عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 09-03-2023, 04:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,398
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ هود
المجلد التاسع
صـ 3471 الى صـ 3485
الحلقة (404)





القول في تأويل قوله تعالى:

[ 78] وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد

وجاءه قومه يهرعون إليه أي يسرعون كأنما يدفعون دفعا. وقرئ مبنيا للفاعل. ومن قبل أي قبل مجيئهم كانوا يعملون السيئات أي الفواحش ويكثرونها، [ ص: 3471 ] فمرنوا عليها، وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا مسرعين مجاهرين، لا يكفهم حياء، فالجملة معترضة لتأكيد ما قبلها. وقيل: إنها بيان لوجه ضيق صدره، أي: لما عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك قال أي لوط يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، أي فتزوجوهن. أو كان ذلك مبالغة في تواضعه لهم، وإظهارا لشدة امتعاضه، مما أوردوا عليه، طمعا في أن يستحيوا منه، ويرقوا له إذا سمعوا ذلك، فيتركوا ضيوفه -هذا ملخص ما في (الكشاف)- ومن تابعه- وظاهر أنه، عليه السلام، كان واثقا بأن قومه لا يؤثرونهن بوجه ما، مهما أطرى وأطنب وشوق ورغب، فكان إظهاره وقاية ضيفانه، وفداءهم بهن، مع وثوقه المذكور وجزمه- مبالغة في الاعتناء بحمايتهم، وقياما بالواجب في مثل هذا الخطب الفادح الفاضح، الذي يدوم عاره وشناره، من الدفاع عنهم بأقصى ما يمكن لكيلا ينسب إلى قصور، وليعلم أن لا غاية وراء هذا لمن لا ركن له من عشيرة أو قبيلة، فذلك غاية الغايات في حيطتهم ووقايتهم.

وفي قوله: هن أطهر لكم من التشويق، على مرأى من ضيفانه ومسمع، ما فيه من زيادة الكرم والإكرام، ورعاية الذمام. وبالجملة فهو ترغيب بمحال الوقوع باطنا، وإعذار لنزلائه ظاهرا -والله أعلم- وفي هذا إرشاد إلى التطهر بالطرق المسنونة، وهي النكاح. وإشارة إلى تناهي وقاحة أولئك بما استأهلوا به أخذهم الآتي.

فاتقوا الله أي أن تعصوه بما هو أشد من الزنى خبثا.

ولا تخزون في ضيفي أي ولا تهينوني وتفضحوني في شأنهم، فإنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره ; فقد خزي الرجل، وذلك من عراقة الكرم، وأصالة المروءة. و تخزون مجزوم بحذف النون، والياء محذوفة اكتفاء بالكسرة، وقرئ بإثباتها على الأصل.

أليس منكم رجل رشيد أي فيرعوي عن القبيح، ويهتدي إلى الصواب.
[ ص: 3472 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 79] قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد

قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق أي: حاجة; إذ لا نريدهن، وفي تصدير كلامهم باللام المؤذنة بأن ما بعدها جواب القسم، أي: والله لقد علمت، إشارة إلى ما ذكرناه من أنه كان واثقا وجازما بعدم رغبتهم فيهن، وأيد ذلك قولهم: وإنك لتعلم ما نريد استشهادا بعلمه.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 80] قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد

قال لو أن لي بكم قوة أي بدفعكم قوة، بالبدن أو الولد أو آوي إلى ركن شديد أي عشيرة كثيرة، لأنه كان غريبا عن قومه، شبهها بركن الجبل في الشدة والمنعة. أي: لفعلت بكم ما فعلت، وصنعت ما صنعت.

تنبيه:

قال الإمام ابن حزم رحمه الله في (الملل):

ظن بعض الفرق أن ما جاء في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: « رحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد » إنكار على لوط عليه السلام. ولا تخالف بين القولين، بل كلاهما حق، لأن لوطا عليه السلام إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش، من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين. وما جهل قط لوط عليه السلام أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة، وأشد ركن. ولا جناح على لوط عليه السلام في طلب قوة من [ ص: 3473 ] الناس، فقد قال تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض فهذا الذي طلب لوط عليه السلام. وقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار والمهاجرين منعه حتى يبلغ كلام ربه تعالى. فكيف ينكر على لوط أمرا هو فعله عليه السلام. تالله! ما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أخبر أن لوطا كان يأوي إلى ركن شديد، يعني من نصر الله له بالملائكة. ولم يكن لوط علم بذلك. ومن اعتقد أن لوطا كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد ; فقد كفر، إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر. وهذا أيضا ظن سخيف; إذ من الممتنع أن يظن برب أراه المعجزات، وهو دائبا يدعو إليه، هذا الظن. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 81] قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب

قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك أي إلى إضرارك بإضرارنا فأسر بأهلك بقطع من الليل أي بطائفة من آخره، أي ببقية سواد منه عند السحر، وهو وقت استغراقهم في النوم، فلا يمكنهم التعرض له ولا لأهله. وقرئ " فأسر" بالقطع والوصل.

ولا يلتفت منكم أحد أي لا ينظر إلى ورائه، لئلا يلحقه أثر ما نزل عليهم إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم أي من العذاب، فإنها لما سمعت وجبة العذاب التفتت فهلكت.

قال في (الإكليل): فيه أن المرأة والأولاد من الأهل.

[ ص: 3474 ] إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب أي موعدهم بالهلاك الصبح، والجملة كالتعليل للأمر بالإسراء، أو جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب، أو ذكرت ليتعجل في السير، فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع في الإسراء، للتباعد عن موقع العذاب.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 82] فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود

فلما جاء أمرنا أي عذابنا جعلنا عاليها سافلها أي: فقلبت تلك المدن ونبتها بسكانها جميعا. وأمطرنا عليها حجارة من سجيل أي طين متحجر، كقوله: حجارة من طين منضود أي يرسل بعضه في إثر بعض متتابعا.

قال المهايمي: اتصل بعضه ببعض، ليرجموا رجم الزناة، بما يناسب قسوتهم ورينهم الذي اتصل بقلوبهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 83] مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد

مسومة عند ربك معلمة عنده وما هي أي تلك الحجارة من الظالمين أي بالشرك وغيره ببعيد فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون لها، وملابسون بها. وفيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة. وقيل: الضمير للقرى، أي هي قريبة من ظالمي مكة، يمرون بها في أسفارهم إلى الشام، وقد صار موضع تلك المدن بحر ماء أجاج لم يزل إلى يومنا هذا، ويعرف بـ (البحر الميت)، لأن مياهه لا تغذي شيئا من جنس الحيوان، وبـ (بحر الزفت) أيضا ; لأنه ينبعث من عمق مقره إلى سطحه، فيطفو فوقه، وبـ (بحيرة لوط) والأرض التي تليها قاحلة لا تنبت شيئا.

[ ص: 3475 ] قال أبو السعود: وتذكير (بعيد) على تأويل (الحجارة) بالحجر، أو إجرائه على موصوف مذكر، أي بشيء بعيد، أو لأنه على زنة المصدر، كـ (الزفير) و (الصهيل). والمصادر يستوي في الوصف بها، المذكر والمؤنث.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 84 ] وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط

وإلى مدين أي وأرسلنا إلى مدين، عطف على ما قبله و(مدين) بلد بين الحجاز والشام، على مقربة من (معان) ويطلق على أهلها، وهم قوم من العرب كانوا يعمرونها.

أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان أي لتبخسوا الناس أشياءهم بالباطل. إني أراكم بخير أي: نعمة وثروة في رزقكم ومعيشتكم، وعافية وتمتع في وجودكم. يعني: فلا تتعرضوا لزوال ذلك عنكم بما تأتونه مما تنهون عنه، كما قال سبحانه: وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط أي مهلك، أو لا يشذ منه أحد.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 85 ] ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين

ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط أي العدل.

قال الزمخشري: فإن قلت: النهي عن النقصان أمر بالإيفاء، فما فائدة قوله: أوفوا ؟

[ ص: 3476 ] قلت: نهوا أولا عن عين القبح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ; لأن في التصريح بالقبيح نعيا على المنهي، وتسييرا له. ثم ورد الأمر بالإيفاء، الذي هو حسن في العقول، مصرحا بلفظه لزيادة ترغيب فيه، وبعث عليه، وجيء به مقيدا (بالقسط) أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من غير زيادة ولا نقصان أمرا بما هو الواجب ; لأن ما جاوز العدل فضل، وأمر مندوب إليه، وفيه توقيف على أن الموفي عليه أن ينوي بالوفاء القسط ; لأن الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل. فهذه ثلاث فوائد. انتهى-.

