألا إن الذين يمارون في الساعة أي: يخاصمون في كونها لفي ضلال بعيد حين لم يتفكروا، فيعلموا قدرة الله على إقامتها .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]