عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 08-03-2023, 09:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,351
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ يُونُسَ
المجلد التاسع
صـ 3336 الى صـ 3350
الحلقة (395)





القول في تأويل قوله تعالى:

[ 19 ] وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون

وما كان الناس إلا أمة واحدة أي حنفاء متفقين على ملة واحدة، وهي فطرة الإسلام والتوحيد التي فطر عليها كل أحد فاختلفوا باتباع الهوى وعبادة الأصنام، فالشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة صرفا للناس عن وجهة التوحيد، ولذلك بعث الله الرسل بآياته وحججه البالغة ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة"، ولولا [ ص: 3336 ] كلمة سبقت من ربك أي بتأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة لقضي بينهم أي عاجلا فيما فيه يختلفون بتمييز الحق من الباطل، بإبقاء المحق، وإهلاك المبطل.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 20 ] ويقولون لولا أنـزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين

ويقولون لولا أنـزل عليه آية من ربه أي من الآيات التي اقترحوها تعنتا وعنادا، وكانوا لا يعتدون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة، التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر، بديعة غريبة في الآيات فقل إنما الغيب لله أي هو المختص بعلم الغيب، المستأثر به، لا علم لي ولا لأحد به. يعني أن الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو.

فانتظروا إني معكم من المنتظرين أي فيما يقضيه الله تعالى في عاقبة تعنتكم، فإن العاقبة للمتقين. وقد قال تعالى في آية أخرى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وقال تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية وقال تعالى ولو نـزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين أي فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا لمقترحهم، لفرط عنادهم. ولا يخفى أن القرآن الكريم لما قام به الدليل القاهر على صدق نبوته، عليه السلام، لإعجازه، كان طلب آية أخرى سواه من مقترحهم- مما لا حاجة له في صحة نبوته، وتقرير رسالته، فمثلها يكون مفوضا إلى مشيئته تعالى، فترد إلى غيبه، وسواء أنزلت أو لا، فقد ثبتت نبوته، ووضحت رسالته، صلوات الله عليه.

[ ص: 3337 ] ثم أكد تعالى ما هم عليه من العناد واللجاج، مشيرا إلى أنهم لا يذعنون، ولو أجيبوا لمقترحهم، بما يعهد منهم من عدولهم عنه تعالى بعد كشفهم ضرهم إلى الإشراك، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 21 ] وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون

وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم أي خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم إذا لهم مكر في آياتنا أي يتبين مكرهم ويظهر كامن شركهم، فهم في وقت الضراء في الإقبال عليه تعالى لكشفها، كالمخادع الذي يظهر خلاف ما يبطن، ثم ينجلي أمره بعد قل الله أسرع مكرا أي عقوبة، أي عذابه أسرع وصولا إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق، وتسمية العقوبة بالمكر لوقوعها في مقابلة مكرهم وجودا أو ذكرا. إن رسلنا أي الذين يحفظون أعمالكم يكتبون ما تمكرون أي مكركم، أو ما تمكرونه، وهو تحقيق للانتقام، وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه غير خاف على الحفظة، فضلا عن العليم الخبير.

ثم بين تعالى نوعا من أنواع مكرهم في آية إنجائهم من لجج البحر بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 22 ] هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين

هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك أي السفن [ ص: 3338 ] وجرين أي السفن بهم أي بالذين فيها بريح طيبة أي لينة الهبوب، موافقة للمرغوب وفرحوا بها لأمن الآيات جاءتها ريح عاصف أي ذات شدة وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم أي أحاط بهم أسباب الهلاك، وهي شدة الموج والريح دعوا الله أي للتخلص منها مخلصين له الدين وهو الدعاء لأنهم حينئذ لا يدعون معه غيره لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين أي العابدين لك شكرا.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 23 ] فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون

فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق أي يفسدون فيها، ويسارعون إلى ما كانوا عليه من الشرك ونحوه يا أيها الناس أي الناسين نعمة الخلاص بالإخلاص واستجابة الدعاء إنما بغيكم على أنفسكم أي وباله عليكم. متاع الحياة الدنيا خبر محذوف أو هو متاع. أو خبر ثان أو هو الخبر لـ (بغيكم) و (على) متعلق به. وقرئ بالنصب مصدر لمحذوف، أي نمتعكم. أو مفعول به له. أي تبغون ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون أي في الدنيا وهو وعيد بجزائهم على البغي.
ثم بين تعالى شأن الدنيا وقصر مدة التمتع بها وقرب زمان الرجوع الموعود بقوله:

[ ص: 3339 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 24 ] إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنـزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون

إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنـزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض أي امتزج به لسريانه فيه، فالباء للمصاحبة، أو هي للسببية، أي اختلط بسببه حتى خالط بعضه بعضا، أي التف بعضه ببعض، والأول أظهر مما يأكل الناس والأنعام من الزروع والثمار والكلأ والحشيش حتى إذا أخذت الأرض زخرفها أي حسنها وبهجتها وازينت أي بأصناف النبات وظن أهلها أنهم قادرون عليها أي متمكنون من تحصيل حبوبها وثمرها وحصدها أتاها أمرنا أي عذابنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا أي كالمحصود من أصله كأن لم تغن أي لم تنبت بالأمس أي قبيل ذلك الوقت. و (الأمس) مثل في الوقت القريب كذلك نفصل الآيات أي بالأمثلة تقريبا لقوم يتفكرون أي في معانيها.

تنبيه:

قال القاشاني: البغي ضد العدل، فكما أن العدل فضيلة شاملة لجميع الفضائل، وهيأة وحدانية لها، فائضة من نور الوحدة على النفس، فالبغي لا يكون إلا عن غاية الانهماك في الرذائل، بحيث يستلزمها جميعا، فصاحبها في غاية البعد عن الحق، ونهاية الظلمة، كما قال: الظلم ظلمات يوم القيامة. فلهذا قال: "على أنفسكم" لا على المظلوم ; لأن المظلوم [ ص: 3340 ] سعد به، وشقي الظالم غاية الشقاء، وهو ليس إلا متاع الحياة الدنيا ; إذ جميع الإفراطات والتفريطات المقابلة للعدالة تمتعات طبيعية، ولذات حيوانية، تنقضي بانقضاء الحياة الحسية التي مثلها في سرعة الزوال، وقلة البقاء، هذا المثل الذي مثل به، من تزين الأرض بزخرفها من ماء المطر، ثم فسادها ببعض الآفات سريعا قبل الانتفاع بنباتها، ثم تتبعها الشقاوة الأبدية والعذاب الأليم الدائم.

وفي الحديث: « أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة » ; لأن صاحبه تتراكم عليه حقوق الناس، فلا تحتمل عقوبته المهل الطويل الذي يحتمله حق الله تعالى. انتهى.

وسمعت بعض المشايخ يقول: قلما يبلغ الظالم والفاسق أوان الشيخوخة، وذلك لمبارزتهما الله تعالى في هدم النظام المصروف عنايته تعالى إلى ضبطه، ومخالفتهما إياه في حكمته وعدله. انتهى.

ولما ذكر تعالى الدنيا وسرعة تقضيها، رغب في الجنة ودعا إليها، وسماها دار السلام، أي من الآفات والنقائص، لذكر الدنيا بما يقابله من كونها معرضا للآفات كما مر، فقال سبحانه:
[ ص: 3341 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 25 ] والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [ 26 ] للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون

والله يدعو إلى دار السلام أي يدعو الخلق بتوحيده إلى جنته ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم أي دين قيم يرضاه، وهو الإسلام.

للذين أحسنوا الحسنى وزيادة أي للذين أحسنوا النظر، فعرفوا مكر الدنيا والشهوات، فأعرضوا عنها، وتوجهوا إلى الله تعالى، فعبدوه كأنهم يرونه، المثوبة الحسنى، وهي الجنة، وزيادة على المثوبة، وهي التفضل كما قال تعالى: "ويزيدهم من فضله" ، وأعظم أنواعه النظر إلى وجهه تعالى الكريم. ولذا تواتر تفسيرها بالرؤية عن غير واحد من الصحابة والتابعين. ورفعها ابن جرير إلى النبي صلوات الله عليه، عن أبي موسى وكعب بن عجرة، وأبي. وكذا ابن أبي حاتم.