ولا تبخسوا الناس أشياءهم أي لا تنقصوهم حقوقهم بطريق من الطرق، كالكيل والوزن وغيرهما، فهو تعميم بعد تخصيص; لأنه أعم من أن يكون في المقدار وغيره. والبخس: الهضم والنقص. ويقال للمكس: البخس، قال زهير:


أفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما باع امرؤ بخس درهم ألا تستحي منا ملوك وتتقي
محارمنا. لا تتقي الدم بالدم


وروي (مكس درهم). يريد زهير: أخذ الخراج، وما هو اليوم في الأسواق من رسوم وظلم. وكان قوم شعيب يأخذون من كل شيء يباع شيئا، كما تفعل السماسرة، [ ص: 3477 ] أو كانوا يمكسون الناس، أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك -كذا في (الكشاف) و (شرحه).

قال القاشاني: لما رأى شعيب عليه السلام، ضلالتهم بالشرك، واحتجابهم عن الحق بالجبت، وتهالكهم على كسب الحطام بأنواع الرذائل، وتماديهم في الحرص على جمع المال بأسوأ الخصال -نهاهم عن ذلك، وقال: إني أراكم بخير في استعدادكم من إمكان حصول كمال وقبول هداية، وإني أخاف عليكم إحاطة خطيئاتكم ; لاحتجابكم عن الحق، ووقوفكم مع الغير، وصرف أفكاركم بالكلية إلى طلب المعاش، وإعراضكم عن المعاد، وقصور هممكم على إحراز الفاسدات الفانيات، عن تحصيل الباقيات الصالحات، فلازموا التوحيد والعدالة واعتزلوا عن الشرك والظلم، الذي هو جماع الرذائل وأم الغوائل.

ولا تعثوا في الأرض مفسدين أي لا تعملوا فيها الفساد. يعم أيضا تنقيص الحقوق وغيره، كالسرقة والشرك، والدعاء إليه، والصد عن الإيمان ونحوها.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 86 ] بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ

بقيت الله أي ثوابه الباقي على وفاء الكيل والوزن، أو ما أبقاه عليكم بعد التنزه عن الحرام، أو ما تفضل عليكم من الربح بعد وفائهما خير لكم أي في دينكم ودنياكم إن كنتم مؤمنين فإن المؤمن يبارك له، إذا تنزه عن الحرام. أو مصدقين بما أقول.

وقال القاشاني: أي إن كنتم مصدقين ببقاء شيء، فما يبقى لكم عند الله من الكمالات والسعادات الأخروية، خير لكم من تلك المكاسب الفانية التي تشقون بها، وتشقون على أنفسكم في كسبها وتحصيلها، ثم تتركونها بالموت، ولا يبقى منها معكم شيء إلا وبال التبعات والعذاب اللازم، لما في نفوسكم من رواسخ الهيئات.

وما أنا عليكم بحفيظ أي رقيب لأحفظكم عن القبائح وأكفكم عنها بسيطرة. وإنما أنا مبلغ نذير.
[ ص: 3478 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 87 ] قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد

قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أي من الأصنام، أجابوا به أمرهم بالتوحيد على الاستهزاء والتهكم بصلواته، والإشعار بأن مثله لا يدعو إليه داع عقلي، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه. وكان شعيب كثير الصلاة، فلذلك جمعوا وخصوا الصلاة بالذكر. وقرئ: (أصلاتك) بالإفراد -قاله القاضي.

أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من نقص ونحوه إنك لأنت الحليم الرشيد أي الموصوف بالحلم والرشد في قومك، يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك، وما شهرت به. كما قال قوم صالح عليه السلام: قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أو قالوا ذلك تهكما به، والمراد أنه على الضد من ذلك. قيل: وهذا أرجح; لأنه أنسب بتهكمهم قبله، والأدق هو الأول لمماثلته لما خوطب به صالح، وتعقيبه بمثل ما عقب به، وهو قوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 88 ] قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أي أخبروني إن كنت على برهان يقيني مما أتاني ربي من العمل والنبوة ورزقني منه رزقا حسنا أي مالا حلالا [ ص: 3479 ] مكتسبا بلا بخس وتطفيف، أو حكمة ونبوة، وكمالا وتكميلا، بالاستقامة على التوحيد، هل يصح لي أن أخون الوحي، وأترك النهي عن الشرك والظلم، والإصلاح بالتزكية والتحلية. وهو اعتذار عما أنكروه عليه من تغيير المألوف، والنهي عن دين الآباء. وحذف جواب (أرأيتم) لما دل عليه في مثله، كما مر في نبأ نوح وصالح عليهما السلام، وعلى خصوصيته هنا من قوله: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه أي: وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه، لأستبد به دونكم، فلو كان صوابا لآثرته، ولم أعرض عنه، فضلا عن أن أنهى عنه -أفاده القاضي-.

