عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 08-03-2023, 10:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ يُونُسَ
المجلد التاسع
صـ 3381 الى صـ 3395
الحلقة (398)





وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 71 ] واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون

واتل عليهم نبأ نوح أي خبره الذي له شأن وخطر، مع قومه المغترين بعزة الأموال والأعوان، ليتدبروا ما فيه من صحة توكله على الله، ونظره إلى قومه، بعين عدم المبالاة بهم، وبمكايدهم، وزوال ما تمتعوا به من النعيم، بإغراقهم بالطوفان، فلعلهم يكفون عن كفرهم، وتلين أفئدتهم ويستيقنون صحة نبوتك إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر أي شق وثقل عليكم مقامي أي مكاني، يعني نفسه، أو مكثي بين أظهركم مددا [ ص: 3381 ] طوالا، ألف سنة إلا خمسين عاما، أو قيامي بالدعوة إلى الله، من رؤيتكم ذلتي بقلة الأموال والأعوان، ومنع عزتكم بهما عن الانقياد لي وتذكيري بآيات الله أي بحججه وبراهينه، أو تخويفي بعذابه فعلى الله توكلت أي اعتمدت في دفع ما قصدتموني به فأجمعوا أمركم أي شأنكم في إهلاكي وشركاءكم يعني آلهتهم وهو تهكم بهم، أو نظراءهم في الشرك. و (الواو) بمعنى مع، أو معطوف على (أمركم) بحذف المضاف، أي: وأمر شركائكم، أو منصوب بمحذوف، أي ادعوا شركاءكم، وذلك لأن (أجمع) يتعلق بالمعاني، يقال: (أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه): ثم لا يكن أمركم عليكم غمة أي مستورا. من (غمه إذا ستره) بل مكشوفا تجاهرونني به ثم اقضوا إلي أي أدوا إلي ذلك الأمر الذي تريدون بي ولا تنظرون أي ولا تمهلوني.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 72 ] فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين

فإن توليتم أي عن الإيمان بما جئتكم به فما سألتكم من أجر أي جعل على عظتكم، أي فلا باعث لكم على التولي والنفور إن أجري إلا على الله أي ما ثوابي على التذكير إلا عليه تعالى، يثيبني به، آمنتم أو توليتم وأمرت أن أكون من المسلمين أي المستسلمين له وحده بالإيمان به، ونبذ كل معبود دونه.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 73 ] فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين

فكذبوه يعني نوحا بما جاءهم، عنادا، بعد أن قامت عليهم الحجة، فحقت عليهم كلمة العذاب، وأرسل عليهم الطوفان فنجيناه أي من الغرق ومن معه في الفلك [ ص: 3382 ] وجعلناهم خلائف أي خلفاء عن المغرقين وعمار الأرض وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين أي منتهى أمرهم. والمراد بـ (المنذرين) المكذبين. والتعبير به إشارة إلى إصرارهم عليه، حيث لم يفد الإنذار فيهم. وقد جرت السنة الربانية أن لا يهلك قوم بالاستئصال إلا بعد الإنذار ; لأن من أنذر فقد أعذر. وفي الأمر بالنظر تهويل لما جرى عليهم، وتحذير لمن كذب الرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 74 ] ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين

ثم بعثنا من بعده أي من بعد نوح رسلا إلى قومهم يعني هودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا فجاءوهم بالبينات أي الآيات الدالة على صدقهم، المفيدة هدايتهم فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل أي بسبب تعودهم تكذيب الحق، وتمرنهم عليه; لأنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية، مكذبين بالحق فحالهم بعدها كحالهم قبلها، هذا على أن ضمير (كانوا) و (كذبوا) لقوم الرسل. وجاز عود ضمير (كانوا) لقوم الرسل، و (كذبوا) لقوم نوح. أي ما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح أي بمثله كذلك نطبع على قلوب المعتدين أي المجاوزين مقتضيات حقائق الأشياء بخذلانهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 75 ] ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين

ثم بعثنا من بعدهم أي من بعد هؤلاء الرسل موسى وهارون إلى فرعون [ ص: 3383 ] وملئه بآياتنا يعني التسع فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين أي كفارا ذوي آثام عظام.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 76 ] فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين

فلما جاءهم الحق من عندنا يعني الآيات المزيحة للشك قالوا يعني من فرط التمرد إن هذا لسحر مبين أي تلبيس ظاهر.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 77 ] قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون

قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أي على وجه لم يترك لكم شبهة مقالتكم الحمقى، من أنه سحر، فحذف المحكي المقول لدلالة الكلام عليه. ثم قال: أسحر هذا استفهام إنكار من قول موسى لا من قولهم. فهو مستأنف لإنكار كونه سحرا، وتكذيب لقولهم، وتوبيخ لهم على ذلك إثر توبيخ. وليس أسحر هذا مقولهم، لأنهم بتوا القول بأنه سحر، فكيف يستفهمون عنه؟ -كذا قيل-.

