عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 08-03-2023, 09:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ يُونُسَ
المجلد التاسع
صـ 3351 الى صـ 3365
الحلقة (396)




القول في تأويل قوله تعالى:

[ 38 ] أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين

أم يقولون افتراه أي بل أيقولون. فـ (أم) منقطعة مقدرة بـ (بل والهمزة) عند الجمهور، والهمزة للإنكار. أي ما كان ينبغي ذلك. وقيل: متصلة، ومعادلها [ ص: 3351 ] مقدر. أي أيقرون به بعد ما بينا من حقيقته أم يقولون افتراء قل فأتوا بسورة مثله أي إن كان الأمر كما تزعمون، فأتوا، على وجه الافتراء، بسورة مثله في البلاغة، وحسن الصياغة، وقوة المعنى، فأنتم مثل في العربية والفصاحة، وأشد تمرنا في النظم وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين أي ادعوا من دونه تعالى، ما استطعتم من خلقه، للاستعانة به على الإتيان بمثله -إن صدقتم في أني اختلقته- فإنه لا يقدر عليه أحد.

قال أبو السعود: وإخراجه سبحانه من حكم الدعاء، للتنصيص على براءتهم منه تعالى، وكونهم في عدوة المضادة والمشاقة، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه، فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 39 ] بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين

بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه إضراب وانتقال عن إظهار بطلان ما قالوا في حق القرآن العظيم بالتحدي، إلى إظهاره ببيان أنه كلام ناشئ عن جهلهم بشأنه الجليل، أي سارعوا إلى التكذيب به، وفاجؤوه في بديهة السماع، وقبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه، ويقفوا على تأويله ومعانيه وما في تضاعيفه من الشواهد الدالة على كونه ليس مما يمكن أن يقدر عليه مخلوق، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشئ على التقليد من الحشوية، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه، وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة، وبيان الاستقامة، أنكرها [ ص: 3352 ] في أول وهلة، واشمأز منها، قبل أن يحس إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد ; لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه، وفساد ما عداه من المذاهب. وسر التعبير بما لم يحيطوا بعلمه الإيذان بكمال جهلهم به، وأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم علمهم به -كذا في الكشاف وأبي السعود-.

ولما يأتهم تأويله أي بيان ما يؤول إليه، مما توعدهم فيه. وهذا المعنى هو الصحيح في الآية. وقد مشى عليه غير واحد.

قال في (تنوير الاقتباس): أي عاقبة ما وعدهم في القرآن.

وقال الجلال: أي عاقبة ما فيه من الوعيد.

وقال القاشاني: تأويله: أي ظهور ما أشار إليه في مواعيده، وأمثاله مما يؤول أمره وعلمه إليه، فلا يمكنهم التكذيب ; لأنه إذا ظهرت حقائقه لا يمكن لأحد تكذيبه.

كذلك كذب الذين من قبلهم أي بآيات الرسل، قبل التدبر في معانيها.

فانظر كيف كان عاقبة الظالمين أي من هلاكهم بسبب تكذيبهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 40 ] ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين [ 41 ] وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون [ 42 ] ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون

ومنهم من يؤمن به أي يصدق به في نفسه، ولكن يكابر بالتكذيب ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين

[ ص: 3353 ] وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون أي إن أصروا على تكذيبك، فتبرأ منهم، فقد أعذرت.

ثم أشار إلى أنهم ممن طبع على قلوبهم بقوله تعالى: ومنهم من يستمعون إليك أي إذا قرأت القرآن أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون أبرزهم في عدم انتفاعهم بسماعهم، لكونهم لا يعون ولا يقبلون، بصورة الصم المعتوهين: أي أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم، ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم؟ لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل فقد تم الأمر.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 43 ] ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون

ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون كذلك أبرزهم لعدم انتفاعهم بمشاهدة أدلة الصدق وأعلام النبوة، بصورة العمى المضموم إلى عماهم فقد البصيرة. أي: أتحب هداية من كان كذلك؟ لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن، أما مع الحمق فجهد البلاء. يعني أنهم في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا، كالصم والعمي الذين لا بصائر لهم ولا عقول -كذا في الكشاف-.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 44 ] إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون

