عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 08-03-2023, 09:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ التوبة
المجلد الثامن
صـ 3291 الى صـ 3305
الحلقة (393)


قال : فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ! » فقمت ، وقام إلي رجال من بني سلمة ، واتبعوني ، فقالوا لي : والله ! ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون ، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك .

قال : فوالله ! ما زالوا حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي .

قال : ثم قلت لهم : هل لقي معي هذا أحد ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك . قلت : فمن هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامري ، وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، لي فيهما أسوة .

[ ص: 3291 ] قال : فمضيت حين ذكروهما لي .

فقال : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ، أيها الثلاثة ، من بين من تخلف . فاجتنبنا الناس ، وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة .

فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم ، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف بالأسواق ، فلا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأسلم وأقول في نفسي : أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي ، فإذا التفت نحوه أعرض عني .

حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين ، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي ، وأحب الناس إلي ، فإذا التفت نحوه أعرض عني ، فسلمت عليه ، فوالله ! ما رد علي السلام . فقلت له : يا أبا قتادة ! أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ قال فسكت .

قال : فعدت له فنشدته فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت ، فقال : الله ورسوله أعلم . قال ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار . فبينما أنا أمشي بسوق المدينة ، إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ، ممن قدم بطعامه يبيعه بالمدينة ، يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ قال فطفق الناس يشيرون إلي ، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان ، وكنت كاتبا ، فإذا فيه :

أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، وإن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك .

قال - فقلت حين قرأته - : وهذا أيضا من البلاء .

قال : فتيممت به التنور فسجرته به . حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين ، إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني يقول : [ ص: 3292 ] يأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتزل امرأتك . قال : فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ فقال : بل اعتزلها ولا تقربها .

قال : وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك . قال : فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء ! قال : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ! إن هلالا شيخ ضعيف ، ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : لا ، ولكن لا يقربك ! قالت : وإنه والله ! ما به من حركة إلى شيء ، وإنه والله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا .

قال : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك ، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه . قال : فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقوله فيها إذا استأذنته ، وأنا رجل شاب .

قال : فلبثنا عشر ليال ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين انتهى عن كلامنا .

قال : ثم صليت صلاة الصبح ، صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا ، قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع ، يقول بأعلى صوته : أبشر يا كعب بن مالك ! قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا ، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض إلي رجل فرسا ، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه .

والله ـ ما أملك يومئذ غيرهما - واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله ، يقولون : ليهنك توبة الله عليك ! حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ، والناس حوله ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول ، حتى صافحني وهنأني ـ والله ! ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره - قال : [ ص: 3293 ] فكان كعب لا ينساها لطلحة .

قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ـ وهو يبرق وجهه من السرور ـ : « أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ! » قال ، قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : « لا ، بل من عند الله » . قال ، وكان رسول الله إذا سر استنار وجهه ، حتى كأنه قطعة قمر ، حتى يعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله ! إن من توبتي أن أنخلع من مالي ، صدقة إلى الله وإلى رسوله . قال : « امسك عليك بعض مالك ، فهو خير لك » . قال ، فقلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر . وقلت : يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت . قال ، فوالله ! ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث ، منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحسن مما أبلاني الله تعالى . والله ! ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا ، وإني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي .

قال ، وأنزل الله : لقد تاب الله إلى آخر الآيات .

قال كعب : فوالله ! ما أنعم علي من نعمة قط ، بعد أن هداني للإسلام ، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه ، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي ، شر ما قال لأحد . فقال الله تعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين

قال : وكنا أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خلفوا ، فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه ، فبذلك قال تعالى : وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر مما خلفنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه إيانا ، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له ، واعتذر إليه ، فقبل منه .


[ ص: 3294 ] وفي رواية : ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي ، وكلام صاحبي ، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا ، فاجتنب الناس كلامنا ، فلبث كذلك حتى طال علي الأمر ، فما من شيء أهم إلي من أن أموت ، فلا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون بتلك المنزلة ، فلا يكلمني أحد منهم ، ولا يصلي علي ، ولا يسلم علي .

قال : وأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة ، وكانت أم سلمة محسنة في شأني ، معتنية بأمري . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك » . قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره ؟ قال : « إذا فيحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليل » .

حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ، آذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا
- أخرجه البخاري ومسلم - .

قال ابن كثير : هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته ، وقد تضمن تفسير الآية بأحسن الوجوه وأبسطها .

الثاني : قال بعض المفسرين : في الآية دليل على الشدة على من فعل الخطيئة وعلى قطع ما يلهي عن الطاعة .

