عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-03-2023, 11:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,035
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله


كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد السادس

الحلقة (235)
صــــــــــ 7 الى صـــــــــــ 13



(قال الشافعي): فإذا سعر النار على وجه الأرض فألقاه فيها وهو زمن أو صغير فكذلك وإن ألقاه فيها صحيحا فكان يحيط العلم أنه يستطيع أن يتخلص منها فترك التخلص فمات فلا قود وإن عالج التخلص فغلبه كثرتها أو التهابها، ففيه القود، وكذلك إن ألقي فيها فلم يزل يتحرك يعالج الخروج فلم يخرج حتى مات أو أخرج وبه منها حرق، الأغلب أنه لا يعاش منه فمات منه ففيه القود وإن كان بعض هذا وهو يقدر على التخلص بأن يكون إلى جنب أرض لا نار عليها فإنما يكفيه أن ينقلب فيصير عليها أو يقول أقمت وأنا على التخلص قادر أو ما أشبه هذا مما عليه الدلالة بأنه يقدر على التخلص لم يكن فيه عقل ولا قود وقد قيل: يكون فيه العقل.

وإن ألقاه في ماء قريب من ساحل وهو يحسن العوم ولم تغلبه جرية الماء فمات فلا قود وإن كان لا يحسن العوم وألقاه قريبا من نجوة أرض أو جبل أو سفينة مقيمة وهو يحسن العوم فترك التخلص فلا قود وإن ألقاه في ماء لا يتخلص في الأغلب منه فمات فعليه القود، ولو كان الأغلب أنه يتخلص منه فأخذه حوت فلا قود وعليه العقل (قال أبو محمد) وقد قيل: يتخلص أو لا يتخلص سواء أن لا قود عليه وعليه العقل.

(قال الربيع) وأصح القولين أن لا عقل في النفس ولا قود؛ لأنه هو الذي قتل نفسه إذا كان يقدر أن يتخلص فيسلم من الموت فترك التخلص وعلى الطارح أرش ما أحرقت النار منه أول ما طرح قبل أن يمكنه التخلص.
(قال الشافعي): وإن خنقه فتابع عليه الخنق حتى يقتله ففيه القود.
، وكذلك إن غمه بثوب أو غيره فتابع عليه الغم حتى يموت ففيه القود، وإن تركه حيا، ثم مات بعد فلا قود إلا أن يكون الخنق أو الغم قد أورثه ما لا يجري معه نفسه فيموت من ذلك ففيه القود (قال الربيع) وقد قيل يتخلص أو لا يتخلص أن لا قود عليه وعليه العقل؛ لأنه لم يمت من اليد.
(قال الشافعي): وجماع هذا أن ينظر إلى من قتل بشيء مما وصفت غير السلاح المحدد فإن كان الأغلب أن من نيل منه يقتله ويقتل مثله في مثل سنه وصحته وقوته أو حاله إن كانت مخالفة لذلك قتلا وحيا كقتل السلاح أو أوحى ففيه القود. وإن كان الأغلب أن من نيل منه بمثل ما نيل منه يسلم ولا يأتي ذلك على نفسه فلا قود فيه.
(قال الشافعي): وضرب القليل على الخاصرة يقتل في الأغلب ولا يقتل مثله لو كان في ظهر أو أليتين أو فخذين أو رجلين والضرب القليل يقتل النضو الخلق الضعيفة في الأغلب والأغلب أن لا يقتل قويه، ويقتل في الأغلب في البرد الشديد والحر الشديد ولا يقتل في الأغلب في غيرهما.
(قال الشافعي): فمن نال من امرئ شيئا فأنظر إليه في الوقت الذي ناله فيه فإن كان الأغلب أن ما ناله به يقتله ففيه القود، وإن كان الأغلب أن ما ناله به لا يقتله فلا قود فيه.
(قال الشافعي): وإن طين رجل على رجل بيتا ولم يدعه يصل إليه طعام ولا شراب أياما حتى مات أو حبسه في موضع وإن لم يطين عليه ومنعه الطعام أو الشراب مدة الأغلب من مثلها أنه يقتله فمات قتل به وإن مات في مدة الأغلب أنه يعيش من مثلها ففيها العقل ولا قود فيه.
(قال الشافعي): فإن حبسه فجاءه بطعام أو شراب ومنعه الطعام فلم يشربه حتى مات ولم تأت عليه مدة يموت أحد منع الطعام في مثلها