وروى الإمام أحمد عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: للذين أحسنوا إلخ، وقال: « إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله! ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم » وهكذا رواه مسلم.

[ ص: 3342 ] ولا يرهق وجوههم قتر أي لا يغشاها غبرة سوداء من أثر حب الدنيا والشهوات ولا ذلة أي أثر هوان، وكسوف بال، من أثر الالتفات إلى ما دون الله تعالى.

قال الناصر: وفي تعقيب الزيادة بهذه الجملة مصداق لصحة تفسير الزيادة بالرؤية الكريمة، فإن فيه تنبيها على إكرام وجوههم بالنظر إلى وجه الله تعالى، فجدير بهم أن لا يرهق وجوههم قتر البعد، ولا ذلة الحجاب، عكس المحرومين المحجوبين، فإن وجوههم مرهقة بقتر الطرد وذلة البعد.

وقوله تعالى: أولئك أي الذين أحسنوا أصحاب الجنة هم فيها خالدون
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 27 ] والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون

والذين كسبوا السيئات أي الشرك والمعاصي جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم أي واق يقيهم العذاب كأنما أغشيت أي ألبست وجوههم قطعا أي أجزاء من الليل مظلما لفرط سوادها وظلمتها. وذلك لارتكابهم الهيئة المظلمة من الميول الطبيعية، والأعمال الردية، والقصد الإخبار بأبدع تشبيه عن سواد وجوههم. وقد ذكر هذا المعنى في غير ما آية أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
ثم بين تعالى ما ينال المشركين يوم الحشر من التوبيخ والخزي بقوله سبحانه:

[ ص: 3343 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 28 ] ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون

ويوم نحشرهم جميعا يعني المشركين ومعبوداتهم للمقاولة بينهم ثم نقول للذين أشركوا أي معبوديهم بالله، مع توقعهم الشفاعة منهم مكانكم أنتم وشركاؤكم أي الزموا مكانكم، لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم. قال القاشاني: معناه قفوا مع ما وقفوا معه في الموقف من قطع الوصل والأسباب التي هي سبب محبتهم وعبادتهم، وتبرؤ المعبود من العابد لانقطاع الأغراض الطبيعية التي توجب تلك الوصل.

ومعنى قوله فزيلنا بينهم أي مع كونهم في الموقف معا، فرقنا بينهم، وقطعنا الوصل التي بينهم، فلا يبقى من العابدين توقع شفاعة، ولا من المعبودين إفادتها، لو أمكنتهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون إذ لم تكن عبادتكم عن أمرنا، بل عن أمر الشيطان، فكنتم عابديه بالحقيقة، بطاعتكم إياه، وعابدي ما اخترعتموه في أوهامكم من أباطيل فاسدة، وأماني كاذبة.

قيل: القول مجاز عن تبرئهم من عبادتهم، وأنهم عبدوا أهواءهم وشياطينهم ; لأنها الآمرة لهم دونهم ; لأن الأوثان جمادات وهي لا تنطق. وقيل: ينطقها الله الذي أنطق كل شيء ، فتشافههم بذلك، مكان الشفاعة التي كانوا يتوقعونها.
[ ص: 3344 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 29 ] فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين

فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم أي: لنا لغافلين أي الله يعلم أنا ما أمرناكم بذلك وما أردنا عبادتكم إيانا.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 30 ] هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون

هنالك أي في ذلك المقام المدهش، حين قطع المواصلة، وإنكار الشركاء العبادة تبلو كل نفس ما أسلفت أي تختبر وتذوق كل نفس ما أسلفت من العمل، فتعاين أثره من قبح وحسن، ورد وقبول، كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه، ليكتنه حاله، وهذا كقوله تعالى: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر وقوله: يوم تبلى السرائر

وردوا إلى الله مولاهم الحق الضمير للذين أشركوا، أي ردوا إلى الله المتولي جزاءهم بالعدل والقسط وضل عنهم ما كانوا يفترون أي ضاع عنهم ما افتروه من اختراعاتهم، وأصول دينهم ومذهبهم، وتوهماتهم الكاذبة، وأمانيهم الباطلة. أي ظهر ضياعه وضلاله ولم يبق له أثر فيهم.