وفي (التاج): يقال: خالفه إلى الشيء: عصاه إليه، أو قصده بعد ما نهاه عنه، وهو من ذلك.

قال القاشاني: أي ما أقصد إلى جر المنافع الدنيوية الفانية، بارتكاب الظلم الذي أنهاكم عنه.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت أي إصلاح نفوسكم بالتزكية، والتهيئة لقبول الحكمة، ما دمت مستطيعا متمكنا منه. وما توفيقي إلا بالله أي: وما كوني موفقا للإصلاح إلا بمعونة الله وتأييده. عليه توكلت أي أعتمد وإليه أنيب أي: أرجع في السراء والضراء.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 89 ] ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد

ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أي لا يكسبنكم عداوتي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح من الغرق والريح والصيحة وما [ ص: 3480 ] قوم لوط منكم ببعيد فإن منازلهم قريبة منكم، وقد علمتم ما نزل بهم من قلب الأرض، وإمطار الحجارة. وذلك لأن مخالفة الرسل تقتضي أحد هذه الأمور.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 90 ] واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود

واستغفروا ربكم أي من عبادة الأصنام ثم توبوا إليه أي بالتوحيد، أو بالرجوع عن البخس والتطفيف إن ربي رحيم أي للمستغفرين التائبين ودود أي مبالغ في المحبة لهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 91 ] قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز

قالوا يا شعيب ما نفقه أي ما نفهم كثيرا مما تقول كالتوحيد، وحرمة البخس. يعنون أنهم لا يقبلونه، أو قالوا ذلك استهانة به، كما يقول الرجل لمن لا يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول! أو جعلوا كلامه هذيانا وتخليطا لا ينفعهم كثير منه، و(الكثير) مراد به الكل، أو قالوه فرارا من المكابرة.

قال أبو السعود: الفقه معرفة غرض المتكلم من كلامه. أي: ما نفهم مرادك، وإنما قالوه بعد ما سمعوا منه دلائل الحق البين على أحسن وجه وأبلغه، وضاقت عليهم الحيل، فلم يجدوا إلى محاورته سبيلا، سوى الصدود عن منهاج الحق، والسلوك إلى سبيل الشقاء، كما هو ديدن المفحم المحجوج، يقابل البينات بالسب والإبراق والإرعاد. فجعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ، وأنواع العلوم والمعارف، من قبيل ما لا يفهم معناه، ولا يدرك فحواه، وأدمجوا في ضمن ذلك أن في تضاعيفه ما يستوجب أقصى ما يكون من [ ص: 3481 ] المؤاخذة والعقاب. ولعل ذلك ما فيه من التحذير من عواقب الأمم السالفة، ولذلك قالوا: وإنا لنراك فينا ضعيفا أي لا قوة لك، فتمتنع منا إن أردنا بك سوءا ولولا رهطك أي قومك وأنهم على ملتنا لرجمناك أي قتلناك برمي الأحجار، أو شر قتلة وما أنت علينا بعزيز أي لا تعز علينا ولا تكرم، حتى نكرمك ونمنعك من الرجم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 92 ] قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط

قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله أي من أمره ووحيه ودينه واتخذتموه وراءكم ظهريا أي نسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر، لا يعبأ به، و (الظهري) منسوب إلى الظهر، والكسر من تغييرات النسب، كما قالوا: (إمسي) بالكسر في النسبة إلى (أمس) و (دهري) بالضم في النسبة إلى (الدهر): إن ربي بما تعملون محيط أي عالم، لا يخفى عليه، فيجازيكم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 93 ] ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب

ويا قوم اعملوا على مكانتكم أي غاية تمكنكم واستطاعتكم، أو على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، من كفركم وعداوتكم إني عامل أي على مكانتي التي كنت عليها من الثبات على الإسلام والمصابرة.

سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب أي منتظر لهلاككم. وفي زيادة (معكم) إظهار منه عليه السلام لكمال الوثوق بأمره.

[ ص: 3482 ] قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في سوف تعلمون ؟ قلت: إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: فما يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون! فوصل تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف، للتفنن في البلاغة، كما هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين، وأبلغهما الاستئناف; اهـ - أي للإشعار بأنه مما يسأل عنه، ويعتني به، ولذا كان أبلغ في التهويل.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 94 ] ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين

ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا إنما ذكره بالواو، كما في قصة عاد، إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط، فإنه ذكر بعد الوعد، وذلك قوله: وعد غير مكذوب وقوله: إن موعدهم الصبح فلذلك جاء بفاء السببية. أفاده القاضي.

وأخذت الذين ظلموا الصيحة أي بالعذاب فأصبحوا في ديارهم جاثمين أي ميتين.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 95 ] كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود

كأن لم يغنوا أي يقيموا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود شبههم بهم، لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة، وكانوا قريبا منهم في المنزل، نظراءهم في الكفر وقطع الطريق، وكانوا أعرابا مثلهم.
[ ص: 3483 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 96 ] ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين

ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي التسع وسلطان مبين وهو العصا. وكانت أبهر معجزاته، فلذا خصت، أو هو الآيات، والعطف للإشارة إلى الجمع بين كونها آيات وسلطانا واضحا على رسالته.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 97 ] إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد

إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون أي بالكفر بموسى، أو طريقة فرعون الجائرة.

قال الزمخشري: هذا تجهيل لمتبعيه، حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل. وذلك أنه ادعى الإلهية، وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان مارد، فاتبعوه وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته.

وما أمر فرعون برشيد أي بمرشد، أو ذي رشد، وإنما هو غي وضلال.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 98 ] يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود

يقدم قومه يوم القيامة أي يتقدمهم إلى النار، كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال فأوردهم النار أي يوردهم. وإيثار لفظ الماضي للدلالة على تحققه والقطع به. وشبه فرعون بالفارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء، وأتباعه بالواردة، والنار بالماء الذي يردونه.

ثم قيل: وبئس الورد المورود أي بئس الورد الذي يردونه النار، لأن الورد -وهو النصيب من الماء- إنما يراد لتسكين الظمأ، وتبريد الكبد، والنار على الضد من ذلك.
[ ص: 3484 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 99 ] وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود

وأتبعوا في هذه أي الدنيا لعنة ويوم القيامة أي يلعنون في الدنيا والآخرة، فهي تابعة لهم، أين كانوا، فـ (يوم) معطوف على محل (في) هذه; لا ابتداء كلام.

بئس الرفد المرفود أي بئس العطاء المعطى، وهي اللعنة في الدارين.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 100 ] ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد

ذلك إشارة إلى ما قص من أنباء الأمم من أنباء القرى أي المهلكة نقصه عليك أي بالوحي منها قائم أي باق ينظر إليها، قد باد أهلها وحصيد أي ومنها عافي الأثر كالزرع المحصود.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 101 ] وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب

وما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم ولكن ظلموا أنفسهم أي بتعريضها لما أوجبه من الشرك وعبادة الأوثان والظلم: فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب أي إهلاك وتخسير.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 102 ] وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد

وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد فيه [ ص: 3485 ] إشعار بظلمهم وإعلام بسنته تعالى في أخذ الظالمين التي لا تتبدل، وإنذار كل ظالم ظلم نفسه، أو غيره، من سوء العاقبة.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 103 ] إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود

إن في ذلك أي فيما قص في هذه السورة، أو في أخذ الظالمين لآية أي لعبرة لمن خاف عذاب الآخرة فيعتبر بها عن موجباته ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود أي يشهده الأولون والآخرون، وأهل السماء والأرض.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 104 ] وما نؤخره إلا لأجل معدود

وما نؤخره أي ذلك اليوم إلا لأجل معدود أي لمدة محدودة.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 105 ] يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد

يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه أي بإذن الله تعالى، كقوله تعالى: لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا فمنهم شقي وسعيد
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 106 ] فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق

فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق الزفير إخراج النفس مع صوت ممدود، والشهيق: رده. كني بهما عن الغم والكرب، لأنه يعلو معه النفس غالبا. أو شبه صراخهم بأصوات الحمير.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.56 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]