إن الله لا يظلم الناس شيئا بتعذيبهم من غير أن تقوم الحجة عليهم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ومن غير أن يكونوا سليمي الحواس والمدارك، فإنه لعدله لا يفعل ذلك. ولكن الناس أنفسهم يظلمون بالكفر والتكذيب وعدم استعمال حاساتهم ومداركهم فيما خلقت له.
[ ص: 3354 ] القول في تأويل قوله تعالى:

ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين

ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار أي: شيئا قليلا يتعارفون بينهم أي يعرف بعضهم بعضا، كأنهم لم يتعارفوا إلا قليلا. قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله أي بالبعث بعد الموت وما كانوا مهتدين أي من الكفر والضلالة.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 46 ] وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون [ 47 ] ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون

وإما نرينك بعض الذي نعدهم أي من العذاب أو نتوفينك أي قبل ذلك فإلينا مرجعهم أي فننجزهم ما وعدناهم كيفما دار الحال ثم الله شهيد على ما يفعلون أي من مساوئ الأفعال.

ولكل أمة رسول أي منهم، أرسل لهدايتهم، وتزكيتهم بما يصلحهم فإذا جاء رسولهم أي فبلغهم ما أرسل به فكذبوه قضي بينهم بالقسط أي بالعدل، فأنجي الرسول وأتباعه، وعذب مكذبوه وهم لا يظلمون أي في ذلك القضاء المستوجب لتعذيبهم ; لأنه من نتائج أعمالهم.

وقال القاشاني في قوله تعالى قضي بينهم أي بهداية من اهتدى منهم، وضلالة [ ص: 3355 ] من ضل وسعادة من سعد، وشقاوة من شقي، لظهور ذلك بوجوده، وطاعة بعضهم إياه لقربه منه، وإنكار بعضهم له لبعده عنه. أو قضى بينهم بإنجاء من اهتدى به وإثابته، وإهلاك من ضل وتعذيبه، لظهور أسباب ذلك بوجوده -انتهى-. فالآية على هذا كقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وجوز أن يكون المعنى: لكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه، وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، قضى بينهم بإنجاء المؤمنين، وعقاب الكافرين. كقوله تعالى: وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 48 ] ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين [ 49 ] قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون

ويقولون متى هذا الوعد استبعادا له، واستهزاء به إن كنتم صادقين أي في أنه يأتينا، ولما فيه من الإشعار بكون إتيانه بواسطة النبي صلوات الله عليه، قيل: قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا أي مع ذلك أقرب حصولا، فكيف أملك لكم حتى أستعجل في جلب العذاب لكم وتقديم الضر، لما أن مساق النظم لإظهار العجز عنه، وأما ذكر النفع فلتوسيع الدائرة تعميما. والمعنى لا أملك شيئا ما.

إلا ما شاء الله أي أن أملكه، أو لكن ما شاء الله كائن، فالاستثناء متصل أو منقطع. وصوب أبو السعود الثاني، بأن الأول يأباه مقام التبرؤ من أن يكون، عليه الصلاة والسلام، له دخل في إتيان الوعد. وبسط تقريره.

[ ص: 3356 ] وأفاد بعض المحققين أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن الكريم للدلالة على الثبوت والاستمرار، كما في هذه الآية، وقوله: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك قال: والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى، لا بطبيعتها في نفسها، ولو شاء تعالى أن يغيرها لفعل. اهـ. وهو نفيس جدا فليحرص على حفظه.

وقوله تعالى لكل أمة أجل أي لكل واحد من آحاد كل أمة أجل معين إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قال القاشاني: درجهم إلى شهود الأفعال بسلب الملك والتأثير عن نفسه، ووجوب وقوع ذلك بمشيئة الله، ليعرفوا آثار القيامة. ثم لوح إلى أن القيامة الصغرى هي بانقضاء آجالهم المقدرة عند الله بقوله: لكل أمة أجل الآية.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 50 ] قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون

قل أرأيتم أي أخبروني إن أتاكم عذابه أي الذي تستعجلون به بياتا أي ليلا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أي ولا شيء منه بمرغوب البتة.

لطائف:

الأولى – (أرأيت) يستعمل بمعنى الاستفهام عن الرؤية البصرية أو العلمية، وهو أصل وضعه، ثم استعملوه بمعنى (أخبرني) والرؤية فيه يجوز أن تكون بصرية وعلمية، فالتقدير: أأبصرت حالته العجيبة، أو أعرفتها؟ فأخبرني عنها. ولذا لم يستعمل في غير الأمر العجيب. ولما كانت رؤية الشيء سببا لمعرفته، ومعرفته سببا للإخبار عنه، أطلق السبب القريب [ ص: 3357 ] أو البعيد، وأريد مسببه، وهل هو بطريق التجوز كما ذهب إليه كثير، أو التضمين كما ذهب إليه أبو حيان- كذا في (العناية).

