عرض مشاركة واحدة
  #475  
قديم 18-03-2023, 11:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,406
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سورة غافر
الحلقة (475)
صــ 201 إلى صــ 210




أحدها: أن الجواب محذوف، قاله أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج في آخرين . وفي تقدير هذا المحذوف قولان . أحدهما: أن تقديره: حتى إذا جاءوها . . . . . إلى آخر الآية . . . . سعدوا، قاله المبرد . والثاني: حتى إذا جاءوها إلى قوله: [ ص: 201 ] فادخلوها خالدين . . . . دخلوها، وإنما حذف، لأن في الكلام دليلا عليه، وهذا اختيار الزجاج .

والقول الثاني: أن الجواب: قال لهم خزنتها، والواو زائدة، ذكره الأخفش، قال: ومثله في الشعر:


فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا كلمة حالم بخيال


أي: فإذا ذلك .

والثالث: الجواب: حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها، والواو زائدة، حكاه الزجاج عن قوم من أهل اللغة .

وفي قوله: طبتم خمسة أقوال . أحدها: أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فلا يبقى في بطونهم أذى ولا قذى إلا خرج، ويغتسلون من الأخرى، فلا تغبر جلودهم ولا تشعث أشعارهم أبدا، حتى إذا انتهوا إلى باب الجنة قال لهم عند ذلك خزنتها: "سلام عليكم طبتم"، رواه عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه، وقد ذكرنا في [الأعراف: 44] نحوه عن ابن عباس . والثاني: طاب لكم [ ص: 202 ] المقام، قاله ابن عباس . والثالث: طبتم بطاعة الله، قاله مجاهد . والرابع: أنهم طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة، واقتص من بعضهم لبعض، فلما هذبوا قالت لهم الخزنة: طبتم، قاله قتادة . والخامس: كنتم طيبين في الدنيا، قاله الزجاج .

فلما دخلوها قالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده بالجنة وأورثنا الأرض أي أرض الجنة ( نتبوأ منها حيث نشاء ) أي: نتخذ فيها من المنازل ما نشاء . وحكى أبو سليمان الدمشقي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة قبل الأمم، فينزلون منها حيث شاؤوا، ثم تنزل الأمم بعدهم فيها فلذلك قالوا: "نتبوأ من الجنة حيث نشاء"; يقول الله عز وجل: فنعم أجر العاملين أي: نعم ثواب المطيعين في الدنيا الجنة .

قوله تعالى: وترى الملائكة حافين من حول العرش أي: محدقين به، يقال: حف القوم بفلان: إذا أحدقوا به; ودخلت "من" للتوكيد، كقولك: ما جاءني من أحد .

يسبحون بحمد ربهم قال السدي، ومقاتل: بأمر ربهم . وقال بعضهم: يسبحون بالحمد له حيث دخل الموحدون الجنة . وقال ابن جرير: التسبيح هاهنا بمعنى الصلاة .

قوله تعالى: وقضي بينهم أي: بين الخلائق بالحق أي: بالعدل وقيل الحمد لله رب العالمين هذا قول أهل الجنة شكرا لله تعالى على إنعامه .

قال المفسرون: ابتدأ الله ذكر الخلق بالحمد فقال: "الحمد لله الذي [ ص: 203 ] خلق السماوات والأرض" [الأنعام: 1] وختم غاية الأمر -وهو استقرار الفريقين في منازلهم- بالحمد لله بهذه الآية، فنبه على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته .
[ ص: 204 ] سُورَةُ الْمُؤْمِنِ

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الطَّوْلِ . وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ أَنَّ فِيهَا آَيَتَيْنِ نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَالَّتِي بَعْدَهَا [الْمُؤْمِنِ: 35، 36] . قَالَ الزَّجَّاجُ : وَذَكَرَ أَنَّ الْحَوَامِيمَ كُلَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : يُقَالُ: إِنَّ "حم" اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أُضِيفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: سُورَةُ اللَّهِ، لِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا، فَقِيلَ: آَلُ حَامِيمٍ، وَإِنْ كَانَ الْقُرْآَنُ كُلُّهُ سُوَرَ اللَّهِ، وَإِنَّ هَذَا كَمَا يُقَالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وَحَرَمُ اللَّهِ، وَنَاقَةُ اللَّهِ، قَالَ الْكُمَيْتُ:


وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آَلِ حَامِيمَ آَيَةٌ تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعَرَّبٌ


وَقَدْ تُجْعَلُ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، وَيَدْخُلُ الْإِعْرَابَ وَلَا يُصْرَفُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا فِي الْجَمِيعِ: الْحَوَامِيمُ، كَمَا يُقَالُ: "طس" وَالطَّوَاسِينَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ: الْعَرَبُ تَقُولُ: وَقَعَ فِي الْحَوَامِيمِ، وَفِي آَلِ حَمِيمٍ، أَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّوَاتِي طُوِّلَتْ وَبِمِئِينَ بَعْدَهَا قَدْ أُمْئِيَتْ


وَبِمَثَانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ وَبِالطَّوَاسِينَ اللَّوَاتِي ثُلِّثَتْ


[ ص: 205 ] وَبِالْحَوَامِيمِ اللَّوَاتِي سُبِّعَتْ [وَبِالْمُفَصَّلِ اللَّوَاتِي فُصِّلَتْ]


فَمَنْ قَالَ: وَقَعَ فِي آَلِ حَامِيمَ، جَعَلَ حَامِيمَ اسْمًا لِكُلِّهِنَّ; وَمَنْ قَالَ: وَقَعَ فِي الْحَوَامِيمِ، جَعَلَ "حم" كَأَنَّهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ قَابِيلَ وَهَابِيلَ . وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ قَالَ: مِنَ الْخَطَإِ أَنْ تَقُولَ: قَرَأَتُ الْحَوَامِيمَ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالصَّوَابُ أَنْ تَقُولَ، قَرَأَتُ آَلَ حَامِيمَ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِذَا وَقَعَتْ فِي آَلِ حم وَقَعَتْ فِي رَوْضَاتٍ دَمِثَاتٍ"، وَقَالَ الْكُمَيْتُ:

وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آَلِ حَامِيمَ آَيَةٌ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حم . تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ .

وَفِي حم أَرْبَعَةُ أَقَوْالٍ .

أَحَدُهَا: قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ [الْمُؤْمِنِ: 10] .

[ ص: 206 ] وَالثَّانِي: أَنَّهَا حُرُوفٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَوْالٍ . أَحَدُهَا: أَنْ "الر" وَ "حم" وَ "نُونُ" حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَاءَ مِفْتَاحُ اسْمِهِ "حَمِيدُ"، وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ "مَجِيدُ"، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْحَاءَ مِفْتَاحُ كُلِّ اسْمٍ لِلَّهِ ابْتِدَاؤُهُ حَاءٌ، مِثْلُ "حَكِيمٍ"، وَ "حَلِيمٍ"، وَ "حَيٍّ"، وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ كُلِّ اسْمٍ لَهُ، ابْتِدَاؤُهُ مِيمٌ مِثْلُ "مَلِكٍ"، وَ "مُتَكَبِّرٍ"، وَ "مَجِيدٍ"، حَكَاهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ . وَرُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى "حم": قُضِيَ مَا هُوَ كَائِنٌ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ وَالْكِسَائِيِّ مِثْلُ هَذَا كَأَنَّهُمَا أَرَادَا الْإِشَارَةَ إِلَى حم، بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ . قَالَ الزَّجَّاجُ : وَقَدْ قِيلَ فِي "حم": حُمَّ الْأَمْرُ . وَالرَّابِعُ: أَنْ "حم" اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآَنِ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: "حم" بِفَتْحِ الْحَاءِ; وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: بِكَسْرِهَا; وَاخْتَلَفَ عَنِ الْبَاقِينَ . قَالَ الزَّجَّاجُ : أَمَّا الْمِيمُ، فَسَاكِنَةٌ فِي قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ كُلِّهِمُ الَّا عِيسَى ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّهُ فَتَحَهَا; وَفَتْحُهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَ "حم" اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَيَنْصِبُهُ وَلَا يُنَوِّنُهُ، لِأَنَّهُ عَلَى لَفْظِ الْأَسْمَاءِ الْأَعْجَمِيَّةِ نَحْوَ هَابِيلَ وَقَابِيلَ . وَالثَّانِي: عَلَى مَعْنَى: اتْلُ حم; وَالْأَجْوَدُ أَنْ يَكُونَ فَتْحٌ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ حَيْثُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، وَيَكُونُ حِكَايَةَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ أَيْ: هَذَا تَنْزِيلُ الْكِتَابِ . وَالتَّوْبُ: [ ص: 207 ] جَمْعُ تَوْبَةٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَنْ تَابَ يَتُوبُ تَوْبًا . وَالطَّوْلُ: الْفَضْلُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ: فُلَانٌ ذُو طَوْلٍ عَلَى قَوْمِهِ، أَيْ: ذُو فَضْلٍ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : يُقَالُ: طُلَّ عَلَيَّ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَيْ: تَفَضَّلْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذُو: حَرْفُ النِّسْبَةِ، وَالنِّسْبَةُ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: بِالْيَاءِ، كَقَوْلِهِمْ: أَسَدِيٌّ، وَبِكْرِّيٌّ، وَالثَّانِي عَلَى الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِمُ: الْمَهَالِبَةُ، وَالْمَسَامِعَةُ، وَالْأَزَارِقَةُ، وَالثَّالِثُ بِـ "ذِي" وَ "ذَاتُ"، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلُ مَالٍ، أَيْ: ذُو مَالٍ، وَكَبْشٍ صَافٍ، أَيْ: ذُو صُوفٍ، وَنَاقَةٍ ضَامِرٍ، أَيْ: ذَاتُ ضَمْرٍ; فَقَوْلُهُ: ذُو الطَّوْلِ، مَعْنَاهُ: أَهْلُ الطَّوْلِ وَالْفَضْلِ .
ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد . كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب . وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار .

قوله تعالى: ما يجادل في آيات الله أي: ما يخاصم فيها بالتكذيب لها ودفعها بالباطل إلا الذين كفروا وباقي الآية في [آل عمران: 196]; والمعنى: إن عاقبة أمرهم إلى العذاب كعاقبة من قبلهم .

قوله تعالى: وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه فيه قولان . أحدهما: ليقتلوه، قاله ابن عباس، وقتادة . والثاني: ليحبسوه ويعذبوه، ويقال للأسير: أخيذ، حكاه ابن قتيبة . قال الأخفش: وإنما قال: "ليأخذوه" فجمع على الكل، لأن الكل مذكر ومعناه معنى الجماعة . وما بعد هذا مفسر في [الكهف: 56] إلى قوله: فأخذتهم أي: عاقبتهم وأهلكتهم [ ص: 208 ] فكيف كان عقاب استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم . وكذلك أي: مثل الذي حق على الأمم المكذبة حقت كلمت ربك بالعذاب، وهي قوله: لأملأن جهنم [الأعراف: 18]على الذين كفروا من قومك . وقرأ نافع، وابن عامر: ( حقت كلمات ربك ) ، أنهم قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم أصحاب النار .
الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم . وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم .

ثم أخبر بفضل المؤمنين فقال: الذين يحملون العرش وهم أربعة أملاك، فإذا كان يوم القيامة جعلوا ثمانية ومن حوله قال وهب بن منبه: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به، ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة ليس فيهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبحه الآخر . وقال غيره: الذين حول العرش هم الكروبيون وهم سادة الملائكة . وقد ذكرنا في السورة المتقدمة معنى قوله: يسبحون بحمد ربهم [الزمر: 75] .

قوله تعالى: ربنا أي يقولون: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما قال الزجاج : هو منصوب على التمييز . وقال غيره: المعنى: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فاغفر للذين تابوا من الشرك واتبعوا سبيلك [ ص: 209 ] وهو دين الإسلام . وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: وقهم السيئات قال قتادة: يعني العذاب .
إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون . قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل . ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير .

قوله تعالى: إن الذين كفروا ينادون لمقت الله قال المفسرون: لما رأوا أعمالهم وأدخلوا النار مقتوا أنفسهم لسوء فعلهم، فناداهم مناد: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم .

ثم أخبر عما يقولون في النار بقوله: ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين وهذا مثل قوله: وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم [البقرة: 28] وقد فسرناه هنالك .

قوله تعالى: فهل إلى خروج أي: من النار إلى الدنيا لنعمل بالطاعة من سبيل ؟ وفي الكلام اختصار، تقديره: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك; وقيل لهم: ذلكم يعني العذاب الذي نزل بهم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم أي: إذا قيل "لا إله إلا الله" أنكرتم، وإن جعل له شريك آمنتم، فالحكم لله فهو الذي حكم على المشركين بالنار . وقد بينا في سورة [البقرة: 255] معنى العلي، وفي [الرعد: 9] معنى الكبير .
[ ص: 210 ] هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب . فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون . رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق . يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار . اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب .

هو الذي يريكم آياته أي: مصنوعاته التي تدل على وحدانيته وقدرته . والرزق هاهنا: المطر، سمي رزقا، لأنه سبب الأرزاق . و "يتذكر" بمعنى يتعظ، و "ينيب" بمعنى يرجع إلى الطاعة .

ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال: فادعوا الله مخلصين له الدين أي: موحدين .

قوله تعالى: رفيع الدرجات قال ابن عباس: يعني رافع السموات . وحكى الماوردي عن بعض المفسرين قال: معناه: عظيم الصفات .

قوله تعالى: ذو العرش أي: خالقه ومالكه .

قوله تعالى: يلقي الروح فيه خمسة أقوال .

أحدها: أنه القرآن . والثاني: النبوة . والقولان مرويان عن ابن عباس . وبالأول قال ابن زيد، وبالثاني قال السدي . والثالث: الوحي، قاله قتادة . وإنما سمي القرآن والوحي روحا، لأن قوام الدين به، كما أن قوام البدن بالروح . والرابع: جبريل، قاله الضحاك . والخامس: الرحمة، حكاه إبراهيم الحربي .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.19 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]