تفسير قول الله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم . غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
صفية الشقيفي
المسائل التفسيرية
1:مقصد الآيتين
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (واختلف المفسرون في المعنى الذي استعير له الصّراط في هذا الموضع وما المراد به، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الصّراط المستقيم هنا القرآن»وقال جابر: «هو الإسلام»يعني الحنيفية. وقال:«سعته ما بين السماء والأرض». وقال محمد بن الحنفية: «هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره»وقال أبو العالية: «هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر». وذكر ذلك للحسن بن أبي الحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة إنما هي في أن يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام، وهو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه). [المحرر الوجيز: 1 /???]م
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (والمعنى] اهدنا الصّراط المستقيم، صراط الّذين أنعمت عليهم ممّن تقدّم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطّاعة للّه ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، [وهم] الّذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحقّ وعدلوا عنه، ولا صراط الضّالّين وهم الّذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضّلالة لا يهتدون إلى الحقّ، وأكد الكلام بلا ليدلّ على أنّ ثمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنّصارى. ). [تفسير ابن كثير: 1/ ؟؟؟؟]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (والمعنى فإنّ طريقة أهل الإيمان مشتملةٌ على العلم بالحقّ والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنّصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضّلال للنّصارى، لأنّ من علم وترك استحقّ الغضب، بخلاف من لم يعلم. والنّصارى لمّا كانوا قاصدين شيئًا لكنّهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنّهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتّباع الرّسول الحقّ. ). [تفسير ابن كثير: 1/ ؟؟؟؟]م
2: مناسبة الآيتين لما قبلهما
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (لما تقدم الثناء على المسؤول، تبارك وتعالى، ناسب أن يعقّب بالسّؤال؛ كما قال: [فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل]وهذا أكمل أحوال السّائل، أن يمدح مسؤوله، ثمّ يسأل حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: {اهدنا}]، لأنّه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد اللّه تعالى إليه لأنّه الأكمل، وقد يكون السّؤال بالإخبار عن حال السّائل واحتياجه، كما قال موسى عليه السّلام: {ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خيرٍ فقيرٌ}[القصص: 24] وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول، كقول ذي النّون: {لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين}[الأنبياء: 87] وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول، كقول الشّاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ......حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا ......كفاه من تعرّضه الثّناء
). [تفسير ابن كثير: 1/ ؟؟؟؟]
3: المقصود بالهداية في قوله تعالى {اهدنا الصراط المستقيم }
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ): ({اهدنا الصّراط المستقيم} وأما قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم}، فيقول: "عرّفنا"، وأهل الحجاز يقولون: "هديته الطريق" أي: عرّفته، وكذلك "هديته البيت" في لغتهم، وغيرهم يلّحق به "إلى"). [معاني القرآن: 1/ 11]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (
ومعنى {اهدنا}وهم مهتدون: ثبّتنا على الهدى، كما تقول للرجل القائم: قم لي حتى أعود إليك. تعني: أثبت لي على ما أنت عليه). [معاني القرآن: 1 /49]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (ثم قال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}وهم على الهدى، أي: ثبتنا، كما تقول للقائم قم حتى أعود إليك، أي: إثبت قائماً.
ومعنى {اهدنا}:أرشدنا، وأصل هدى: أرشد، ومنه {واهدنا إلى سواء الصراط}، ويكون هدى بمعنى: بين، كما قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم}، ويكون هدى بمعنى: ألهم، كما قال تعالى: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}: أي: ألهمه مصلحته، وقيل: إتيان الأنثى.
ويكون هدى بمعنى: دعا، كما قال تعالى: {ولكل قوم هاد}أي: نبي يدعوهم.
وأصل هذا كله: أرشد، والمعنى: أرشدنا إلى الصراط المستقيم.
). [معاني القرآن: 1/66-68]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (فالهدى يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى:{أولئك على هدىً من ربّهم}[البقرة: 5] وقوله تعالى: {واللّه يدعوا إلى دار السّلام ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ} [يونس: 25] وقوله تعالى: {إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء}[القصص: 56] وقوله تعالى: {فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام} [الأنعام: 125].