الثانية - سر إيثار (بياتا) على (ليلا) مع ظهور التقابل فيه ; الإشعار بالنوم والغفلة، وكونه الوقت الذي يبيت فيه العدو، ويتوقع فيه، ويغتنم فرصة غفلته، وليس في مفهوم الليل هذا المعنى، ولم يشتهر شهرة النهار بالاشتغال بالمصالح والمعاش، حتى يحسن الاكتفاء بدلالة الالتزام كما في النهار، أو النهار كله محل الغفلة، لأنه إما زمان اشتغال بمعاش أو غذاء، أو زمان قيلولة، كما في قوله: بياتا أو هم قائلون بخلاف الليل، فإن محل الغفلة فيه ما قارب وسطه وهو وقت البيات، فلذا خص بالذكر دون النهار. و (البيات) بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم، لا بمعنى البيتوتة.

الثالثة -قيل: إن استعجالهم العذاب، كان المقصود منه الاستبعاد والاستهزاء، دون ظاهره، فورود (ما) هنا في الجواب على الأسلوب الحكيم. لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا الاستبعاد أن الموعود منه تعالى، وأنه افتراء، فطلبوا منه تعيين وقته تهكما وسخرية، فقال في جوابهم هذا التهكم لا يتم إذا كنت مقرا بأني مثلكم، وأني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا، فكيف أدعي ما ليس لي به حق؟ ثم شرع في الجواب الصحيح، ولم يلتفت إلى تهكمهم واستبعادهم -أفاده الطيبي-.

الرابعة - سر إيثار ماذا يستعجل منه المجرمون على (ماذا يستعجلون منه) هو الدلالة على موجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام، لأن من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه، وإن أبطأ، فضلا عن أن يستعجله -كذا في (الكشاف)-.

قال في (الانتصاف): وفي هذا النوع البليغ نكتتان:

إحداهما: وضع الظاهر مكان المضمر.

[ ص: 3358 ] والأخرى: ذكر الظاهر بصيغة زائدة مناسبة للمصدر.

وكلاهما مستقل بوجه من البلاغة والمبالغة -والله أعلم-.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 51 ] أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون

أثم إذا ما وقع آمنتم به إنكار لإيمانهم بنزول العذاب بعد وقوعه حقيقة، داخل مع ما قبله من إنكار استعجالهم به بعد إتيانه حكما، تحت القول المأمور به. أي: أبعد ما وقع العذاب وحل بكم حقيقة آمنتم به حين لا ينفعكم الإيمان؟ إنكارا لتأخيره إلى هذا الحد، وإيذانا باستتباعه للندم والحسرة، ليقلعوا عما هم عليه من العناد، ويتوجهوا نحو التدارك قبل فوت الفوات -أفاده أبو السعود -.

وقوله تعالى: آلآن وقد كنتم به تستعجلون على إرادة القول. أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد معاينة العذاب ، آلآن آمنتم به ؟ وذلك إنكارا للتأخير، وتوبيخا عليه. وسر وضع " تستعجلون" موضع (تكذبون) الذي يقتضيه الظاهر ; الإشارة إلى أن المراد به الاستعجال السابق، وهو التكذيب والاستهزاء، استحضارا لمقالتهم، فهو أبلغ من (تكذبون).

وقيل: الاستعجال كناية عن التكذيب، وفائدة هذه الحال استحضارها. هذا ما ذكروه، ولا مانع من بقاء الاستعجال على حقيقته، يدل عليه آية: وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة إلخ، فهم مع تهكمهم رضوا بأن يعاينوا آية يعذبون بها، لما في قلوبهم من مرض العناد العضال، والجهل المصم المعمي، ولذلك أجيبوا بأن العذاب هل فيه ما يستعجل منه! أي فمثل هذا الاستعجال لا يصدر ممن [ ص: 3359 ] له مسكة من عقل ; إذ لا يستعجل إلا ما يرجى خيره، ثم أعلمهم بعدم فائدة إيمانهم وقتئذ، وما يوبخون به، إنكارا للتأخير -والله أعلم-.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 52 ] ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون [ 53 ] ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين

ثم قيل للذين ظلموا أي أشركوا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تكسبون أي تقولون وتعملون في الدنيا.