فلا عقل ولا قود؛ لأنه ترك أن يشرب فأعان على نفسه ولم يمنعه الطعام مدة الأغلب أنه يموت أحد منعها الطعام، ولو كانت المدة التي منعه فيها الطعام مدة الأغلب أنه يموت أحد من مثلها قتل به وإن كان الأغلب أنه لا يمات من مثلها ضمن العقل.
(قال الشافعي): وإذا أقدته بما صنع به حبس ومنع كما حبسه ومنعه فإن مات في تلك المدة وإلا قتل بالسيف.

باب العمد فيما دون النفس
(قال الشافعي): - رحمه الله -: وما دون النفس مخالف للنفس في بعض أمره في العمد فلو عمد رجل عين رجل بأصبعه ففقأها كان فيها القصاص؛ لأن الأصبع تأتي فيها على ما يأتي عليه السلاح في النفس، وربما جاءت على أكثر وهكذا لو أدخل الرجل أصبعه في عينه فاعتلت فلم تبرأ حتى ذهب بصرها أو انتجفت كان فيها القصاص.
(قال الشافعي): ولو لطمه لطمة في رأسه فورمت، ثم اتسعت حتى أوضحت لم يكن فيها قصاص؛ لأن الأغلب من اللطمة أنها قلما يكون منها هكذا فتكون في حكم الخطأ.
(قال الشافعي): ولو ضرب رأسه بحجر محدد أو حجر له ثقل غير محدد فأوضحه أو أدماه، ثم صارت موضحة كان فيها القود؛ لأن الأغلب مما وصفت من الحجارة أنها تصنع هذا، ولو كانت حصاة فرماه بها فورمت ثم أوضحت لم يكن فيها قصاص وكان فيها عقلها تاما؛ لأن الأغلب أنها لا تصنع هذا فعلى هذا ما دون النفس مما فيه القصاص كله ينظر إذا أصابه بالشيء فإن كان الأغلب أنه يصنع به مثل ما يصنع بشيء من الحديد في النفس فأصابه فيه ففيه القود، وإن كان الأغلب أنه لا يصنع ذلك إلا قليلا إن كان فلا قود فيه وفيه العقل وهذا على مثال ما يصنع في النفس في إثبات القصاص وتركه وأخذ العقل فيه
(قال الشافعي): وجماع معرفة قتل العمد من الخطأ أن يعمد الرجل إلى الرجل بالعصا الخفيفة، أو قال عصا في أليتيه أو بالسياط في ظهره - الضرب الذي الأغلب أنه لا يمات من مثله أو ما دون ذلك من اللطم والوجء والصك والضربة بالشراك وما أشبهها وكل هذا من العمد الخطأ الذي لا قود فيه وفيه العقل.
(قال الشافعي) أخبرنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» أخبرنا عبد الوهاب عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة بن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(قال الشافعي): فالدية في هذا على العاقلة من قبل أنه خطأ في القتل، وإن كان عمدا في الفعل يستطاع فيه القصاص ولا يكون فيه القصاص والدية في مضي ثلاث سنين.

(قال الشافعي): وهذا معنى ما وصفت من الضرب الذي الأغلب فيه أنه يعاش من مثله، ولم ألق أحدا من أهل الفقه والنظر يخالف في أن هذا معناه، فأما أن يشدخ الرجل رأس الرجل بالحجر أو يتابع عليه ضرب العصا أو السياط متابعة الأغلب أن مثله لا يعيش من مثلها فهذا أكبر من القتل بالضربة بالسكين والحديدة الخفيفة في الرأس واليد والرجل وأعجل قتلا وأحرى أن لا يعيش أحد منه في الظاهر. .

