رد: قراءة فى كتاب الحب والعفاف
يقال، بناء على هذا المبدأ، إن الإنسان إذا تربى في بيئة تملأها السعادة فسيخرج فردا نافعا للمجتمع، وإن هذه البيئة ستساعد استعداداته الفطرية والطبيعية على الظهور والنمو والازدهار وكما يساهم نمو الاستعدادات في بهجة النفس ومنحها النشاط الكامل فإنه يحفظ التوازن الروحي للفرد فيبقى في حالة من الهدوء والطمأنينة، وينعكس هذا راحة تامة في المجتمع.. وبالعكس فإن كبت الاستعدادات عند الفرد سيولد ما لا حصر له من حالات القلق والاضطراب والإنحراف والجريمة في المجتمع"
والحقيقة أنه ليس بالضرورة أن ينتج المجتمع السعيد سعداء فأحيانا ما ينتج المجتمع الكافر مسلمين وهو ما نلاحظه من خروج معظم الرسل(ص) من المجتمعات الكافرة وأحيانا يخرج المجتمع المسلم كفار كما قال تعالى :
والذى قال لوالديه أف لكما أتعداننى أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين "
وتحدث عن أهمية التربية السليمة وعدم الكبت أو الانحلال فقال :
1 ـ أهمية تنمية الاستعدادات الفطرية
نعتقد، في خصوص تنمية الاستعددات الفطرية للإنسان، أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق أي عضو من أعضاء جسم الإنسان عبثا، ولم يوجد الاستعدادات الروحية عند الإنسان بدون فائدة فكما يجب على الإنسان المحافظة على أعضاء جسمه وتغذيتها بالغذاء المناسب كذلك فإن الاستعدادات الروحية يجب ضبطها وإعطاؤها الغذاء الكافي الذي يساعد على نموها ونحن لم نفترض، عن طريق الآثار والنتائج ضرورة تربية الاستعدادات الفطرية وعدم كبتها، بل معرفتنا بالله هي التي أرشدتنا لذلك الاستعدادات المذكورة والأضرار الناجمة عن كبتها، أوصى مفكرون- بالاعتماد على الدليل نفسه-، بحفظ أعضاء الجسم وصيانتها، وعدم إهمال القدرات النفسية المودعة عند الإنسان، فلا يوجد- بناء على ذلك- أي ترديد في ضرورة تربية الاستعدادات بصورة عامة، بل إن مفهوم كلمة "التربية" التي اختيرت منذ القدم لإيصال هذا القصد تعطي المعنى نفسه، فليس للتربية معنى غير المساعدة على النمو والنضج، ولذلك ليس بحثنا في هل نربي الاستعدادات أم نهملها
2 ـ الوسيلة الصحيحة لتربية الاستعدادات الفطرية
أ ـ الأخلاق الإسلامية وتطهير الوجدان
يعتقد بعض أصحاب النظرة الضيقة أن الأخلاق والتربية الإسلامية تقف في طريق النمو الطبيعي للاستعدادات الفطرية عند الإنسان، ويزعمون أنها مبنية على أساس منع هذه الاستعدادات وكبتها، ويجعلون من التعابير الإسلامية في مجال تهذيب النفس وإصلاحها ذريعة ودليلا لشن هجومهم هذا وقد جاء هذا التأكيد في القرآن الكريم بعد تكرار عبارة القسم، قال الله تعالى:"قد أفلح من زكاها"، أي أن الفلاح يكون من نصيب الذين يطهرون أنفسهم من كل دنس
ويفهم من هذه العبارة القرآنية:
أولا: احتمال تلوث وجدان الإنسان
لا يمكن إنكار أي واحد من هذه الأمور الثلاثة، كما لا توجد عقيدة أو طريقة لا ترى احتمال تلوث الوجدان عند الإنسان، أو لا توصي بضرورة تطهير النفس من ذلك التلوث ..