ولا أرى مانعا من أن يكون مقولهم، والهمزة وسطت مزيدة لتكون مؤكدة لما قبلها من الاستفهام، ومن لطائفها الاحتراس عن إيهام فاعلية سحر لـ جاءكم بادئ بدء، وأسلوب القرآن فوق كل أسلوب. أو الهمزة ومدخولها من مقولهم الأول، حين فوجئوا بخارقة موسى، وقولهم المذكور قبل إن هذا لسحر حكاية لقولهم الذي بتوا عليه أمرهم. ثم رأيت الناصر في (الانتصاف) أشار لهذا حيث قال:

وأما القراءة الثانية -يعني قراءة ((آالسحر))- على الاستفهام، ففيها -والله أعلم- إرشاد إلى أن قول موسى أولا: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا حكاية لقولهم، ويكون: [ ص: 3384 ] أسحر هذا هو الذي قالوه. ولا يناقض ذلك حكاية الله عنهم أنهم قالوا إن هذا لسحر مبين وذلك إما لأنهم قالوا الأمرين جميعا، بدؤوا بالاستفهام على سبيل الاستهتار بالحق والاستهزاء بكونه حقا، والاستهزاء بالحق إنكار له بل قد يكون الاستفهام في بعض المواطن أبت من الإخبار. ألا ترى أنهم يقولون في قوله: (أأنت أم سالم، أبلغ في البت من قوله مخبرا: أنت أم سالم) ثم ثنوا بصيغة الخبر الخاصة ببت الإنكار، ودعوى أنه سحر، فقالوا: إن هذا لسحر مبين فحكى الله تعالى عنهم هذا القول الثاني، ووبخهم موسى على قولهم الأول، ومعنى العبارتين ومآلهما واحد. وإما ألا يكونوا قالوا سوى أسحر هذا على سبيل الإنكار حسبما تقدم، فحكاه الله تعالى عنهم بمآله ; لأنه يعلم أن مرادهم من الاستفهام الإنكار، وبت القول أنه سحر، وحكى موسى عليه السلام قولهم بلفظه، ولم يؤده بعبارة أخرى. وحكاية القصص المتلوة في الكتاب العزيز بصيغ مختلفة، لا محمل لها سوى أنها معان منقولة إلى اللغة العربية، فيترجم عنها بالألفاظ المترادفة المتساوية المعاني.

وحاصل هذا البحث أن قول موسى عليه السلام: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا إنما حكى فيه قولهم، ويرشد إلى ذلك أنه كافأهم عند ما أتوا بالسحر بمثل مقالتهم مستفهما، فقال: ما جئتم به آالسحر (على قراءة الاستفهام) قرضا بوفاء على السواء، والذي يحقق لك أن الاستفهام والإخبار في مثل هذا المعنى مؤداهما واحد أن الله تعالى حكى قول موسى عليه السلام ما جئتم به السحر على الوجهين: الخبر والاستفهام، على ما اقتضته القراءتان وهو قول واحد، دل أن مؤدى الأمرين واحد، ضرورة صدق الخبر.

وإنما حمل الزمخشري على تأويل القول بالتعييب أو إضمار مفعول (تقولون) استشكال وقوع الاستفهام محكيا بالقول، والمحكي عنهم الخبر، وقد أوضحنا أن لا تنافر ولا تنافي بين الأمرين.

قال الناصر: فشد بهذا الفصل عرى التمسك، فإنه من دقائق النكت، والله الموفق.