الحكم في قتل العمد
(قال الشافعي): - رحمه الله -: من العلم العام الذي لا اختلاف فيه بين أحد لقيته فحدثنيه وبلغني عنه من علماء العرب أنها كانت قبل نزول الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تباين في الفضل ويكون بينها ما يكون بين الجيران من قتل العمد والخطأ فكان بعضها يعرف لبعض الفضل في الديات حتى تكون دية الرجل الشريف أضعاف دية الرجل دونه، فأخذ بذلك بعض من بين أظهرها بأقصد مما كانت تأخذ به فكانت دية النضيري ضعف دية القرظي، وكان الشريف من العرب إذا قتل يجاوز قاتله إلى من لم يقتله من أشراف القبيلة التي قتله أحدها وربما لم يرضوا إلا بعدد يقتلونهم فقتل بعض غني شأس بن زهير فجمع عليهم أبوه زهير بن جذيمة فقالوا له أو بعض من ندب عنهم: سل في قتل شأس فقال: إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها، قالوا: وما هي؟ قال: تحيون لي شأسا أو تملئون ردائي من نجوم السماء أو تدفعون إلي غنيا بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت منه عوضا.
وقتل كليب وائل فاقتتلوا دهرا طويلا واعتزلهم بعضهم فأصابوا ابنا له يقال له بجير فأتاهم فقال: قد عرفتم عزلتي فبجير بكليب وكفوا عن الحرب فقالوا: بجير بشسع نعل كليب فقاتلهم وكان معتزلا.
(قال الشافعي): وقال: إنه نزل في ذلك وغيره مما كانوا يحكمون به في الجاهلية هذا الحكم الذي أحكيه كله بعد هذا وحكم الله تبارك وتعالى بالعدل فسوى في الحكم بين عباده الشريف منهم والوضيع {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} فقال: إن الإسلام نزل وبعض العرب يطلب بعضا بدماء وجراح فنزل فيهم {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} إلى قوله {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} الآية والآية التي بعدها: أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا معاذ بن موسى عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال معاذ قال مقاتل أخذت هذا التفسير عن نفر حفظ معاذ منهم مجاهدا والحسن والضحاك بن مزاحم قال في قوله {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} الآية.
(قال): كان كتب على أهل التوراة أنه من قتل نفسا بغير نفس حق له أن يقاد بها ولا يعفى عنه ولا تقبل منه الدية وفرض على أهل الإنجيل أن يعفى عنه ولا يقتل ورخص لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا فذلك قوله عز وجل {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} يقول: الدية تخفيف من الله إذ جعل الدية ولا يقتل، ثم قال {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} يقول: من قتل بعد أخذه الدية فله عذاب أليم. وقال في قوله {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} يقول: لكم في القصاص حياة ينتهي بعضكم عن بعض أن يصيب مخافة أن يقتل أخبرنا سفيان بن عيينة قال حدثنا عمرو بن دينار قال سمعت مجاهدا يقول سمعت ابن عباس يقول: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية فقال الله عز وجل لهذه الأمة {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء} قال العفو أن تقبل الدية في العمد {فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} مما كتب على من كان قبلكم {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}.
(قال الشافعي): وما قال ابن عباس في هذا كما قال والله سبحانه أعلم، وكذلك ما قال مقاتل؛ لأن الله عز وجل إذ ذكر القصاص، ثم

