عرض مشاركة واحدة
  #480  
قديم 19-03-2023, 12:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ السَّجْدَةِ
الحلقة (480)
صــ 251 إلى صــ 260






قوله تعالى: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم روى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث ابن مسعود قال: كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر، قرشي وختناه ثقفيان، أو ثقفي وختناه قرشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، [ ص: 251 ] فقال أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟! فقال الآخران: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإن لم نرفع لم يسمع، وقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: "وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم . . . . " إلى قوله: "من الخاسرين" . ومعنى "تستترون": تستخفون "أن يشهد" أي: من أن يشهد "عليكم سمعكم" لأنكم لا تقدرون على الاستخفاء من جوارحكم، ولا تظنون أنها تشهد ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون قال ابن عباس: كان الكفار يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكنه يعلم ما يظهر، وذلكم ظنكم أي: أن الله لا يعلم ما تعملون، أرداكم أهلككم .

فإن يصبروا أي: على النار، فهي مسكنهم، وإن يستعتبوا أي: يسألوا أن يرجع لهم إلى ما يحبون، لم يرجع لهم، لأنهم لا يستحقون [ ص: 252 ] ذلك . يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي . واستعتبته، أي: طلبت منه أن يعتب، أي: يرضى .

قوله تعالى: وقيضنا لهم قرناء أي: سببنا لهم قرناء من الشياطين فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: ما بين أيديهم: من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب، وما خلفهم: من أمر الدنيا، فزينوا لهم اللذات وجمع الأموال وترك الإنفاق في الخير .

والثاني: ما بين أيديهم: من أمر الدنيا، وما خلفهم: من أمر الآخرة، على عكس الأول .

والثالث: ما بين أيديهم: ما فعلوه، وما خلفهم: ما عزموا على فعله . وباقي الآية [قد] تقدم تفسيره [الإسراء: 16، الأعراف: 38] .
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون . فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون .

قوله تعالى: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن أي: لا تسمعوه والغوا فيه أي: عارضوه باللغو، وهو الكلام الخالي عن فائدة . وكان الكفار يوصي بعضهم بعضا: إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه فارفعوا أصواتكم حتى تلبسوا عليهم قولهم . وقال مجاهد: والغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط من القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ لعلكم تغلبون فيسكتون .

قوله تعالى: ذلك جزاء أعداء الله يعني العذاب المذكور . وقوله: النار بدل من الجزاء لهم فيها دار الخلد أي: دار الإقامة . قال الزجاج : النار [ ص: 253 ] هي الدار، ولكنه كما تقول: لك في هذه الدار دار السرور، وأنت تعني الدار بعينها، قال الشاعر:


أخو رغائب يعطيها ويسألها يأبى الظلامة منه النوفل الزفر
وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين . إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون . نزلا من غفور رحيم .

قوله تعالى: وقال الذين كفروا لما دخلوا النار ربنا أرنا اللذين أضلانا وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: "أرنا" بسكون الراء . قال المفسرون: يعنون إبليس وقابيل، لأنهما سنا المعصية، نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين أي: في الدرك الأسفل، وهو أشد عذابا من غيره .

ثم ذكر المؤمنين فقال: إن الذين قالوا ربنا الله [أي: وحدوه] ثم استقاموا فيه ثلاثة أقوال .

[ ص: 254 ] أحدها: استقاموا على التوحيد، قاله أبو بكر الصديق، ومجاهد .

والثاني: على طاعة الله وأداء فرائضه، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة .

والثالث: على الإخلاص والعمل إلى الموت، قاله أبو العالية، والسدي .

وروى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق، وذلك أن المشركين قالوا: ربنا الله، والملائكة بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم يستقيموا، وقالت اليهود: ربنا الله، وعزير ابنه، ومحمد ليس بنبي، فلم يستقيموا، وقالت النصارى: ربنا الله، والمسيح ابنه، ومحمد ليس بنبي، فلم يستقيموا، وقال أبو بكر: ربنا الله وحده، ومحمد عبده ورسوله، فاستقام .

قوله تعالى: تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا أي: بأن لا تخافوا . وفي وقت نزولها عليهم قولان .