الثالث : في الآية دليل على التحريض على الصدق .

قال القاشاني : في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي : في جميع الرذائل بالاجتناب عنها ، خاصة رذيلة الكذب ، وذلك معنى قوله : وكونوا مع الصادقين فإن الكذب أسوء الرذائل وأقبحها ، لكونه ينافي المروءة ، وقد قيل : لا مروءة لكذوب ، إذ المراد من الكلام الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان إخبار الغير عما لا يعلم ، فإذا كان الخبر غير مطابق ولم تحصل فائدة النطق ، وحصل منه اعتقاد غير مطابق ، وذلك من خواص الشيطنة فالكذاب شيطان . وكما أن الكذب أقبح الرذائل ، فالصدق أحسن الفضائل ، وأصل كل حسنة ، ومادة كل خصلة محمودة ، وملاك كل خير وسعادة، وبه يحصل كل كمال ، [ ص: 3295 ] وأصله الصدق في عهد الله تعالى الذي هو نتيجة الوفاء بميثاق الفطرة أو نفسه ، كما قال : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه في عقد العزيمة ، ووعد الخليقة . كما قال في إسماعيل :

إنه كان صادق الوعد

وإذا روعي في المواطن كلها ، حتى الخاطر والفكر والنية والقول والعمل ، صدقت المنامات والواردات ، والأحوال والمقامات والمواهب والمشاهدات ، كأنه أصل شجرة الكمال ، وبذرة ثمرة الأحوال . انتهى .

ولما أوجب تعالى الكون مع الصادقين ، أشار تعالى إلى أن النفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب كفاية ، فلا يجوز تخلف الجميع ، ولا يلزم النفر للناس كافة ، فقال سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 120 ] ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين .

ما كان لأهل المدينة أي : المتيسر لهم ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله أي : عند توجهه إلى الغزو ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه أي : لا يضنوا بأنفسهم عما يصيب نفسه ، أي : لا يختاروا إبقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد .

قال الزمخشري : أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء ، وأن يكابدوا معه الأهوال [ ص: 3296 ] برغبة ونشاط واغتباط ، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه ، علما بأنها أعوز النفس عند الله وأكرمها عليه ، فإذا تعرضت ، مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول ، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له ، ولا يكترث لها أصحابها ، ولا يقيموا لها وزنا ، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه ، فضلا عن أن يربأوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه .

وهذا نهي بليغ مع تقبيح لأمرهم ، وتوبيخ لهم عليه ، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية . انتهى .

روي أن أبا ذر رضي الله عنه ، أبطأ به بعيره ، فحمل متاعه على ظهره ، واتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى سواده : « كن أبا ذر ! » فقال الناس : هو ذاك ! فقال : « رحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده » .

وروي أن أبا خيثمة الأنصاري رضي الله عنه ، بلغ بستانه ، وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل ، وبسطت له الحصير ، وقربت إليه الرطب ، والماء البارد .

فنظر فقال : ظل ظليل ، ورطب يانع ، وماء بارد ، وامرأة حسناء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح ، ما هذا بخير ! فقام فرحل ناقته ، وأخذ سيفه ورمحه ، ومر كالريح . فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق ، فإذا براكب يزهاه السراب ، فقال : « كن أبا خيثمة ! » فكانه ، ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستغفر له .


قال السهيلي في ( " الروض " ) : كن أبا ذر ، كن أبا خيثمة ، لفظه لفظ الأمر ، ومعناه كما تقول : أسلم ، أي : سلمك الله . انتهى .

[ ص: 3297 ] وكذا قال غيره من المتقدمين كالفارسي ، وذكره المطرزي في قول الحريري : كن أبا زيد .

وفي شعر ابن هلال :


ومعذر قال الإله لحسنه : كن فتنة للعالمين فكانها


ولم يزيدوا في بيانه على هذا ، وهو تركيب بديع غريب ، ومعناه ساقه الله إلينا . وجعله إياه ، ليكون هو القادم علينا ، فأقيم فيه العلة مقام المعلول في الجملة الدعائية الإنشائية ، على حد قوله في الحديث : « أبل وأخلق » . أي : عمرك الله ، ومتعك الله بلباسك لتبلى وتخلق .

وقولهم : أسلم . أي : سلمك الله لتسلم ، ثم لما أقيم مقامه أبقي مسندا إلى فاعله ، وإن كان المطلوب منه هو الله ، وهو قريب من قولهم : ( أرينك ههنا ) ، أي : لا تجلس حتى أراك ، وهو تمثيل أو كناية . كذا في ( " العناية " ) .