قال {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} لم يجز - والله أعلم - أن يقال: إن عفي بأن صولح على أخذ الدية؛ لأن العفو ترك حق بلا عوض. فلم يجز إلا أن يكون إن عفي عن القتل فإذا عفا لم يكن إليه سبيل وصار للعافي القتل مال في مال القاتل وهو دية قتيله فيتبعه بمعروف ويؤدي إليه القاتل بإحسان، فلو كان إذا عفا عن القاتل لم يكن له شيء لم يكن للعافي يتبعه ولا على القاتل شيء يؤديه بإحسان.
(وقال) وقد جاءت السنة مع بيان القرآن في مثل معنى القرآن أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال أخبرنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إن الله عز وجل حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا فإن ارتخص أحد فقال: أحلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس، وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ثم هي حرام كحرمتها بالأمس، ثم إنكم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل. من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل» (قال الشافعي): وأنزل الله جل ثناؤه {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل} فيقال - والله أعلم - في قوله {فلا يسرف في القتل} لا يقتل غير قاتله.
(قال الشافعي): في قوله تبارك وتعالى {كتب عليكم القصاص في القتلى} إنها خاصة في الحيين اللذين وصف مقاتل بن حيان وغيره ممن حكيت قوله في غير هذا الموضع، ثم أدبها أن يقتل الحر بالحر إذا قتله والأنثى بالأنثى إذا قتلها ولا يقتل غير قاتلها إبطالا لأن يجاوز القاتل إلى غيره إذا كان المقتول أفضل من القاتل كما وصفت ليس أنه لا يقتل ذكر بالأنثى إذا كانا حرين مسلمين ولا أنه لا يقتل حر بعبد من هذه الجهة إنما يترك قتله من جهة غيرها، وإذا كانت هكذا أشبه أن تكون لا تدل على أن لا يكون يقتل اثنان بواحد إذا كانا قاتلين.

(قال الشافعي): وهي عامة في أن الله عز ذكره أوجب بها القصاص إذا تكافأ دمان وإنما يتكافآن بالحرية والإسلام وعلى كل ما وصفت من عموم الآية وخصوصها دلالة من كتاب أو سنة أو إجماع.

(قال الشافعي): فأيما رجل قتل قتيلا فولي المقتول بالخيار إن شاء قتل القاتل وإن شاء أخذ منه الدية وإن شاء عفا عنه بلا دية.
(قال الشافعي): وإذا كان لولي المقتول أخذ المال وترك القصاص كره ذلك القاتل أو أحبه؛ لأن الله عز وجل إنما جعل السلطان للولي والسلطان على القاتل فكل وارث من زوجة أو غيرها سواء وليس لأحد من الأولياء أن يقتل حتى يجتمع جميع الورثة على القتل وينتظر غائبهم حتى يحضر أو يوكل وصغيرهم حتى يبلغ ويحبس القاتل إلى اجتماع غائبهم وبلوغ صغيرهم: فإن مات غائبهم أو صغيرهم أو بالغهم قبل اجتماعهم على القتل فلوارث الميت منهم في الدم والمال مثل ما كان للميت من أن يعفو أو يقتل.
(قال الشافعي): فإذا أخذ حقه من الدية فذلك له ولا سبيل له إلى الدم إذا أخذ الدية أو عفا بلا دية.
(قال الشافعي): ولو كان على المقتول دين وكانت له وصايا لم يكن لأهل الدين ولا الوصايا العوض في القتل إن أراد الورثة، فإن عفا الورثة وأخذوا الدية أو عفا أحدهم كانت الدية حينئذ مالا من ماله يكون أهل الدين أحق بها ولأهل الوصايا حقهم منها.
(قال الشافعي): ولو لم تختر الورثة القتل ولا المال حتى مات القاتل كانت لهم الدية في ماله يحاصون بها غرماءه كدين من دينه.
(قال الشافعي): ولو اختاروا القتل فمات القاتل قبل أن يقتل كانت لهم الدية في ماله؛ لأن المال إنما يبطل عنهم بأن يختاروا القتل ويقتلون فيكونون مستوفين لحقهم من أحد الوجهين، وكذلك لو قضى لهم بالقصاص بعد اختياره فمات المقضي عليه بالقصاص قبل أن يقتل كانت لهم الدية في ماله.
(قال الشافعي): ولو لم يمت القاتل ولكن رجل قتله خطأ فأخذت له