ب ـ القرآن الكريم والنفس البشرية
وصف القرآن الكريم النفس البشرية بأنها "لأمارة بالسوء"، بمعنى أنها تأمر صاحبها بالشر ..ولكن القرآن الكريم لا ينظر إلى طبيعة النفس الإنسانية من الأساس نظرة نرى أنها شريرة بالذات، بل يرى أن هذه الطبيعة تتمرد في ظروف خاصة ولأسباب وأعراض معينة ويصدر عنها الشر
ج ـ علل تمرد القوى النفسية
أثناء البحث عن علل تمرد القوى النفسية ينشأ السؤالان التاليان:
السؤال الأول: ما الدافع إلى التمرد؟
وثانيا: أن تطهير الوجدان من هذا التلوث يكون في يد الشخص نفسه
وثالثا: أن القرآن يوجب تطهير الوجدان من التلوث الحاصل فيه، ويرى أن سعادة الإنسان وفلاحه متوقفان على هذا التطهير
ما الذي يدفع القوى النفسية عند الإنسان إلى التمرد والفوران؟
اكتفى أصحاب النظرة الضيقة، وبمقدار ما عرفوا أن الإسلام قد ذكر النفس البشرية بأنها"أمارة بالسوء"، بهذا القدر دليلا لاتهامهم الأخلاق والتربية الإسلامية بأنها تسيئ الظن بالاستعدادات الفطرية والمصادر الطبيعية للوجود البشري..
من الواضح خطأ هذا التصور وإن كان الإسلام قد ذكر حقيقة أن النفس البشرية "أمارة بالسوء" ولكنه سماها في مكان آخر بـ "النفس اللوامة" أي أنها تلوم صاحبها عند ارتكابه الشر، كما وصفها في مكان ثالث بأنها"النفس المطمئنة" أي التي وصلت إلى مرحلة الهدوء والكمال
وعلى هذا الأساس فالإسلام لا يرى شرا ذاتيا في طبيعة النفس الإنسانية، وفلسفته العملية لا تتبع طريقة القضاء على القوى النفسية أو على الأقل كبتها أو حبسها، كبقية الأنظمة الفلسفية أو التربوية
..اللافت للانتباه أن القرآن الكريم عند وصفه للنفس الإنسانية لم يطلق عليها "داعية السوء" بل قال عنها إنها"أمارة بالسوء"، وهو يريد بهذا التعبير أن يبين أن العواطف والمشاعر النفسية عند الإنسان إذا تمردت لا تدفعه إلى الجريمة والأعمال الانحرافية بل تتحكم فيه كسلطة ديكتاتورية مستبدة .."
والرجل هنا يقرر أن الإنسان قد تتبدل أحواله ما بين أمر بالسوء إلى لوم إلى طمأنينة وهو كلام صحيح فالمرجع فى المبدأ والمنتهى إلى مشيئته كما قال :
" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"
وتحدث عن كيفية إعادة التوازن للنفس فقال :
"السؤال الثاني: كيف نعود إلى التوازن؟
ما هو السبيل إلى إعادة الهدوء لهذه القوى وإرجاعها إلى التوازن؟
يمكن أن يطرح سؤال نابع من طريقة خاصة في فهم الدين، وهو: لو كانت الأخلاق الإسلامية ترى أن الاستعدادات الطبيعية للإنسان يجب أن لا تمس بسوء، فما هو معنى قتل النفس، أو إماتتها، هذا التعبير الذي يرد أحيانا في المحافل الدينية أو على الأقل على لسان معلمي الأخلاق الإسلامية؟ ماذا يعني هذا التعبير وأي مفهوم فيه؟
والجواب على هذا السؤال هو أن الإسلام لا يدعو إلى إبادة الطبيعة النفسية أو الاستعداد الفطري، بل يأمر بالقضاء على النفس الأمارة بالسوء وكما أسلفنا فإن النفس الأمارة بالسوء تمثل الاضطراب والفوضى ونوعا من التمرد والعدوان اللذين يظهران على وجدان الإنسان لأسباب معينة، فقتل النفس الأمارة بالسوء ليس معناه إلا إطفاء نار الفتنة والتمرد في القوى والاستعدادات النفسية .."