ذلك إشارة إلى ما دل عليه قوله ( ما كان ) من النهي عن التخلف أو وجوب المشابهة بأنهم أي : بسبب أنهم : لا يصيبهم ظمأ أي : شيء من العطش : ولا نصب أي : تعب من السير لا سيما مع العطش ولا مخمصة أي : مجاعة تضعفهم عن السير : في سبيل الله ولا يطئون موطئا أي : لا يدوسون مكانا يغيظ الكفار أي : الذين هم أعداء الله ، وإغضاب العدو يفيد رضا عدوه ولا ينالون من عدو نيلا أي : قتلا أو هزيمة أو سرا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين أي : على إحسانهم . وهو تعليل لـ : ( كتب ) ، وتنبيه على أن تحمل المشاق إحسان ، لأن القصد به إعلاء كلمة الله تعالى .
[ ص: 3298 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 121 ] ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون .

ولا ينفقون نفقة صغيرة أي : لا يشق مثلها ولا كبيرة مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في غزوة تبوك ، وهو ألف دينار وثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها ولا يقطعون واديا في مسيرهم ، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل ، اسم فاعل من ( ودي ) ، إذا سال ، فهو السيل نفسه ، ثم شاع في محله ، ثم صار حقيقة في مطلق الأرض ، وجمعه ( أودية ) كناد بمجلس ، جمعه ( أندية ) وناج جمعه ( أنجية ) ، ولا رابع لها في كلام العرب إلا كتب لهم أي : أثبت لهم به عمل صالح ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون أي : ليجزيهم على كل عمل لهم ، كامل أو قاصر ، جزاء أحسن أعمالهم . أي : فإذا مالوا بأنفسهم فاتهم ذلك ، وكانت المؤاخذة عليهم أشد .

ولما بين تعالى ، فيما تقدم ، خطر التخلف عن الرسول في الجهاد ، وشدد الوعيد على المتخلفين التاركين للنفير ، دفع ما يتوهم من وجوب النفر على الجميع ، وفيه ما فيه من الحرج ، والإخلال بأمر المعاش ، بأن وجوبه كفائي ، فقال سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 122 ] وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون .

وما كان المؤمنون لينفروا كافة أي : ما صح ولا استقام ، بحيث تخلو بلدانهم عن الناس فلولا نفر أي : فحين لم يمكن نفير الكافة ، ولم يكن مصلحة ، فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة أي : من كل جماعة كثيرة ، جماعة قليلة منهم [ ص: 3299 ] يكفونهم النفير : ليتفقهوا في الدين أي : ليتعلموا أمر الدين من النبي صلى الله عليه وسلم ولينذروا قومهم أي : يعلموهم ويخبروهم ما أمروا به ، وما نهوا عنه : إذا رجعوا إليهم أي : من غزوتهم لعلهم يحذرون أي : فيصلحون أعمالهم .

تنبيهات :

الأول : قال السيوطي في ( " الإكليل " ) : في الآية أن الجهاد فرض كفاية ، وأن التفقه في الدين ، ونشر العلم ، وتعليم الجاهلين كذلك ، وفيها الرحلة في طلب العلم .

واستدل بها قوم على قبول خبر الواحد ، لأن الطائفة نفر يسير ، بل قال مجاهد : إنها تطلق على الواحد . انتهى .

وقال الجصاص في ( " الأحكام " ) : في الآية دلالة على لزوم خبر الواحد في الديانات التي لا تلزم العامة ، ولا تعم الحاجة إليها ، وذلك لأن الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحوى الدلالة عليه من وجهين :

أحدهما : أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به ، وإلا لم يكن إنذارا .

والثاني : أمره إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة ، لأن معنى قوله : لعلهم يحذرون ليحذروا ، وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد ، لأن الطائفة تقع على الواحد ، فدلالتها ظاهرة . انتهى .

وفي " القاموس " : أن الطائفة من الشيء القطعة منه ، أو الواحدة فصاعدا ، أو إلى الألف ، أو أقلها رجلان ، أو رجل ، فيكون بمعنى ( النفس الطائفة ) .

قال الراغب : إذا أريد بالطائفة الجمع ، فجمع ( طائف ) ، وإذا أريد به الواحد ، فيصح أن يكون جمعا ، وكني به عن الواحد ، وأن يجعل كـ ( راوية ) و ( علامة ) ، ونحو ذلك .

الثاني : إن قيل : كان الظاهر في الآية : ليتفقهوا في الدين وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون ، فلم وضع موضع ( التعليم ) الإنذار ، وموضع ( يفقهون ) يحذرون ؟ [ ص: 3300 ] يجاب : بأن ذلك آذن بالغرض منه ، وهو اكتساب خشية الله ، والحذر من بأسه .