دية كانت الدية مالا من ماله لا يكون أهل القتيل الأول أحق بها من غرمائه كما لا يكونون أحق بما سواها من ماله ولهم الدية في ماله يكونون بها أسوة الغرماء (قال الشافعي): ولو جرحه رجل عمدا، ثم عفا المجروح عن الجرح وما حدث منه، ثم مات من ذلك الجرح لم يكن إلى قتل الجارح سبيل بأن المجروح قد عفا القتل فإن كان عفا عنه ليأخذ عقل الجرح أخذت منه الدية تامة؛ لأن الجرح قد صار نفسا وإن كان عفا عن العقل والقصاص في الجرح، ثم مات من الجرح فمن لم يجز الوصية للقاتل أبطل العفو وجعل الدية تامة للورثة؛ لأن هذه وصية للقاتل ومن أجاز الوصية للقاتل جعل عفوه عن الجرح وصية يضرب بها القاتل في الثلث مع أهل الوصايا وقال فيما زاد من الدية على عقل الجرح قولين أحدهما له مثل عقل الجرح؛ لأنه مال من ماله ملك عنه والآخر لا يجوز؛ لأنه لا يملك إلا بعد موته عنه.
(قال الشافعي): ولو قتل نفر رجلا عمدا كان لولي القتل أن يقتل في قول من قتل أكثر من واحد بواحد - أيهم أراد ويأخذ ممن أراد منهم الدية بقدر ما يلزمه منها كأنهم كانوا ثلاثة فعفا عن واحد فيأخذ من الاثنين ثلثي الدية أو يقتلهما إن شاء.
(قال الشافعي): وإذا كانوا نفرا فضربوه معا فمات من ضربهم، وأحدهم ضارب بحديدة والآخر بعصا خفيفة والآخر بحجر أو سوط فمات من ذلك كله وكلهم عامد للضرب فلا قصاص فيه من قبل أني لا أعلم بأي الضرب كان الموت وفي بعض الضرب ما لا قود فيه بحال وعلى العامد بالحديد حصته من الدية في ماله وعلى الآخرين حصتهما على عاقلتهما (قال الشافعي): وكذلك لو كان فيهم واحد رمى شيئا فأخطأ به فأصابه معهم كانت على جميع العامدين بالحديد - الدية في حصصهم في أموالهم حالة وعلى عاقلة المخطئ بالحديدة حصته من الدية كما تكون دية الخطأ (قال الشافعي): ولو عفا المقتول عن هؤلاء.
كلهم كان القول فيمن لا يجيز للقاتل وصية أو من يجيزها كما وصفت، وقال في الذي يشركهم بخطأ قولين: أحدهما أن الوصية للعاقلة لا للقاتل فجميع ما أصاب العاقلة من حصة صاحبهم من الدية وصية لهم جائزة من الثلث والآخر أن لا تجوز له وصية؛ لأنها لا تسقط عن العاقلة إلا بسقوطها عنه فهي وصية للقاتل.
(قال الربيع) القول الثاني أصح عندي.
(قال الشافعي): والقول في الرجل يجرح الرجل جرحا يكون في مثله قصاص فيبرأ المجروح منه أن للمجروح في جرحه مثل ما كان لأوليائه في قتله من الخيار فإن شاء استقاد من جرحه، وإن شاء أخذ عقل الجرح من مال الجارح حالا يكون غريما من الغرماء يحاص أهل الدين.
(قال الشافعي): وما أصابه من جرح عمدا لا قصاص فيه فعقله في مال الجارح حال.
(قال الشافعي): ولو جنى رجل على رجل جنايات كان له أن يستقيد مما أراد ويأخذ العقل مما أراد منها، وكذلك لو جنى عليه نفر كان له أن يستقيد من بعضهم ويأخذ من بعض العقل.
(قال الشافعي): ولو كان القاتل أو الجارح عبدا أو ذميا أو حرا مسلما كان لولي المقتول وللمجروح في نفسه على الجاني القصاص أو اختيار العقل من العبد والذمي فإن اختاروه أو اختاره فاقتصوا أو اقتص فلا شيء لهم غير القصاص فإن اختاروا أو اختار العقل فذلك في مال الذمي حال يكونون في ماله غرماء له وفي عتق العبد كاملا يباع فيه فإن بلغ العقل كاملا فذلك لولي الدم أو المجروح وإن لم يبلغ لم يلزم سيده منه شيء وإن زاد ثمن العبد على العقل رد إلى سيد العبد وإن شاء سيد العبد قبل هذا كله أن يؤدي عقل النفس أو الجرح متطوعا غير مجبور عليه لم يبع عليه عبده وقد أدى جميع ما في عنقه.
(قال الشافعي): ولو كان.