قال أبو المعالي: فهذه آية لا يتجه حملها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد).[المحرر الوجيز: 1 / ؟؟؟]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ولا يتجه أن يراد بـ{اهدنا}في هذه الآية اخلق الإيمان في قلوبنا، لأنها هداية مقيدة إلى صراط ولا أن يراد بها ادعنا، وسائر وجوه الهداية يتجه). [المحرر الوجيز: 1 /???]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (والهداية هاهنا: الإرشاد والتّوفيق، وقد تعدّى الهداية بنفسها كما هنا {اهدنا الصّراط المستقيم}فتضمّن معنى ألهمنا، أو وفّقنا، أو ارزقنا، أو اعطنا[...]
قال الإمام أبو جعفر بن جريرٍ، رحمه اللّه: والّذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي -أعني {اهدنا الصّراط المستقيم}- أن يكون معنيّ به: وفّقنا للثّبات على ما ارتضيته ووفّقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصّراط المستقيم؛ لأنّ من وفّق لما وفق له من أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرّسل، والتّمسّك بالكتاب، والعمل بما أمره اللّه به، والانزجار عمّا زجره عنه، واتّباع منهاج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكلّ عبدٍ صالحٍ، وكلّ ذلك من الصّراط المستقيم.
[...]فمعنى قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم}استمرّ بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره). [تفسير ابن كثير: 1/ ؟؟]
4: دلالة التعبير بفعل الأمر في قوله { اهدنا }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {اهدنا}رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغة الأمر مكلها، فإذا كانت من الأعلى فهي أمر). [المحرر الوجيز: 1 /84-88]م
5: دلالة التعبير بضمير الجمع في قوله { اهدنا }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (لما تقدم الثناء على المسؤول، تبارك وتعالى، ناسب أن يعقّب بالسّؤال؛ كما قال: [فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل]وهذا أكمل أحوال السّائل، أن يمدح مسؤوله، ثمّ يسأل حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: {اهدنا}]، لأنّه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة).
م[تفسير ابن كثير: 1/ ؟؟]
6: دلالة تعدية الهداية بنفسها في قوله { اهدنا }
قالَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ(ت: 774 ه):ـ(وقد تعدّى الهداية بنفسها كما هنا {اهدناالصّراط المستقيم}فتضمّنمعنى ألهمنا، أو وفّقنا، أو ارزقنا، أو اعطنا) [تفسير ابن كثير: 1/ ؟؟]
7: الحكمة من طلب الهداية وقد هدى الله المسلمين للإسلام
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (إنما أمر به المؤمنون وعندهم المعتقدات وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قولهم {اهدنا}فيما هو حاصل عندهم طلب التثبيت والدوام، وفيما ليس بحاصل إما من جهة الجهل به أو التقصير في المحافظة عليه طلب الإرشاد إليه.
وأقول إن كل داع به فإنما يريد الصّراط بكماله في أقواله وأفعاله ومعتقداته، فيحسن على هذا أن يدعو في الصراط على الكمال من عنده بعضه ولا يتجه أن يراد بـ{اهدنا}في هذه الآية اخلق الإيمان في قلوبنا، لأنها هداية مقيدة إلى صراط ولا أن يراد بها ادعنا، وسائر وجوه الهداية يتجه). [المحرر الوجيز: 1 /???]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({فإن قيل:كيف يسأل المؤمن الهداية في كلّ وقتٍ من صلاةٍ وغيرها، وهو متّصفٌ بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟
فالجواب:أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده اللّه إلى ذلك؛ فإنّ العبد مفتقرٌ في كلّ ساعةٍ وحالةٍ إلى اللّه تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصّره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإنّ العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلّا ما شاء اللّه، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كلّ وقتٍ أن يمدّه بالمعونة والثّبات والتّوفيق، فالسّعيد من وفّقه اللّه تعالى لسؤاله؛ فإنّه تعالى قد تكفّل بإجابة الدّاعي إذا دعاه، ولا سيّما المضطرّ المحتاج المفتقر إليه آناء اللّيل وأطراف النّهار، وقد قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا آمنوا باللّه ورسوله والكتاب الّذي نزل على رسوله والكتاب الّذي أنزل من قبل}الآية [النّساء: 136]، فقد أمر الّذين آمنوا بالإيمان، وليس في ذلك تحصيل الحاصل؛ لأنّ المراد الثّبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك، واللّه أعلم.