بالقطع المطلوب هو ما سماه الله نهى النفس عن الهوى فالله لا يطالب بإماتة النفس بمعنى قتلها أو القضاء عليها وإنما أن تتبع أحكام الله المنظمة لكل العلاقات بما يضمن طمأنينة الإنسان
وتحدث عن أضرار الكبت فقال :
"المبدأ الثالث: مبدأ أضرار الكبت
1 ـ الشعور بالحرمان أسهل الطرق للأمراض النفسية
يعتقد الكثير من علماء النفس أن جذور الأمراض النفسية والعصبية والاجتماعية تعود إلى الشعور بالحرمان وبالأخص في دائرة الأمور الغرائزية والجنسية ..والسؤال المطروح: إذا كان الفضل يعود إلى علماء النفس في الكشف عن هذه الأضرار فلماذا لم تتم الاستفادة من هذا المبدأ وبالتالي العمل على اجتثاث العديد من الأمراض التي تعاني منها البشرية؟
الجواب: إن تعقيدات المسائل النفسية وتعدد جوانبها من جهة، وعلاقة الموضوع بميول الإنسان التي تتدخل بصورة أو بأخرى في إعماء البصيرة من جهة أخرى، لم تترك مع الأسف مجالا للاستفادة التامة من هذا المبدأ، بل ساهمت طريقتهم في التعامل معه في ظهور الخلافات بينهم وزيادة ما يكبت الغرائز وإيجاد الآثار النفسية والاجتماعية الخطيرة الناجمة عن هذا الكبت
...والغريب أن عبادة الشهوة التي كانت تعتبر منافية للأخلاق وعنصرا للإخلال في الهدوء الروحي، أصبحت ذات معنى آخر مع تبدل القيم، وأضحت مخالفة الشهوة والتزام العفة والتقوى وقبول الحدود والقيود الاجتماعية عوامل من شأنها إفساد الهدوء الروحي والإخلال بالنظام الاجتماعي وعلى وقع هذه الأمور أخذت تتعالى الصيحات لرفع القيود والحدود باعتبار أن ذلك يساعد في قلع جذور العدوان، وارتفعت نداءات نبذ العفة، بدعوى أن نبذ العفة يؤدي إلى استقرار النظام في المجتمع
..هل زالت الأمراض النفسية؟ وهل حل الهدوء الروحي مكان الاضطراب والرعب؟
في الواقع كانت النتيجة عكسية، حيث أضيف شقاء جديد إلى شقاء الإنسانية، فأدى ذلك إلى تخلي بعض دعاة الحرية الجنسية عن أقواله متذرعا بالتفسير والتأويل والإدعاء بأن لا مفر من قبول الحدود الاجتماعية والإذعان بعدم إمكانية إشباع الغريزة بصورة كاملة، وأنه لا مناص من صرف الذهن إلى قضايا الفن والفكر وترويض الغريزة حتى تهتدي إلى هذه الأمور"
إذا الكبت والانحلال كلاهما ضاران بالنفس والجسد فالكبت هو فى الغالب نتاج الفقر وأما الانحلال فهو نتاج الغنى فى الغالب فالغنى الذى يعيش على أخذ أموال الآخرين بأى صورة من الصورة نتيجة فراغه الوقتى يقضى وقته فى التحلل سواء جنسيا أو فى احتساء الأطعمة والمشروبات المحرمة أو فى ممارسة أفعال أخرى كالقمار ونتيجة إدمانه لتلك الأمور يصاب بما يجعله فى كثير من الأحيان عاجز جنسيا أو عاجز عن تناول أطعمة معينة ... وهو ما حكاه دى ساد فى رواياته عن انحلال الطبقة الغنية ومن أجل هذا وصفوه بأنه شاذ مع أنهم كانوا هم الشاذين وهو يصف من عجزوا جنسيا بسبب إدمانهم للانحلال بانهم وجدوا لذاتهم فى تعذيب الأخرين والأخريات بالجلد والربط فى الأسرة وأحيانا بممارسة الجنس مع بناتهم وقريباتهم أو إرادتهم تقطيع أجسامهم بحجة العلم ..