الجاني عبدا على عبد كان لسيد العبد الخيار في القصاص أو العقل وليس للعبد في ذلك خيار إن كانت الجناية جرحا برئ منه، وسواء كان العبد مرهونا أو غير مرهون إلا أنه إذا أخذ له عقلا وهو مرهون خير بين أن يدفع ما أخذ له من العقل رهنا إلى المرتهن أو يجعله قصاصا من دينه ولا يمنع القصاص قول المرتهن إنما جعلت عليه إذا أخذ العقل أن يجعله رهنا أو قصاصا؛ لأنه يقوم مقام بدن العبد إن مات أو نقص بدنه لنقص الجراح له وإن لم يمت وسواء هذا في المدبر وأم الولد لمالك المملوك في هذا كله فأما المكاتب فذلك إليه دون سيده يقتص إن شاء أو يأخذ الدية فإن أخذ الدية خلى بينه وبينها كما يخلى بينه وبين ماله.
(قال أبو محمد الربيع) وفي المكاتب يجنى عليه جناية فيها قصاص أنه ليس له أن يقتص من قبل أنه قد يعجز فيصير رقيقا فيكون قد أتلف على سيده المال الذي هو بدل من القصاص وله أن يأخذ العقل ويكون أولى به من السيد يستعين به في كتابته.
(قال الشافعي): وإذا اختار العقل في قتل العمد الذي فيه القصاص فهو حال في النفس وما دونها وكل عمد وإن كان ديات في مال الجاني موسرا كان أو معسرا لا تحمل العاقلة من قتل العمد شيئا.