وقال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: {ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنّك أنت الوهّاب}وقد كان الصدّيق رضي اللّه عنه يقرأ بهذه الآية في الرّكعة الثّالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًّا. فمعنى قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم}استمرّ بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره). [تفسير ابن كثير: 1/ 136-139]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الصّراط المستقيم، وهو الدّين القويم، وتثبيتهم عليه حتّى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصّراط الحسّيّ يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنّات النّعيم في جوار النّبيّين، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين. ). [تفسير ابن كثير: 1/ ؟؟؟؟]
8: معنى { الصراط المستقيم }
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ(ت:210هـ): ({الصّراط}: الطريق، المنهاج الواضح، قال:
فصدّ عن نهج الصّراط القاصد
وقال جرير:
أمير المؤمنين على صراطٍ.......إذا اعوجّ الموارد مستقيم
والموارد: الطرق، ما وردت عليه من ماء، وكذلك القرىّ وقال:
وطئنا أرضهم بالخيل حتى.......تركناهم أذلّ من الصراط
). [مجاز القرآن: 1 /24-25]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ):({الصراط}: الطريق. وقال بعض المفسرين: هو كتاب الله عز وجل. وقال آخرون: هو الإسلام). [غريب القرآن وتفسيره: 61]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (و{الصّراط}: الطريق، ومثله: {وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل}، ومثله: {وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ}). [تفسير غريب القرآن: 38]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): (قوله عزّ وجلّ: {اهدنا الصّراط المستقيم (6)}معناه: المنهاج الواضح، قال الشاعر:
أمير المؤمنين على صراط.......إذا اعوج المناهج مستقيم
أي: على طريق واضح.
). [معاني القرآن: 1 /49]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى:{صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين}.
وقوله {صراط الّذين أنعمت عليهم}إبانةٌ عن الصّراط المستقيم، أيّ الصّراط هو إذ كان كلّ طريقٍ من طرق الحقّ صراطًا مستقيمًا؟ فقيل لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل يا محمّد: اهدنا يا ربّنا الصّراط المستقيم، صراط الّذين أنعمت عليهم، بطاعتك وعبادتك من ملائكتك، وأنبيائك، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين.
وذلك نظير ما قال ربّنا جلّ ثناؤه في تنزيله: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا وإذًا لآتيناهم من لدنّا أجرًا عظيمًا ولهديناهم صراطًا مستقيمًا ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين}.) [جامع البيان: 1/؟؟؟]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): {
قوله: {صراط الّذين أنعمت عليهم}
-به عن ابن عبّاسٍ: {صراط الّذين أنعمت عليهم}يقول: «طريق من أنعمت عليهم».} [تفسير القرآن العظيم: 1/ 31]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ): (
- حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، قال: حدثنا هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدثنا أبو إسحاق النحوي، عن حمزة بن حبيب، عن حمران بن أعين، عن أبي منصور بن أخي الحارث، عن الحارث، عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«الصراط المستقيم كتاب الله».
وروى مسعر، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}قال: «كتاب الله».
وروى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: «هو الإسلام».