[ ص: 3385 ] وقوله تعالى: ولا يفلح الساحرون من كلام موسى قطعا، أتى به تقريرا لما سبق ; لأنه لما استلزم كون الحق سحرا، كون من أتى به ساحرا، أكد الإنكار السابق، وما فيه من التوبيخ والتجهيل بذلك.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 78 ] قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين

قالوا أي لموسى أجئتنا لتلفتنا أي لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا يعنون عبادة الأصنام وتكون لكما الكبرياء أي الملك والسلطان: في الأرض أي أرض مصر وما نحن لكما بمؤمنين أي لتبقى عزتنا.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 79 ] وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم

وقال فرعون أي حفظا لعزته، ودفعا لتعزز موسى ائتوني بكل ساحر عليم أي ماهر في فنه.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 80 ] فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون

فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون أي من أصناف السحر، قال بعضهم: جواز الأمر بالسحر لدحضه، وكذلك طلب إيراد الشبه لتحل.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 81 ] فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين

فلما ألقوا أي عصيهم وحبالهم ليضاهوا معجزة موسى بعصاه قال موسى [ ص: 3386 ] ما جئتم به السحر أي هو السحر، لا ما جئتكم به مما سميتموه سحرا: إن الله سيبطله أي سيمحقه بالكلية بمعجزتي، فلا يبقى له أثر إن الله لا يصلح عمل المفسدين أي بل يسلط عليه الدمار.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 82 ] ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون

ويحق الله الحق بكلماته أي يثبته ويقويه بها ولو كره المجرمون أي ذلك. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 83 ] فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين

فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه معطوف على مقدر معلوم من مواقع أخر، أي فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون إلخ. قيل: الضمير من قومه لفرعون، وهم ناس يسير من قومه، آمنوا به سرا، والأظهر أنهم قوم موسى، وهم بنو إسرائيل، الذين كانوا بمصر من أولاد يعقوب، فهم الذين آمنوا به على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم أي يعذبهم وإن فرعون لعال أي مستكبر في الأرض أي أرض مصر وإنه لمن المسرفين أي المتجاوزين الحد بالظلم والفساد، وبادعاء الربوبية.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 84 ] وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين

وقال موسى أي تطمينا لقلوبهم، وإزالة للخوف عنهم يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا [ ص: 3387 ] أي فإليه أسندوا أمركم في العصمة مما تخافون، وبه ثقوا، فإنه كافيكم ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقوله إن كنتم مسلمين أي مخلصين وجوهكم له.

قال القاشاني: جعل التوكل من لوازم الإسلام، وهو إسلام الوجه لله تعالى، أي: إن كمل إيمانكم ويقينكم، بحيث أثر في نفوسكم، وجعلها خالصة لله ; لزم التوكل عليه. وإن أريد (الإسلام) بمعنى الانقياد، كان شرطا في التوكل، لا ملزوما له، وحينئذ يكون معناه: إن صح إيمانكم يقينا فعليه توكلوا، بشرط أن تكونوا منقادين. كما تقول: إن كرهت هذا الشجر فاقلعه إن قدرت -انتهى-.

وقال الكرخي: قوله تعالى إن كنتم مسلمين أي: منقادين لأمره. فقوله فعليه توكلوا جواب الشرط الأول، والشرط الثاني وهو إن كنتم مسلمين شرط في الأول. وذلك أن الشرطين متى لم يترتبا في الوجود، فالشرط الثاني شرط في الأول. ولذلك لم يجب تقديمه على الأول. قال الفقهاء: المتأخر يجب أن يكون متقدما، والمتقدم يجب أن يكون متأخرا، مثاله: قول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا، فمجموع قوله: (إن دخلت الدار فأنت طالق) مشروط بقوله (إن كلمت زيدا) والمشروط متأخر عن الشرط، وذلك يقتضي أن يكون المتأخر في اللفظ، متقدما في المعنى، وأن يكون المتقدم في اللفظ متأخرا في المعنى، فكأنه يقول لامرأته: حال ما كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق، فلو حصل هذا المعلق قبل إن كلمت زيدا لم يقع الطلاق. فقوله تعالى: إن كنتم آمنتم إلخ يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطا لأن يصيروا مخاطبين بقوله: إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه: إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل. والأمر كذلك، لأن الإسلام عبارة عن الاستسلام، [ ص: 3388 ] وهو الانقياد لتكاليف الله، وترك التمرد والإيمان عبارة عن معرفة القلب بأن واجب الوجود لذاته واحد، وما سواه محدث تحت تدبيره وقهره. وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إليه تعالى، ويحصل في القلب نور التوكل على الله تعالى. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 85 ] فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين

فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين أي موضع فتنة لهم، أي عذاب يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا. قال الحاكم: دلت على حسن السؤال بالنجاة من الظلمة.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 86 ] ونجنا برحمتك من القوم الكافرين

ونجنا برحمتك من القوم الكافرين أي: من كيدهم، ومن شؤم مشاهدتهم، والعبودية لهم.