(قال الشافعي): وإن أحب الولاة أو المجروح العفو في القتل بلا مال ولا قود فذلك لهم فإن قال قائل: فمن أين أخذت العفو في القتل بلا مال ولا قود؟ قيل من قول الله جل ثناؤه {فمن تصدق به فهو كفارة له} ومن الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن في العفو عن القصاص كفارة أو قال شيئا يرغب به في العفو عنه، فإن قال قائل فإنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا فالقود وإن أحبوا فالعقل» قيل له: نعم هو فيما يأخذون من القاتل من القتل، والعفو بالدية والعفو بلا واحد منهما ليس بأخذ من القاتل إنما هو ترك له كما قال «ومن وجد عين ماله عند معدم فهو أحق به» ليس أن ليس له تركه ولا ترك شيء يوجب له إنما يقال هو له، وكل ما قيل له أخذه فله تركه.
(قال الشافعي): وإذا قتل الرجل الرجل عمدا، ثم مات القاتل فالدية في مال القاتل؛ لأنه يكون لأولياء المقتول أن يأخذوا أيهما شاءوا إلا أن حقهم في واحد دون واحد فإذا فات واحد فحقهم ثابت في الذي كان حقهم فيه إن شاءوا وهو حي.
(قال الشافعي): وكذلك للرجل إذا جرحه الرجل الخيار في القصاص في الجرح فإن مات الجارح فله عقل الجرح إن شاء حالا كما وصفت في مال الجارح. (قال الشافعي): وسواء أي ميتة مات القاتل والجارح بقتل أو غيره فدية المقتول الأول، وجرحه في ماله.
فإن جرح رجل جراحات في كلها قصاص فللمجروح الخيار في كل جرح منها كما يكون في جرح واحد لو جرحه إياه وإن شاء اقتص من بعضها وأخذ الدية من بعضها وإن شاء ذلك في كلها فهو له (قال الشافعي): كأنه قطع يديه ورجليه وأوضحه فإن شاء قطع له يدا ورجلا وأخذ عقل يد ورجل وإن شاء أوضحه وإن شاء أخذ أرش الموضحة إذا كان له الخيار في كل كان له الخيار في بعض.
(قال الشافعي): وكذلك ورثة المقتول والمجروح بعد موته إن أحبوا اقتصوا للميت من النفس أو الجرح إن لم يكن نفسه وإن أحبوا أخذوا العقل وإن أحبوا إذا كانت جراح ولم يكن نفس أن يأخذوا أرش بعض الجراح ويقتصوا من بعض كان لهم.
(قال الشافعي): ومن قتل اثنين بواحد أو أكثر بواحد فقتل عشرة رجلا عمدا فلأولياء المقتول أن يقتلوا من شاءوا منهم وأن يأخذوا الدية ممن شاءوا فإذا أخذوا الدية لم يكن لهم أن يأخذوا من واحد إلا عشر الدية وإذا كانت الدية فإنما يغرمها الرجل على قدر من شركه فيها وهي خلاف القصاص.

(قال الشافعي): وإن قطع رجل يدي رجل ورجليه، ثم مات المقطوعة يداه ورجلاه من تلك الجراح فأراد ورثته القصاص كان لهم أن يصنعوا ما صنع بصاحبه وإن أرادوا أن يقتلوه ويأخذوا أرشا فيما صنع به لم يكن لهم وإذا كانت.

النفس فلا أرش للجراح لدخول الجراح في النفس ولهم أن يأخذوا دية النفس كلها ويدعوا القصاص.
(قال الشافعي): ولو أرادوا أن يقطعوا يديه ورجليه أو يديه دون رجليه أو بعض أطرافه التي قطع منه ويدعوا قتله كان ذلك لهم إذا قضيت لهم بأن يفعلوا ذلك ويقتلوه قضيت لهم بأن يفعلوا ذلك به ويدعوا قتله فإن قالوا نقطع يديه، ثم نأخذ منه دية أو بعضها لم يكن ذلك لهم وقيل إذا قطعتم يديه فقد أخذتم منه ما فيه الدية فلا يكون لكم عليه زيادة إلا القطع أو القتل فأما مال فلا ولو قطعوا له يدا أو رجلا ثم قالوا نأخذ نصف الدية كان لهم ذلك؛ لأنه لو قطع يديه فأرادوا أخذ القود من يد والأرش من أخرى كان لهم ذلك ولا يكون لهم ذلك حتى يبرأ.