والصراط في اللغة: الطريق الواضح، وكتاب الله بمنزلة الطريق الواضح، وكذلك الإسلام، وقال جرير:
أمير المؤمنين على صراط.......إذا اعوج الموارد مستقيم
أمير المؤمنين جمعت دينا.......وحلما فاضلا لذوي الحلوم
). [معاني القرآن: 1/66-68]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ):(أنا ثعلب،عن ابن الأعرابي، قال: {الصراط}: الطريق).[ياقوتة الصراط: 167]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ):({الصراط}: الطريق، وهو دين الإسلام). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 21]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ):({الصِّرَاطَ}: الطريق، {المُستَقِيمَ}: المستوي، يعني : الإسلام). [العمدة في غريب القرآن: 68]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (واختلف المفسرون في المعنى الذي استعير له الصّراط في هذا الموضع وما المراد به، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الصّراط المستقيم هنا القرآن»وقال جابر: «هو الإسلام»يعني الحنيفية. وقال:«سعته ما بين السماء والأرض». وقال محمد بن الحنفية: «هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره»وقال أبو العالية: «هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر». وذكر ذلك للحسن بن أبي الحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح(.). [المحرر الوجيز: 1 /84-88]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :
( وأمّا الصّراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جريرٍ: أجمعت الأمّة من أهل التّأويل جميعًا على أنّ "الصّراط المستقيم" هو الطّريق الواضح الّذي لا اعوجاج فيه.
وكذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطيّة الخطفي:
أمير المؤمنين على صراطٍ ......إذا اعوجّ الموارد مستقيم
قال: والشّواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثمّ تستعير العرب الصّراط فتستعمله في كلّ قولٍ وعملٍ، وصف باستقامةٍ أو اعوجاجٍ، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوجّ باعوجاجه.
ثمّ اختلفت عبارات المفسّرين من السّلف والخلف في تفسير الصّراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيءٍ واحدٍ، وهو المتابعة للّه وللرّسول؛ فروي أنّه كتاب اللّه، قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا الحسن بن عرفة، حدّثني يحيى بن يمانٍ، عن حمزة الزّيّات، عن سعدٍ، وهو أبو المختار الطّائيّ، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن عليّ بن أبي طالبٍ، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الصّراط المستقيم كتاب اللّه». وكذلك رواه ابن جريرٍ، من حديث حمزة بن حبيبٍ الزّيّات، وقد [تقدّم في فضائل القرآن فيما] رواه أحمد والتّرمذيّ من رواية الحارث الأعور، عن عليٍّ مرفوعًا: «وهو حبل اللّه المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم».
وقد روي هذا موقوفًا عن عليٍّ، وهو أشبه، واللّه أعلم.
وقال الثّوريّ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللّه، قال: «الصّراط المستقيم: كتاب اللّه»، وقيل: هو الإسلام.
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ، قال: «قال جبريل لمحمّدٍ، عليهما السّلام: قل: يا محمّد،{اهدنا الصّراط المستقيم}. يقول: اهدنا الطّريق الهادي، وهو دين اللّه الّذي لا عوج فيه».
وقال ميمون بن مهران، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {اهدنا الصّراط المستقيم}قال: «ذاك الإسلام».
وقال إسماعيل بن عبد الرّحمن السّدّيّ الكبير، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {اهدنا الصّراط المستقيم}قالوا: «هو الإسلام».
وقال عبد اللّه بن محمّد بن عقيلٍ، عن جابرٍ: {اهدنا الصّراط المستقيم}قال: «الإسلام»، قال: «هو أوسع ممّا بين السّماء والأرض».
وقال ابن الحنفيّة في قوله تعالى: {اهدنا الصّراط المستقيم}قال: «هو دين اللّه، الّذي لا يقبل من العباد غيره».
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: {اهدنا الصّراط المستقيم}، قال: «هو الإسلام».
وفي [معنى] هذا الحديث الّذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال: حدّثنا الحسن بن سوّارٍ أبو العلاء، حدّثنا ليثٌ يعني ابن سعدٍ، عن معاوية بن صالحٍ: أنّ عبد الرّحمن بن جبير بن نفيرٍ، حدّثه عن أبيه، عن النّوّاس بن سمعان، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ضرب اللّه مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصّراط سوران فيهما أبوابٌ مفتّحةٌ، وعلى الأبواب ستورٌ مرخاةٌ، وعلى باب الصّراط داعٍ يقول: يا أيّها النّاس، ادخلوا الصّراط جميعًا ولا تعوّجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصّراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه؛ فإنّك إن تفتحه تلجه. فالصّراط الإسلام، والسّوران حدود اللّه، والأبواب المفتّحة محارم اللّه، وذلك الدّاعي على رأس الصّراط كتاب اللّه، والدّاعي من فوق الصّراط واعظ اللّه في قلب كلّ مسلمٍ».