وتحدث عن أضرار الرؤية الفاسدة فى المجتمعات المعاصرة فقال :
2 ـ الثورة الفكرية والغريزة البشرية
أدت الأخلاق التي دعا إليها الكثير من مفكري الغرب إلى اضطراب الغرائز والميول، فبرزت ظواهر اجتماعية خاصة نحن نشاهد بأم العين أن شباب اليوم يتهربون من الزواج بشكل ظاهر، كما أن قضايا الحمل والإنجاب بدأت تثير اشمئزاز المرأة، وأصبحت النساء لا تعير اهتماما كبيرا لإدارة شؤون البيت، حتى أضحت حالات الزواج التي يتوفر فيها الاندماج الروحي بين الزوجين نادرة وقليلة إن ظهور هذه الحالات نابع مما يطلق عليه اليوم "الثورة الفكرية"، وهناك أشخاص معدودون يتحملون وزر هذا الشقاء الذي تعاني منه البشرية
إن ما يميز الإنسان عن الحيوانات صنفين من الميول والأماني التي تكون عند البشر فقط وهما الأماني الصادقة والأماني الكاذبة والأماني الصادقة تعبر عن الطبيعة الفطرية للفرد، فهو يمتلك ميولا طبيعية تدفعه نحو حماية ذاته وميولا لكسب القوة والسيطرة وتنمية الأمور الجنسية والأكل وما شابه ذلك ولكل واحد من هذه الميول حكمة خاصة به
إن هذه الأمور كلها محدودة ولكنها تصلح لأن تكون أرضية لأمنية كاذبة فالميل والرغبة إلى أنواع الطعام عند الإنسان مشهودة ومعروفة للجميع
وتظهر الأمنية الكاذبة في بعض الميول والغرائز ومنها الغريزة الجنسية على شكل عطش أو نهم روحي فلا تعرف طريقا للقناعة والانتهاء وفي حين يمكن اشباع الغريزة الطبيعية يستحيل ذلك في الأمنية الكاذبة وبالأخص إذا كانت على صورة عطش أو نهم روحي"
وهناك نكتة تسخر من الشذوذ لأن المدمنين عليها جربوا فيه كل شىء ولم يتبق لهم سوى ما قالته النكتة وهو أن شاذين ملوا من ركوب أحدهما الأخر فقال أحدهم للأخر أريدك أن تنكحنى فى خرم قضيبى
إذا الانحلال يفضى فى النهاية إما إلى العجز أو الملل ومن ثم ينتحر بعضهم نتيجة عدم وجود شىء جديد فى العلاقة المحرمة
وتحدث مطهرى عن الفرق بين شهوة الحيوان والإنسان فقال :
3 ـ الفارق بين الإنسان والموجودات الأخرى
إن الخطأ الذي ارتكبه أصحاب الأخلاق الحرة بهدف الحد من كبت الغرائز وتنمية الاستعدادات أنهم تجاهلوا الفرق بين الإنسان والحيوان، ولم يلتفتوا إلى أن الميل اللامتناهي متأصل في طبع الإنسان،
إذا قلنا أن الإنسان محدود في حاجته إلى الغرائز والتسلط والتملك والجنس أو إنه قابل للاشباع، فنكون بذلك قد نفينا الحاجة إلى كل هذه القوانين الموضوعة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، لأن محدودية الغرائز وإمكان اشباعها لا تخلق دافعا لتجاوز الحد والذهاب إلى ما بعد حالة الاشباع"
إذا عيشة الإنسان عيشة الحيوانات تؤدى به إلى مضار جسدية أو مضار نفسية تجعله يدرك وجود حد لكل شىء وأنه لابد من العودة للحق إن كان يريد إيقاف الأضرار
وتحدث عن الحب والعفاف فقال :
المبحث الرابع: الحب والعفاف
1 ـ واقعية الميول والرغبات
ويتبين من خلال دراسة أنواع الأخلاق وجود علاقة بين الأخلاق الجنسية والغريزة الجنسية وأن جميع أنواع الأخلاق تتفق في الحاجة إلى الحرية من جهة والانضباط الصارم من جهة أخرى