قال القاضي: وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي له أن يتوكل أولا، لتجاب دعوته.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 87 ] وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين

وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا أي اتخذا بها بيوتا مباءة تلازمونها لتجتمع كلمتكم في شأنكم واجعلوا بيوتكم قبلة أي مصلى وأقيموا الصلاة أي في بيوتكم، قال بعضهم: كانوا خائفين، وفي ذلك دلالة على جواز كتم الصلاة عند الخوف. وبشر المؤمنين أي بالنصرة في الدنيا، والجنة في العقبى.
[ ص: 3389 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 88 ] وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم

وقال موسى أي يدعو الله تعالى في إذهاب عزة فرعون ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة أي ما يتزين به من اللباس والمراكب والحلي وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك أي بالتكبر عليك وعلى آياتك ورسلك. وقوله " ليضلوا" متعلق بـ " آتيت" ، وأعيد " ربنا" توكيدا، و (لام) " ليضلوا" لام العاقبة والصيرورة. أي: آتيتهم النعم المذكورة ليشكروها ويتبعوا سبيلك، فكان عاقبة أمرهم أنهم كفروا وضلوا عن سبيلك، وتجويز جعل اللام للعلة استدراجا، أو لام الدعاء عليهم بذلك -توسع في غير متسع، ونبو عن لطف المساق وسره، فإن موسى لما رأى القوم مصرين على الكفر والعناد أخذ في الدعاء عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يقدم بين يدي دعائه ما دفعه واضطره إلى الابتهال; لتحق إجابته، ولذا بين أولا ضلالهم عن السبيل بكفرانهم للنعم، وعتوهم على المحسن بها تمهيدا لقوله: ربنا اطمس على أموالهم أي أهلكها ; لأنهم يستعينون بنعمتك على معصيتك. وأصل (الطمس) محو الأثر والتغيير واشدد على قلوبهم أي اجعلها قاسية، واطبع عليها، حتى لا تنشرح للإيمان فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم أي يعاينوه ويوقنوا به، بحيث لا ينفعهم ذلك إذ ذاك، وقوله فلا يؤمنوا جواب للدعاء، أو دعاء بلفظ النهي.

قال ابن كثير: هذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضبا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنه لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء. كما دعا نوح عليه السلام [ ص: 3390 ] فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ولهذا استجاب تعالى لموسى فيهم هذه الدعوة التي شركه فيها أخوه هارون كما أخبر بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 89 ] قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون

قال تعالى قد أجيبت دعوتكما فاستقيما أي على أمري، ولا تعجلا، فإن مطلوبكما كائن في وقته لا محالة ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون أي في الاستعجال، أو عدم الوثوق بوعده تعالى، أو يعني فرعون وقومه، بقوله سبحانه.

ثم أشار تعالى إلى إجابته دعاءهما في إهلاك فرعون وقومه.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 90 ] وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم أي لحقهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا أي لأجل البغي عليهم والاعتداء حتى إذا أدركه الغرق قال يرجو النجاة من الغرق آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين وذلك أن موسى عليه السلام لما رغب إلى فرعون أن يطلق الإسرائيليين من عبوديته، ويأذن لهم بالسراح إلى فلسطين ليعبدوا ربهم، أبى وتمرد، فضربه الله وقومه بالآيات التسع، كما [ ص: 3391 ] تقدم في سورة (الأعراف) فأذن لموسى وشعبه بالخروج من مصر، فارتحل بنو إسرائيل جميعا بمواشيهم وأثاثهم، ثم ندم فرعون وملؤه على إطلاقهم من خدمتهم، فاشتد فرعون وجنوده في أثرهم ليردهم، فأدركهم وهم نازلون عند البحر، فرهب الإسرائيليون من مقدمه، وضجوا إلى موسى، فسكن روعهم، وأعلمهم ما يشاهدون من نجاتهم، وهلاك عدوهم، وأوحى تعالى إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر، فانشق، ودخل بنو إسرائيل في وسطه على اليبس الذي جعله تعالى آية كبرى، ونفذوا منه إلى شاطئه، وتبعهم فرعون وجنوده، حتى إذا توسطوا البحر، مد موسى يده على البحر، فارتد إلى ما كان عليه، وغرق فرعون بمن معه. ولما أحس بالغرق، لاذ إلى الإيمان يبغي النجاة، فقيل له:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 91 ] آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين

آلآن أي تؤمن وتسلم لتنجو من الغرق وقد عصيت قبل أي كفرت بالله من قبل الغرق، وكنت من المفسدين أي بالضلال والإضلال، والظلم والعتو.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 92 ] فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون

فاليوم ننجيك ببدنك أي نخرجك من البحر بجسدك الذي لا روح فيه، فرآه بنو إسرائيل ملقى على شاطئ البحر ميتا، وفي التعبير عن إخراجه من القعر إلى الشاطئ (بالتنجية) التي هي الخلاص من المكروه تهكم واستهزاء لتكون لمن خلفك من الأمم الكافرة آية أي عبرة من الطغيان والتمرد على أوامره تعالى. وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون أي لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

[ ص: 3392 ] تنبيه:

قال الشهاب الخفاجي في (العناية): لا يقبل إيمان المرء حال اليأس والاحتضار، كما يدل عليه صريح الآية: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا وأما ما وقع في (الفصوص) من صحة إيمانه، وأن قوله آمنت به بنو إسرائيل إيمان بموسى عليه السلام -فمخالف للنص والإجماع، وإن ذهب إلى ظاهره الجلال الدواني رحمه الله. وله رسالة فيه طالعتها، وكنت أتعجب منها حتى رأيت في (تاريخ حلب) للفاضل الحلبي أنها ليست له، وإنما هي لرجل يسمى محمد بن هلال النحوي. وقد ردها القزويني، وشنع عليه وقال: إنما مثاله مثال رجل خامل الذكر، لما قدم مكة بال في زمزم ليشتهر بين الناس، كما في المثل (خالف تعرف) وفي (فتاوى ابن حجر رحمه الله) أن بعض فقهائنا كفر من ذهب إلى إيمان فرعون، ولذا قيل: إن المراد بفرعون (في كلامه) النفس الأمارة، وهذا كله مما لا حاجة إليه -انتهى كلام الشهاب-.

أقول: ذكر شيخنا العطار رحمه الله في كتابه (الفتح المبين في رد اعتراض المعترض على محيي الدين) خاتمة في بطلان ما نسب إلى هذا العارف من القول بصحة إيمان فرعون ونجاته، قال رحمه الله:

ليعلم أنه شاع فيما بين أهل العلم بأن حضرة محيي الدين رضي الله عنه قال بإيمان فرعون ونجاته، والحال أنه ليس كذلك، كما ستطلع عليه من النقل عنه، نعم، بحث في صحة القول بإيمان فرعون ونجاته وعدمها، حيث الأخذ من الآيات القرآنية، فكان ذلك منه مجرد بحث في الدليل لا غير، وما كان هذا قولا بإيمانه قطعيا، وقد بنى مسألة نجاة فرعون وإيمانه على أصلين من أصوله، وافقه عليهما جم غفير من العلماء الأعلام.

الأصل الأول- في بيان حقيقة إيمان اليأس، فإيمان اليأس عنده، وعند جم غفير من [ ص: 3393 ] العلماء هو ما كان عند مشاهدة العذاب البرزخي، كحال المحتضر لا غير، ففي هذه الحالة لا ينفع الإيمان، وهذا متفق عليه بين أهل العلم. وذهب قوم إلى أن إيمان اليأس ما كان عند رؤية العذاب دنيويا أو أخرويا، فالإيمان في أي حالة من الحالتين لا ينفع. وعند هذا العارف وجماعة: أن رؤية العذاب الدنيوي لا تمنع صحة الإيمان، وإن أوجبت الهلاك في الدنيا، فإن سنة الله قاضية بأن يتحتم وقوع الهلاك الدنيوي لمن رأى هذا العذاب، وإن آمن ونجا من عذاب الآخرة، إلا قوم يونس، فإنه تعالى نجاهم منه، كما ذكره تعالى.

الأصل الثاني- من أصوله رضي الله عنه: أن من حقت عليه الكلمة لا يتلفظ بمادة الإيمان بقصد الإيمان، وإن تلفظ بها لا يقصده، فلا بد من تكذيب الله تعالى له، ولو بالحكاية عنه، كما قال تعالى: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم وكما قال: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا فكذبهم تعالى في دعواهم. وهذا الأصل مأخوذ من قوله تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم فكلمة " حتى" للغاية، فغيا تعالى إيمانهم إلى حين رؤية العذاب الأليم، وهو الأخروي لا غير، فإنه هو الذي يوصف بالأليم. ونفى تعالى عنهم وقوع الإيمان قبل ذلك، فوقوعه منهم قبله قصدا، محال بنص هذه الآية.