وهكذا رواه ابن أبي حاتمٍ، وابن جريرٍ من حديث اللّيث بن سعدٍ به. ورواه التّرمذيّ والنّسائيّ جميعًا، عن عليّ بن حجرٍ عن بقيّة، عن بجير بن سعدٍ، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفيرٍ، عن النّوّاس بن سمعان، به.
وهو إسنادٌ صحيحٌ، واللّه أعلم.
وقال مجاهدٌ: {اهدنا الصّراط المستقيم}، قال: «الحقّ». وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدّم.
وروى ابن أبي حاتمٍ وابن جريرٍ، من حديث أبي النّضر هاشم بن القاسم؛ حدّثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي العالية: {اهدنا الصّراط المستقيم}قال: «هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وصاحباه من بعده»، قال عاصمٌ: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: «صدق أبو العالية ونصح».
وكلّ هذه الأقوال صحيحةٌ، وهي متلازمةٌ، فإنّ من اتّبع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، واقتدى باللّذين من بعده أبي بكرٍ وعمر، فقد اتّبع الحقّ، ومن اتّبع الحقّ فقد اتّبع الإسلام، ومن اتّبع الإسلام فقد اتّبع القرآن، وهو كتاب اللّه وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلّها صحيحةٌ يصدّق بعضها بعضًا، وللّه الحمد.
وقال الطّبرانيّ: حدّثنا محمّد بن الفضل السّقطيّ، حدّثنا إبراهيم بن مهديٍّ المصّيصي، حدّثنا يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عبد اللّه، قال: «الصّراط المستقيم الّذي تركنا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم».
). [تفسير ابن كثير: 1/ 136-139]
9: فائدة وصف الصراط بالمستقيم :
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى غاية الفلاح، ودخول الجنة(.). [المحرر الوجيز: 1 /84-88]
10: المقصود بـالذين أنعم الله عليهم :
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): ({صراط الّذين أنعمت عليهم}يعني: الأنبياء والمؤمنين). [تفسير غريب القرآن: 38]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) وذلك نظير ما قال ربّنا جلّ ثناؤه في تنزيله: {ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا وإذًا لآتيناهم من لدنّا أجرًا عظيمًا ولهديناهم صراطًا مستقيمًا ومن يطع اللّه والرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين}.
قال أبو جعفرٍ:فالّذي أمر محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته أن يسألوا ربّهم من الهداية للطّريق المستقيم، هي الهداية للطّريق الّذي وصف اللّه جلّ ثناؤه صفته. وذلك الطّريق هو طريق الّذين وصفهم اللّه بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سلكه فاستقام فيه طائعًا للّه ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، أن يورده مواردهم، واللّه لا يخلف الميعاد.
وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عبّاسٍ وغيره.
- حدّثنا محمّد بن العلاء، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: حدّثنا
بشر بن عمّارٍ، قال: حدّثنا أبو روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ:{صراط الّذين أنعمت عليهم}يقول: «طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، الّذين أطاعوك وعبدوك».
-وحدّثني أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال: أخبرنا عبيد اللّه بن موسى، عن أبي جعفرٍ، عن ربيعٍ: {صراط الّذين أنعمت عليهم}قال: «النّبيّون».
- وحدّثني القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: {أنعمت عليهم}قال: «المؤمنين».
- وحدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: قال وكيعٌ: «{أنعمت عليهم}المسلمين».
-وحدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبد الرّحمن بن زيدٍ في قول اللّه: {صراط الّذين أنعمت عليهم}قال: «النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه».) [جامع البيان: 1/؟؟؟]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): {قوله تعالى: {أنعمت عليهم}
الوجه الأول
-وبه عن ابن عبّاسٍ: قوله: {أنعمت عليهم}يقول: «الملائكة والنّبيّين والصّدّيقين والشّهداء الّذين أطاعوني وعبدوني».
يتبع