2 ـ ظاهرة الحب عند المفكرين
تحدث "ابن سينا" عن "الحب" في أطروحة خاصة ورأى الحكماء أن "الحب" يجري في كل شيء وقالوا إن حب الإنسان للإنسان ظاهرة تتجلى فيها تلك الحقيقة الكلية
وذكر الشعراء والأدباء "الحب" بألفاظ التمجيد والمديح وذهبوا أبعد من ذلك بترجيح الحب على العقل عند المقارنة بينهما ويشهد بذلك قسم كبير من أدبنا بصورة عامة
إن "الحب" الذي أصبح موضع التمجيد ووصف بأنه خارج عن مقولة "الشهوة" ليس هو "الحب" الإلهي فقط، بل اعتبر حب الإنسان للإنسان في بعض أشكاله شيئا ساميا لا يمت إلى مقولة "الشهوة" بصلة أيضا
وهناك من يعتقد بالإضافة إلى ما ذكر أن "الحب" ما هو إلا نوع من الغليان الجنسي فلا يؤمن هؤلاء بقداسة الحب ولا يحبذون استخدامه فيما يخص علاقة الفرد بالله تعالى
يعتقد بعض المفكرين المعاصرين أن منشأ كل حب يكمن في أمر جنسي إلا أنه يتلبس بقالب روحي معنوي ويدعي هؤلاء أن "الحب" ثنائي الجانب من حيث الحالة والشكل والهدف والنتائج، ولا يرون أي غرابة في أن يأخذ أمر مادي قالبا وشكلا معنويا، حيث لا جدار يفصل بين الماديات والمعنويات
والواقع أنه سواء كانت للحب جذور غير جنسية أم لم تكن، وسواء كان باستطاعته التلبس بلباس معنوي وروحي، أم لم يكن، فإنه لا يمكن الترديد بأن الحب من حيث نتائجه النفسية والاجتماعية وما يحدثه من تغييرات عند الإنسان أو في مجال تأثيره في خلق الابداعات، يختلف كثيرا عن تلك الغريزة الشهوانية الحيوانية البسيطة التي لا هدف لها سوى أن تجد من يشبعها ويرضيها
3 ـ حقيقة الحب
إن "الحب" عبارة عن زوال الأنانية، ..ولهذا السبب أطلقوا على الحب أسماء "المربي" و"المعلم" و"الملهم" و"الكيمياء"
وجد "الحب" الكثير من التمجيد والمديح في الغرب والشرق، ولكن الفرق هو في أن الغربيين مجدوه لما فيه من حلاوة ولذة أثناء الوصال، أو ربما لأنه يقضي على الأنانية الفردية التي طالما عكرت صفو الحياة، وسببت العزلة الروحية لصاحبها
أما الشرقيون فكان تمجيدهم للحب بسبب ما يتصف به من مرغوبية وقدسية تفيض منها الروح الشخصية والعظمة، كما أنه الملهم والكيمياء، وهو عنصر يكمل الشخصية ويهبها النقاء والصفاء ولم يمجد الروح الإنسانية بالرقة واللطافة يعتقد الشرقيون أن: لو كان حب الإنسان للإنسان مقدمة لشيء، فهو مقدمة لمحبوب أسمى وأرفع من الإنسان ولو كان مقدمة لإتحاد روحين، فمقدمة الإتحاد توصل إلى حقيقة أسمى مما يسعه الأفق الإنساني
والخلاصة أن الشرقيين والغربيين اختلفوا في نظرتهم إلى "الحب"
4 ـ العلاقة بين الحب والدين
جرت العادة على القول إن ثمة عداء بين الدين"والحب" ويتجلى هذا العداء عند القول إنه: طالما ينظر الدين إلى "الحب" على أنه والشهوة شيء واحد، وينظر إلى الشهوة على أنها شيء خبيث ذاتيا، فالدين بالنتيجة يرى "الحب" شيئا خبيثا أيضا
..يحترم الإسلام ويقدر "الحب الصادق" القائم بين زوجين، بل يؤكد على ضرورته في المحيط العائلي كما أنه يوصي بتدابير في سبيل تحقيق الاندماج الروحي وتقويته وتعزيزه ووحدة المشاعر بين الزوجين بشكل كبير