ويستنبئونك أي يستخبرونك أحق هو أي الوعد بعذاب الخلد، أو ادعاء النبوة أو القرآن: قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين أي بفائتين العذاب. فهو لاحق بكم لا محالة، من (أعجزه) الشيء إذا فاته. ويصح كونه من (أعجزه) بمعنى وجده عاجزا. أي: ما أنتم بواجدي العذاب أو من يوقعه بكم عاجزا عن إدراككم، وإيقاعه بكم.

لطائف:

الأولى- دل سؤالهم هذا على محض جهلهم أو عنادهم، لما ثبت من البرهان القاطع على نبوته بمعجز القرآن، وإذا صحت النبوة لزم القطع بصحة كل ما ينبئهم عنه، مما يصدعهم به.

الثانية- إنما أمر بالقسم لاستمالتهم، وللجري على ما هو المألوف في المحاورة، من تحقيق المدعي، فإن من أقسم على خير، فقد كساه حلة الجد، وخلع عنه لباس الهزل: إنه لقول فصل وما هو بالهزل

[ ص: 3360 ] الثالثة- لما كانت الناس طبقات، كان منهم من لا يسلم إلا ببرهان حقيقي، ومنهم من لا ينتفع به، ويسلم إلا بالأمور الإقناعية، نحو القسم، كالأعرابي الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله عن رسالته وبعثه، وأنشده بالذي بعثه، ثم اقتنع بقوله صلوات الله عليه: « اللهم نعم » فقال: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة، -رواه البخاري في أوائل كتاب العلم-.

الرابعة- قال ابن كثير: هذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ: وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم وفي التغابن: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير -انتهى -.

وقد استمد ابن كثير هذا مما ذكره شيخه الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) قال: وحلف صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثمانين موضعا، وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، ثم ذكر هذه الآيات، ثم قال: وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر بن داود الظاهري ولا يسميه بالفقيه - فتحاكم إليه يوما هو وخصم له، فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود، فتهيأ للحلف، فقال له القاضي إسماعيل: وتحلف، ومثلك يحلف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني عن الحلف، وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه؟ قال: أين ذلك؟ فسردها أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم. انتهى.
[ ص: 3361 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 54 ] ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون

ولو أن لكل نفس ظلمت أي بالشرك بالله، أو التعدي على الغير، أو مطلقا ما في الأرض أي من الأموال لافتدت به أي لجعلته فدية لها من العذاب وأسروا الندامة أي أخفوها أسفا على ما فعلوا من الظلم. وضمير " أسروا" للنفوس، المدلول عليها بـ (كل نفس). والعدول إلى صيغة الجمع ; لتهويل الخطب، بكون الخطب بطريق الاجتماع لما رأوا العذاب أي عاينوه وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون أي فيما فعل بهم من العذاب ; لأنه جزاء ظلمهم. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 55 ] ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون [ 56 ] هو يحيي ويميت وإليه ترجعون

ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون هو يحيي ويميت وإليه ترجعون إعلام بأن له الملك كله، وأنه المثيب المعاقب، وما وعده من الثواب والعقاب فهو حق، وهو القادر على الإحياء والإماتة، لا يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك، فيخاف ويرجى، ولا يغتر به المغترون -كذا في الكشاف-.
[ ص: 3362 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 57 ] يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين

يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم أي تزكية لنفوسكم بالوعد والوعيد، والإنذار والبشارة، والزجر عن الذنوب المورطة في العقاب، والتحريض على الأعمال الموجبة للثواب، لتعملوا على الخوف والرجاء وشفاء لما في الصدور أي القلوب من أمراضها، كالشك والنفاق، والغل والغش، وأمثال ذلك، بتعليم الحقائق، والحكم الموجبة لليقين، وتصفيتها بقبول المعارف، والتنور بنور التوحيد وهدى أي لنفوسكم من الضلالة ورحمة للمؤمنين أي لمن آمن به، بالنجاة من العذاب والارتقاء إلى درجات النعيم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 58 ] قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

قل بفضل الله يعني القرآن الذي أكرموا به وبرحمته يعني الإسلام فبذلك أي فبمجيئهما فليفرحوا أي لا بالأمور الفانية القليلة المقدار، الدنيئة القدر والوقع هو خير مما يجمعون أي من الأموال وأسباب الشهوات، إذ لا ينتفع بجميعها ولا يدوم، ويفوت به اللذات الباقية، بحيث يحال بينهم وبين ما يشتهون.