أحدهما: عند الموت، قاله ابن عباس، ومجاهد; فعلى هذا في معنى "لا تخافوا" قولان . أحدهما: لا تخافوا الموت، ولا تحزنوا على أولادكم، قاله مجاهد . والثاني: لا تخافوا ما أمامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، قاله عكرمة، والسدي .

والقول الثاني: تتنزل عليهم إذا قاموا من القبور، قاله قتادة ; فيكون معنى "لا تخافوا": أنهم يبشرونهم بزوال الخوف والحزن يوم القيامة .

[ ص: 255 ] قوله تعالى: نحن أولياؤكم قال المفسرون: هذا قول الملائكة لهم، والمعنى: نحن [الذين] كنا نتولاكم في الدنيا، لأن الملائكة تتولى المؤمنين وتحبهم لما ترى من أعمالهم المرفوعة إلى السماء، وفي الآخرة أي: ونحن معكم في الآخرة لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة . وقال السدي: هم الحفظة على ابن آدم، فلذلك قالوا: "نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة"; وقيل: هم الملائكة الذين يأتون لقبض الأرواح .

قوله تعالى: ولكم فيها أي: في الجنة .

نزلا قال الزجاج : معناه: أبشروا بالجنة تنزلونها [نزلا] . وقال الأخفش: لكم فيها ما تشتهي أنفسكم أنزلناه نزلا .
ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين . ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي [ ص: 256 ] هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم . وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم .

قوله تعالى: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله فيمن أريد بهذا ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم المؤذنون . روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نزلت في المؤذنين"، وهذا قول عائشة، ومجاهد، وعكرمة .

[ ص: 257 ] والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قاله ابن عباس، والسدي، وابن زيد .

والثالث: أنه المؤمن أجاب الله إلى ما دعاه، ودعا الناس إلى ذلك وعمل صالحا في إجابته، قاله الحسن .

وفي قوله: وعمل صالحا ثلاثة أقوال .

أحدها: صلى ركعتين بعد الأذان، وهو قول عائشة، ومجاهد . وروى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم: "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله" قال: الأذان "وعمل صالحا" قال: الصلاة بين الأذان والإقامة .

والثاني: أدى الفرائض وقام لله بالحقوق، قاله عطاء .

والثالث: صام وصلى، قاله عكرمة .

قوله تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة قال الزجاج : "لا" زائدة مؤكدة; والمعنى: ولا تستوي [الحسنة] والسيئة . وللمفسرين فيهما ثلاثة أقوال .

أحدها: أن الحسنة: الإيمان، والسيئة: الشرك، قاله ابن عباس . [ ص: 258 ] والثاني: الحلم والفحش، قاله الضحاك . والثالث: النفور والصبر، حكاه الماوردي .

قوله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن وذلك كدفع الغضب بالصبر، والإساءة بالعفو، فإذا فعلت ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصديق القريب . وقال عطاء: هو السلام على من تعاديه إذا لقيته . قال المفسرون: وهذه الآية منسوخة بآية السيف .

قوله تعالى: وما يلقاها أي: ما يعطاها . قال الزجاج : ما يلقى هذه الفعلة: وهي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على كظم الغيظ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من الخير . وقال السدي: إلا ذو جد . وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة; فالمعنى: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة .

قوله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ قد فسرناه في [الأعراف: 200] .
[ ص: 259 ] ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون . فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون . ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير

قوله تعالى: فإن استكبروا [أي: تكبروا عن التوحيد والعبادة] فالذين عند ربك يعني الملائكة يسبحون أي: يصلون . و "يسأمون" بمعنى يملون .

وفي موضع السجدة قولان .

أحدهما: أنه عند قوله: "يسأمون"، قاله ابن عباس، ومسروق، وقتادة، واختاره القاضي أبو يعلى، لأنه تمام الكلام .

والثاني: [أنه] عند قوله: إن كنتم إياه تعبدون ، روي عن أصحاب عبد الله، والحسن، وأبي عبد الرحمن .

[ ص: 260 ] قوله تعالى: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة قال قتادة: غبراء متهشمة . قال الأزهري: إذا يبست الأرض ولم تمطر، قيل: خشعت .

قوله تعالى: اهتزت أي: تحركت بالنبات وربت أي: علت، لأن النبت إذا أراد أن يظهر ارتفعت له الأرض; وقد سبق بيان هذا [الحج: 5] .
إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير . إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز . لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.20 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.57 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]