(قال الشافعي): ولو كانت المسألة بحالها فجرحه جائفة مع قطع يديه ورجليه فمات فقال ورثته: نجرحه جائفة ونقتله لم يمنعوا ذلك، وإن أرادوا تركه بعدها تركوه ولو قالوا على الابتداء: نجرحه جائفة ولا نقتله لم يتركوا، وذلك أنهم إنما يتركون إذا قالوا نقتله بما يقاد منه في الجناية وأما ما لا يقاد منه فلا يتركون وإياه.
ولاة القصاص
(قال الشافعي): - رحمه الله - قال الله تعالى {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل} (قال الشافعي): فكان معلوما عند أهل العلم ممن خوطب بهذه الآية أن ولي المقتول من جعل الله تعالى له ميراثا منه وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا فالقود وإن أحبوا فالعقل» ولم يختلف المسلمون فيما علمته في أن العقل موروث كما يورث المال، وإذا كان هكذا فكل وارث ولي الدم كما كان لكل وارث ما جعل الله له من ميراث الميت زوجة كانت له أو ابنة أو أما أو ولدا أو والدا لا يخرج أحد منهم من ولاية الدم إذا كان لهم أن يكونوا بالدم مالا كما لا يخرجون من سواه من ماله.
(قال الشافعي): فإذا قتل رجل رجلا فلا سبيل إلى القصاص إلا بأن يجمع جميع ورثة الميت من كانوا وحيث كانوا على القصاص فإذا فعلوا فلهم القصاص وإذا كان على الميت دين ولا مال له أو كانت له وصايا كان للورثة القتل وإن كره أهل الدين والوصايا؛ لأنهم ليسوا من أوليائه وأن الورثة إن شاءوا ملكوا المال بسببه وإن شاءوا ملكوا القود، وكذلك إن شاءوا عفوا على غير مال ولا قود؛ لأن المال لا يملك بالعمد إلا بمشيئة الورثة أو بمشيئة المجني عليه إن كان حيا وإذا كان في ورثة المقتول صغار أو غيب لم يكن إلى القصاص سبيل حتى يحضر الغيب ويبلغ الصغار فإذا اجتمعوا على القصاص فذلك لهم وإذا كان في الورثة معتوه فلا سبيل إلى القصاص حتى يفيق أو يموت فتقوم ورثته مقامه وأي الورثة كان بالغا فعفا بمال أو بلا مال سقط القصاص وكان لمن بقي من الورثة حصته من الدية، وإذا سقط القصاص صارت لهم الدية.
(قال الشافعي): وإذا كان للدم وليان فحكم لهما بالقصاص أو لم يحكم حتى قال أحدهما: قد عفوت القتل لله أو قد عفوت عنه أو قد تركت الاقتصاص منه أو قال القاتل: اعف عني فقال قد عفوت عنك فقد بطل القصاص عنه وهو على حقه من الدية وإن أحب أن يأخذه به أخذه؛ لأن عفوه عن القصاص غير عفوه عن المال إنما هو عفو أحد الأمرين دون الآخر قال الله تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} يعني من عفي له

عن القصاص.

(قال الشافعي): ولو قال قد عفوت عنك القصاص والدية لم يكن له قصاص ولم يكن له نصيب من الدية ولو قال قد عفوت ما لزمك لي لم يكن هذا عفوا للدية وكان عفوا للقصاص وإنما كان عفوا للقصاص دون المال ولم يكن عفوا للمال دون القصاص ولا لهما؛ لأن الله عز وجل حكم بالقصاص، ثم قال {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} فاعلم أن العفو مطلقا إنما هو ترك القصاص؛ لأنه أعظم الأمرين وحكم بأن يتبع بالمعروف يؤدي إليه المعفو له بإحسان وقوله ما يلزمك لي على القصاص اللازم كان له وهو محكوم عليه إذا عفي له عن القصاص بأن يؤدي إليه الدية حتى يعفوها صاحبها ولو قال قد عفوت عنك الدية لم يكن هذا عفوا له عن القصاص؛ لأنه ما كان مقيما على القصاص فالقصاص له دون الدية وهو لا يأخذ القصاص والدية، وكذلك لو قال قد عفوت عن الدية، ثم مات القاتل فإن له أخذ الدية؛ لأنه عفا عنها وليست له إنما تكون له بعد عفوه عن القصاص، وإن عفا الولي عن الدية والقصاص وعليه دين جاز عفوه، ولو عفاهما في مرضه الذي مات فيه كان عفوه جائزا وكان عفوه حصته من الدية وصية.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.05 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]