والفاء داخلة في جواب شرط مقدر، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فيهما فليفرحوا. أو هي رابطة لما بعدها بما قبلها، لدلالتها على تسبب ما بعدها عما قبلها. والفاء الثانية زائدة لتأكيد الأولى، أو الزائدة الأولى، لأن جواب الشرط في الحقيقة فليفرحوا و (بذلك) مقدم من تأخير، وزيدت فيه الفاء للتحسين. وكذلك جوز أن يكون بدلا من قوله بفضل الله وبرحمته
[ ص: 3363 ] ثم بين تعالى أن من فضله على الناس تبيين الحرام من الحلال على ألسنة الرسل، لئلا يفتروا عليه الكذب بتحريم ما أحل أو عكسه، كما فعل المشركون، بقوله سبحانه:

القول في تأويل قوله تعالى:

[ 59 ] قل أرأيتم ما أنـزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون

قل أرأيتم ما أنـزل الله لكم من رزق أي ما خلق لكم من حرث وأنعام فجعلتم منه حراما وحلالا أي أنزله تعالى رزقا حلالا كله، فبغضتموه، وقلتم: هذا حلال وهذا حرام، كقولهم: هذه أنعام وحرث حجر ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا قل آلله أذن لكم في الحكم بالتحريم والتحليل، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه أم على الله تفترون أي تختلقون الكذب،
ثم بين وعيد هذا الافتراء بقوله:

القول في تأويل قوله تعالى:

[ 60 ] وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون

وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة أي فيما يفعل بهم، وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم، حيث أبهم أمره إن الله لذو فضل على الناس في إنزال الوحي وتعليم الحلال والحرام ولكن أكثرهم لا يشكرون أي هذه النعمة، فيستعملون ما وهب إليهم من الاستعداد والعلوم في مطالب النفس الخسيسة، ولا يتبعون ما هدوا إليه.
[ ص: 3364 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 61 ] وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين

وما تكون في شأن أي أمر ما وما تتلو منه أي التنزيل من قرآن أي سورة أو آية ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه أي تخوضون وتندفعون فيه وما يعزب أي يغيب عن ربك من مثقال ذرة أي نملة أو هباء في الأرض ولا في السماء أي في دائرة الوجود والإمكان.

وقوله تعالى: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين كلام برأسه، مقرر لما قبله، أي مكتوب مبين، لا التباس فيه. والمراد بالآية البرهان على إحاطة علمه تعالى بحال أهل الأرض، بأن من لا يغيب عن علمه شيء كيف لا يعرف حال أهل الأرض، وما هم عليه مع نبيه صلى الله عليه وسلم؟! وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 62 ] ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ 63 ] الذين آمنوا وكانوا يتقون [ 64 ] لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم

ألا إن أولياء الله جمع ولي، وهو في الأصل ضد العدو، بمعنى المحب، وجاز كونه هنا بمعنى الفاعل، أي الذين يتولونه بالطاعة، كقوله تعالى: ومن يتول الله ورسوله [ ص: 3365 ] والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون وبمعنى المفعول أي الذي يتولاهم بالإكرام، كقوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وقوله: إنما وليكم الله ورسوله الآية -وكلا المعنيين متلازمان: لا خوف عليهم من لحوق مكروه، ولا هم يحزنون أي من الفزع الأكبر، كما في قوله تعالى: لا يحزنهم الفزع الأكبر

الذين آمنوا أي بكل ما جاء من عند الله تعالى وكانوا يتقون أي يخافون ربهم، فيفعلون أوامره، ويتجنبون مناهيه، من الشرك والكفر والفواحش. ومحل الموصول الرفع على أنه خبر لمحذوف، كأنه قيل: من أولئك وما سبب فوزهم بذاك الإكرام؟ فقيل: هم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى، المفضيين إلى كل خير، المنجيين من كل شر، أو النصب بمحذوف.

وقوله تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة (البشرى) مصدر إما باق على مصدريته، والمبشر به محذوف، أي لهم البشارة فيهما بالجنة، وإنما حذف للعلم به من آيات أخر، كقوله تعالى: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا إلى قوله: يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم وقوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنـزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون وإما مراد به المبشر به، وتعريفه للعهد، كقوله سبحانه: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]