وفي هذه الآية تبكيت شديد للمشركين الذين عبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا، ولم يأمرهم بذلك، ولا رضي به، ولا أراده، بل تبرأ منهم أحوج ما يكونون إلى المعونة. والمشركون أنواع وأقسام، وقد ذكرهم تعالى في كتابه، وبين أحوالهم، ورد عليهم أتم رد.

ثم احتج على المشركين على وحدانيته باعترافهم بربوبيته وحده بقوله سبحانه وتعالى:
[ ص: 3345 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 31 ] قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون

قل من يرزقكم من السماء والأرض بالإمطار والإنبات وهل يمكن إلا ممن له التصرف العام فيها أمن يملك السمع والأبصار أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة، كقوله تعالى: قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار

ومن يخرج الحي من الميت يعني النسمة من النطفة، أو الطير من البيضة، أو السنبلة من الحب ويخرج الميت من الحي كأن يخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر. وقيل: المراد أن يخرج المؤمن من الكافر أو الكافر من المؤمن. ومن يدبر الأمر أي ومن يلي تدبير أمر العالم كله، بيده ملكوت كل شيء، تعميم بعد تخصيص فسيقولون الله إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحه فقل أفلا تتقون أي أفلا تخافون بعد اعترافكم، من غضبه لعبادة غيره اتباعا للهوى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 32 ] فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون

فذلكم إشارة إلى من هذه قدرته وأفعاله الله ربكم الحق الثابت وحدانيته ثباتا لا ريب فيه، لمن حقق النظر فماذا بعد الحق إلا الضلال يعني أن الحق والضلال لا واسطة بينهما، فمن تخطى الحق وقع في الضلال، أي فما بعد حقية ربوبيته إلا بطلان ربوبية ما سواه، وعبادة غيره، انفرادا أو شركة فأنى تصرفون أي عن الحق [ ص: 3346 ] الذي هو التوحيد، إلى الضلال الذي هو الشرك، وأنتم تعترفون بأنه الخالق كل شيء.
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 33 ] كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون

كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون أي ثبت حكمه وقضاؤه على الذين تمردوا في كفرهم، وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه. وقوله أنهم لا يؤمنون بدل من الكلمة، أي حق عليهم انتفاء الإيمان، وعلم الله منهم ذلك. أو أراد بالكلمة العدة بالعذاب و أنهم لا يؤمنون تعليل بمعنى (لأنهم لا يؤمنون) أفاده الزمخشري- أي كقوله تعالى: قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين وقوله تعالى: أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار قيل: الذين فسقوا مظهر وضع موضع ضمير المخاطبين للإشعار بالعلية، و(الفسق) هنا التمرد في الكفر، فآل الكلام إلى أن كلمة العذاب حقت عليهم، لتمردهم في كفرهم، ولأنهم لا يؤمنون، وهو تكرار. وأجيب بأنه تصريح بما علم ضمنا من الذين فسقوا أو دلالة على شرف الإيمان بأن عذاب المتمردين في الكفر بسبب انتفاء الإيمان.

ثم احتج أيضا على حقية التوحيد وبطلان الشرك بما هو من خصائصه تعالى، من بدء الخلق وإعادته، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 34 ] قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون

قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده أي من يبدؤه من النطفة، ويجعل فيه الروح ليتعرف إليه، ويستعمله أعمالا، ثم يحييه يوم القيامة، ليجزيه بما أسلف [ ص: 3347 ] في أيامه الخالية. وإنما نظمت الإعادة في سلك الاحتجاج مع عدم اعترافهم بها ; إيذانا بظهور برهانها، للأدلة القائمة عليها سمعا وعقلا، وإن إنكارها مكابرة وعنادا لا يلتفت إليه، وإشعارا بتلازم البدء والإعادة وجودا وعدما، يستلزم الاعتراف به الاعتراف بها. ثم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يبين لهم من يفعل ذلك، فقيل له: قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون أي فكيف تصرفون إلى عبادة الغير، مع عجزه عما ذكر. ثم احتج عليهم أيضا، إفحاما إثر إفحام، بقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 35 ] قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون

قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق أي بوجه من الوجوه، كبعثة الرسل، وإيتاء العقل. وتمكين النظر في آيات الكون، والتوفيق للتدبر. قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق وهو تبارك وتعالى- أحق أن يتبع أي يعبد ويطاع أمن لا يهدي أي إلا أن يهديه الله تعالى -نزل منزلة من يعقل لإفحامهم- وقيل معناه: أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن ينقل، أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء، إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا فيهديه. وقد قرئ ((أمن لا يهدي)) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، أصله يهتدي، أدغمت التاء في الدال، ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء؛ وقرئ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، لأنه لما نقلت الحركة التقى ساكنان، فكسر أولهما للتخلص من التقائهما، وقرئ بسكون [ ص: 3348 ] الهاء وبتخفيف الدال، على معنى (يهتدي) والعرب تقول: يهدي بمعنى يهتدي. يقال: هديته فهدي، أي اهتدى.

وقوله تعالى فما لكم مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار والتعجب. أي: أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين عن هداية أنفسهم، فضلا عن هداية غيرهم شركاء. وقوله كيف تحكمون مستأنف، أي كيف تحكمون بالباطل، حيث تزعمون أنهم أنداد الله؟!
القول في تأويل قوله تعالى:

[ 36 ] وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون

وما يتبع أكثرهم أي في اعتقادهم ألوهية الأصنام إلا ظنا اعتقادا غير مستند لبرهان، بل لخيالات فارغة، وأقيسة فاسدة. والمراد ب(الأكثر): الجميع إن الظن لا يغني من الحق أي من العلم والاعتقاد الحق شيئا أي من الإغناء. فـ " شيئا" في موضع المصدر، أي غناء ما. أو مفعول لـ " يغني" ، و " من الحق" حال منه. إن الله عليم بما يفعلون وعيد على اتباعهم الظن، وإعراضهم عن البرهان.

تنبيه:

قال الرازي في هذه الآية:

اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا، ثم بالهداية ثانيا، عادة مطردة في القرآن. فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك، فقال: الذي خلقني فهو يهدين وعن موسى عليه السلام مثله فقال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق [ ص: 3349 ] فسوى والذي قدر فهدى وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وروح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية، فهاهنا أيضا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله: أمن يبدأ الخلق ثم يعيده أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية، والمقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون وهذا كان كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس، لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم. وأيضا فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم، أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة. أما الأحوال الروحانية، والمعارف الإلهية، فإنها كمالات باقية أبد الآباد، مصونة عن الكون والفساد. فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية، ولاضطراب العقول وتشعب الأفكار كانت الهداية وإدراك الحق بإعانته تعالى وحده. والهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، أو عن تحصيل معرفتها، وعلى كل فقد بينا أنها أشرف المراتب، وأعلى السعادات، وأنها ليست إلا منه تعالى. وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق، ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك، كانت عبادتها جهلا محضا، وسفها صرفا. فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال. اهـ.
ثم بين تعالى حقية هذا الوحي المنزل، رجوعا إلى ما افتتحت به السورة من صدق نبوة المنزل عليه، ودلائلها في آيات الله الكونية، والمنبئة عن عظيم قدرته، وجليل عنايته، بهداية بريته، فقال تعالى:

ثم بين [ ص: 3350 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[ 37 ] وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين

وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله لامتناع ذلك; إذ ليس لمن دونه تعالى كمال قدرته التي بها عموم الإعجاز ولكن تصديق الذي بين يديه أي مصدقا للتوراة والإنجيل والزبور بالتوحيد، وصفة النبي صلى الله عليه وسلم، و (تصديق) منصوب على أنه خبر (كان) أو علة لمحذوف، أي أنزله تصديق إلخ. وقرئ بالرفع خبرا لمحذوف، أي: هو تصديق الذي بين يديه. أي وبذلك يتعين كونه من الله تعالى ; لأنه لم يقرأها، ولم يجالس أهلها، وتفصيل الكتاب أي وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، من قوله كتاب الله عليكم كما قال علي رضي الله عنه: فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم. لا ريب فيه من رب العالمين أي منتفيا عنه الريب، كائنا من رب العالمين، أخبار أخر لما قبلها.

قال أبو السعود: ومساق الآية، بعد المنع عن اتباع الظن ; لبيان ما يجب اتباعه.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.82 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.35%)]