إذا تقرر هذان الأصلان، فلنرجع إلى ما قاله هذا الحبر في شأن فرعون في (الفتوحات المكية) وفي (الفصوص). فالذي ذكره في (الفتوحات) عند ذكره طبقات أهل النار فيها: هو أن فرعون من أهل النار، حيث قال في هذا البحث: كفرعون وأضرابه، فخص له ولهم من النار طبقة مخصوصة يؤبدون فيها. وأشار إلى كفره في موضع آخر منها عند ذكره هذا الحديث وهو: « أعوذ بك منك» قال: استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقام [ ص: 3394 ] الاتحاد الذي كان عليه فرعون وهو قوله: أنا ربكم الأعلى وعلى هذه الإشارة وما تقدم، يكون فرعون كافرا عنده، كما هو عند عامة الخلق، وعلى هذا لا إشكال ولا كلام.

بقي القول على إيمان فرعون ونجاته من حيث الدليل، وهو مجرد بحث مع الذين ذهبوا إلى كفره قطعيا، وليس لهم هذا القطع، لما أن الدليل القرآني يعطي خلافه، قال تعالى: حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت الآية، فذكر فرعون هنا الإيمان ثلاث مرات: اثنتان في الجناب الإلهي، والأخيرة تعمه، والإيمان بموسى حيث قال: وأنا من المسلمين ولم يكن مسلما إلا من جمع بين الإيمان بالله وبرسوله.

ثم قال شيخنا رحمه الله: وفي (الفتوحات) و (الفصوص) ما حاصله: أن إيمانه لم يكن عند اليأس، لا على مذهبه ومذهب من وافقه، ولا على مذهب غيره. أما الأول فلأن إيمانه كان عند رؤية العذاب الدنيوي، لا عند احتضاره، والإيمان عند رؤية العذاب الدنيوي لا يعد يأسا عنده، وعند جمع. وأما على الثاني، فلأن قول فرعون ما كان عند يأسه من الحياة الدنيوية، فإنه علم أن من آمن بما آمن به قوم موسى كان له المشاركة في الطريق اليبس التي كانت للمؤمنين، وقد شاركهم في إيمانهم، فكان الغالب على ظنه أو يقينه المعاملة الخاصة بالمؤمنين والمشاهدة له، وما علم سنة الله في خلقه بأنه لا بد من الهلاك الدنيوي لمن كانت حالته كذلك، والهلاك في الدنيا لا يدل على عدم النجاة في الآخرة، وهو ظاهر. وعلى هذا فإيمانه لم يكن حال اليأس على المذهبين، فالأول بيقين، والثاني بحسب ما يظهر، ولا بعد بأنه كان طامعا في النجاة بيقين، لعموم المشاركة. هذا، وإن مذهب هذا العارف الخاص به هو البناء على اتساع الرحمة الإلهية، والأخذ بالظواهر من الآيات، ومع ذلك فلما ذكر البحث في شأن إيمان فرعون ونجاته، مع من قال بخلافهما، قال: إن الوقف في شأن إيمان فرعون هو الأسلم، لما شاع عند الخلق عامة من شقائه، وهذا منه صريح في أنه كان باحثا في إيمانه ونجاته من ظاهر اللفظ القرآني بحثا، لا جازما بهما -انتهى ملخصا-.

[ ص: 3395 ] ثم أنبأ تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل إثر نعمة إنجائهم من عدوهم وإهلاكه، وإخلالهم بشكرها وأداء حقوقها بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 93 ] ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون

ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق أضيف المكان إلى الصدق ; لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا، أن تضيفه إلى الصدق، تقول: رجل صدق. وقدم صدق. وقال تعالى: مدخل صدق و مخرج صدق إذا كان عاملا في صفة صالحا للغرض المطلوب منه، كأنهم لاحظوا أن كل ما يظن به فهو صادق.

وقوله تعالى ورزقناهم من الطيبات وهي المن والسلوى في التيه وبعده، مما فاض عليهم من الأرض التي تدر لبنا وعسلا فما اختلفوا حتى جاءهم العلم أي ما تفرقوا على مذاهب شتى في أمر دينهم، إلا من بعد ما جاءهم العلم الحاسم لكل شبهة، وهو ما بين أيديهم من الوحي، الذي يتلونه. أي: وما كان حقهم أن يختلفوا، وقد بين الله لهم، وأزاح عنهم اللبس. ونظير هذه الآية في النعي عليهم اختلافهم، قوله تعالى: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وقوله جل ذكره: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب وفيه أكبر زاجر وأعظم واعظ عن الاختلاف في الدين، والتفرق فيه.

إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون أي فيميز المحق من المبطل بالإنجاء والإهلاك.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.80 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.18 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]