الطلاق
حكمته وأسبابه وأحكامه
نزيه حرفوش
الطلاق باتفاق الطرفين الخلع
أولا: : تعريف الخلع: هو فُرْقة بين الزوجين بعوض بلفظ طلاق أو خلع، كقول الرجل للمرأة: طلقتك أو خالعتك على كذا، فتقبل.
ثانيا:مشروعيته: وقد دل الكتاب والسنة على مشروعية الخلع بين الزوجة وزوجها, فأما الكتاب فقد قال الله سبحانه﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾[البقرة229], وقال تعالى﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾[النساء:4]
وقال تعالى﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ [النساء128]
وأما في السنة :ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس :أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه و سلم فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام ,فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أتردين عليه حديقته ) قالت نعم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ِإقْبًل الحديقة وطلقها تطليقه ).( )
ثالثا:الحكمة من تقرير نظام الخلع:
جعل الله سبحانه وتعالى الأصل في العلاقة الزوجية أن تكون مبنية بين الزوجين على المودة والرحمة ﴿وجعل بينكم مودة﴾, [ الروم: ٢١ ], وأن يكون الحب عنوان الحياة الزوجية في ظل نظام إسلامي متكامل , فإذا ما حصل شقاق بين الزوجين تكون المرأة هي المتسببة في هذا الشقاق الذي ربما يأتي على كيان الأسرة فيهزها من قواعدها, جعل الطلاق في يد الرجل ليختار أهون الضررين بدون شطط أو تعسف , وليكون الطلاق حلا لمشكلة لا أن يكون مشكلة تفرخ أزمات ومشاكل ومصائب , وخاصة في ظل تعقد أمور الحياة وزيادة متطلباتها.
وإن كان الرجل هو مصدر الشقاق ومنبع المشاكل,التي تحول الحياة الأسرية جحيما لا يطاق وناراً لا تخمد ,-وقد لا تفلح دواعي الإصلاح ولا تجدي- ومن ثم لا يكون هناك مفر من إنهاء العلاقة الزوجية, أو يقع الكره من الزوجة لزوجها ,فتكره الحياة معه وتريد الخلاص منه ,لذلك فقد أعطى الإسلام للمرأة حق التخلص من الرجل بأن مكنها من المخالعة ,على أن تؤدي للرجل شيئا يتفق عليه من المهر كاملا أو جزئيا كما صرحت بذلك الآية الكريمة﴿ الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتينتموهن شيئاً إلا أن يخافا حدود الله فإن خفتم حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به , تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأؤلئك هم الظالمون﴾
ٍ
فالخلع يؤدى إلى تطليق يسترد به الزوج ما دفعه، ويرفع عن كاهله عبء أداء أي من الحقوق المالية الشرعية للزوجة من بعد ذلك، فيزول عنه بذلك أي ضرر، مما يجعل إمساكه للزوجة بعد أن تقرر مخا لعته إضراراً خالصاً بها، والقاعدة الشرعية تقول :لا ضرر ولاضرار.
كما أن الخلع يعفي الزوجة إن ضاق بها الحال من إشاعة أسرار حياتها الزوجية, وقد يحول الحياء بينهما وبين أن تفعل ,وقد تكون قادرة على أن تفعل ولكنها تأبى لأنها ترى في هذه الأسرار ما يؤذى أولادها في أبيهم، وخاصة حين يسجل ما تبوح به في أحكام قضائية وكل ذلك مع تقرير الأصل الشرعي في الخلع وهو التراضي عليه بين الزوجين, وهذا فيه من الستر ما لا يخفى على ذي لب منصف .
وهذا من عدل الإسلام ودقة منهجيته في التعامل مع الأزمات الأسرية , وفي النظر إلى حقوق
وواجبات كل من الزوجين وحقوق ومستقبل الأطفال في ظل ما حصل من مشاكل بين الزوجين
لسبب أو لآخر,كما هو رد على أدعياء ظلم المرأة المسلمة وامتهانها وتحكم الرجل بمقدرات حياتها , فكما أعطى للرجل حق الطلاق مقابل أن يدفع لزوجته كل مهرها مقدمه ومؤخره , كذلك قرر للمرأة حق الخلع على أن ترد للزوج ما أعطاها من مهر.
إذا ما حصل خلاف ونفر الزوج من زوجته وأراد أن يطلقها فإنه يضيق عليها , ويعاشرها معاشرة سيئة حتى تفتدي نفسها منه , فتلجأ الزوجة إلى المخالعة لتتخلص من ضرره وإساءته, ويساعد في ذلك أيضا التباطؤ في فصل دعاوى الطلاق المرفوعة من قبل الزوجة, حيث تمتد أشهرا وربما سنين فتضطر الزوجة إلى قبول المخالعة وهي مكرهة على ذلك ,وإنما تريد التخلص بأي ثمن , فربما تزوج زوجها ثانية وتركها تحت رحمة مماطلة القضاء وتسويفاته, تذوق كؤوس الحرمان والمعاناة طيلة فترة المحاكمة فلا هي زوجة ولا هي مطلقة يقصدها الخطاب .
وفي مثل هذه الحالات -وإن تم الخلع- إلا أنه لا يحل له أخذ شيء منها عند الحنفية والحنابلة والشافعية لقوله تعالى ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ [البقرة: ٢٣١ ], وقوله سبحانه ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ [النساء: ١٩ ] هذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة، ولأنه إضرار بها، والضرر حرام، لقوله عليه الصلاة والسلاملا ضرر ولا ضرار) ( )
وكذلك قال المالكية: لا يحل له أخذ شيء من الزوجة في حالة الإضرار، ولو أخذ شيئاً وجب عليه أن يرده إليها.