والنقطة التي لم نغفلها هنا هي أن سبب إبداء بعض معلمي الأخلاق معارضتهم للحب عبر نظرتهم للأخلاق، أو اعتبارهم إياه أمرا غير أخلاقي، السبب هو ذلك التنافر الموجود بين الحب والعقل، فالحب يحوي قوة ونفوذا عظيمين بحيث يشل حال سيطرته على شخص معين سلطة العقل لديه والعقل قوة مطيعة للقانون والنظام
5 ـ العلاقة بين الحب والعفاف
إن الحب الذي يبعث النشاط في ذهن صاحبه ويركز قواه النفسية في شيء واحد هو المحبوب فقط، وتتفتح لديه آفاق الخيال فيصور المحبوب في ذهنه بصورة هو يرغبها ويريدها ولا تمت إلى الصورة الحقيقة للمحبوب بصلة، هذا الحب هو الذي يهب الفرد القدرة على الإبداع والتفنن والابتكار وخلق الأفكار السامية
6 ـ عوامل إضفاء الصفاء على الحياة الزوجية
أما العوامل الرئيسية التي توفر الصفاء والنقاء والوفاء في الحياة الزوجية فتبدأ من تحمل الرجل نفقات المرأة وإشراكها بصورة عملية في أمواله والأهم من ذلك تأمين غريزة الاستمتاع في محيط الزوجية، وتميز المحيط الكبير للمجتمع بالعمل والنشاط وإن التدابير التي أوصى بها الإسلام في شأن الحياة الزوجية وفي كل علاقة بين زوجين، كانت السبب في انتشار مثل هذه العلاقات الصادقة من الحب والصفاء والود بصورة كبيرة في المجتمع الإسلامي، وعلى عكس ما هي عليه البيئة الأوروبية اليوم
يذكر القرآن الكريم لنا في إحدى آياته أن العلاقة الزوجية علامة من العلامات الدالة على وجود الله، ويقرن هذا الذكر بعبارتي المودة والرحمة، وكما نعرف فإن: "المودة والرحمة" تختلفان عن الشهوة والميل الطبيعي، فتقول الآية الكريمة:"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"
ويصف "ويل ديورانت" هذا الصفاء والإخلاص اللذين يدومان حتى بعد خمود الشهوة فيقول "إن الحب لا يصل إلى مرتبة الكمال إلا عندما يعمل بحرارته وتأثيره المرغوب على تخفيف المعاناة من حالة العزلة والشيخوخة والاقتراب من ساعة الموت والذين يصفون الحب بالميول والرغبة إنما ينظرون إلى منشأ الحب وشكله فقط إن روح الحب ستبقى مع المحبين حتى بعد زوال الجسد المادي، وفي الأيام الأخيرة للعمر إذ تتعلق القلوب الشائخة بعضها ببعض ويصل الجسم الجائع إلى كماله بصورة معنوية يرة للدهشة"
ومع الفارق الموجود بين رأي الإسلام في الحب والعفاف ورأي "ويل ديورانت" إلا أن الحب عند "ديورانت" يتميز بالهجران وفي الإسلام بالوصال"
وهذا المبحث فيه تلخيص جميل لنظريات الحب والحب فى حقيقته يختلف فى كل حالة فمثلا الحب بين المرأة والرجل قبل الزواج لا يعدو أن يكون انشغالا نفسيا نتيجة الاعجاب المتبادل حيث يتخيل كل طرف أن الطرف ألأخر مثالى يتصف بكل الصفات الحسنة عنده والتى قد تختلف من فرد إلى أخر فمثلا المسلم والمسلمة يتصفان بالأخلاق الحميدة وأما الفاجران فيحبان صفات الفجر فيهما وأما الحب بعد الزواج فهو ما يسمح بقضاء الشهوة وعمل كل طرف على راحة الأخر
وأما حب الله أو حب الأخ أو الأحت أو الأب أو الأم فكل منهم حب مختلف يتفقون فى طاعة المحبوب ومساعدته عدل الحب الإلهى فهو طاعة الله فقط
|