قال الغزالي رحمه الله : كان اسم الفقه في العصر الأول ، اسما لعلم الآخرة ، ومعرفة دقائق آفات النفوس ، ومفسدة الأعمال ، والإحاطة بحقارة الدنيا ، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب ، ويدل عليه هذه الآية . كذا في ( " العناية " ) .

قال الزمخشري في الآية : وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه ، إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم ، لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة ، ويؤمونه من المقاصد الركيكة ، من التصدر والترؤس والتبسط في البلاد ، والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم ، ومنافسة بعضهم بعضا ، وفشو داء الضرائر بينهم ، وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر ، أو شرذمة جثوا بين يديه ، وتهالكه على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم . فما أبعد هؤلاء من قوله عز وجل :

لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا انتهى .

الثالث : قال القاشاني في الآية : يجب على كل مستعد من جماعة ، سلوك طريق طلب العلم ، إذا لا يمكن لجميعهم ، أما ظاهرا فلفوات المصالح ، وأما باطنا فلعدم الاستعداد .

ثم قال : والتفقه في الدين هو من علوم القلب ، لا من علوم الكسب ، إذ ليس كل من يكتسب العلم يتفقه ، كما قال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه والأكنة هي الغشاوات الطبيعية ، والحجب النفسانية فمن أراد التفقه فلينفر في سبيل الله ، وليسلك طريق التزكية والتصفية ، حتى يظهر العلم من قلبه على لسانه ، فالمراد من التفقه علم راسخ في القلب ، ضارب بعروقه في النفس ، ظاهر أثره على الجوارح ، بحيث لا يمكن صاحبه ارتكاب ما يخالف ذلك العلم ، وإلا لم يكن عالما .

ألا ترى كيف سلب الله الفقه عمن لم تكن رهبة [ ص: 3301 ] الله أغلب عليه من رهبة الناس بقوله : لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون لكون رهبة الله لازمة للعلم ، كما قال : إنما يخشى الله من عباده العلماء وسلب العلم عمن لم يعمل به في قوله : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وإذا تفقهوا ، وظهر علمهم على جوارحهم ، أثر في غيرهم ، وتأثروا منه ، لارتوائهم به ، وترشحهم منه ، كما كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلزم الإنذار الذي هو غايته . انتهى .

ولما أمر تعالى في صدر السورة ، بالبراءة من مشركي العرب وقتالهم ، ثم شرح أحوال المنافقين ومخازيهم ، أشار إلى خاتمتها بما يطابق فاتحتها بذلك ، فقال سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 123 ] يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين .

يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار أي : يقربون منكم ، وهم مشركو جزيرة العرب ، كما قلنا .

وقوله تعالى : وليجدوا فيكم غلظة قالوا إنها كلمة جامعة للجرأة والصبر على القتال ، وشدة العداوة ، والعنف في القتل والأسر .

وظاهرها أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين غلظة ، والمقصود أمر المؤمنين بالاتصاف بصفات كالصبر وما معه ، حتى يجدهم الكفار متصفين بها ، فهي على حد قولهم : لا أرينك ههنا .

والغلظة هي ضد الرقة ، مثلثة الغين ، وبها قرئ . لكن السبعة على الكسر

واعلموا أن الله مع المتقين أي : بالنصرة والمعونة .
[ ص: 3302 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 124 ] وإذا ما أنـزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون .

وإذا ما أنـزلت سورة أي : طائفة من القرآن المعجز المحيط بجملة من الحجج ورفع الشبه فمنهم أي : من المنافقين من يقول بعضهم لبعض ، أيكم زادته هذه أي : السورة إيمانا إنكارا واستهزاء بالمؤمنين ، واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا لأنها أزيد لليقين والثبات ، وأثلج للصدر ، لكثرة الدلائل ، ورفع الشبه وهم يستبشرون أي : بنزولها وبما فيه من المنافع الدينية والدنيوية .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 125 ] وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون .

وأما الذين في قلوبهم مرض أي : كفر وسوء عقيدة فزادتهم رجسا إلى رجسهم أي : كفرهم بها مضموما إلى الكفر بغيرها وماتوا وهم كافرون أي : واستحكم ذلك الكفر فيهم ، بسبب الزيادة إلى موتهم .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 126 ] أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون .

أولا يرون يعني المنافقين أنهم يفتنون أي : يبتلون بإظهار مكرهم وخيانتهم ، [ ص: 3303 ] أو بنقض عهدهم في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون أي : من صنيعهم ونقض عهدهم ولا هم يذكرون أي : يتعظون بأنها آيات قاطعة ، وكون الابتلاء بسبب مخالفتها .

ثم بين أحوالهم عند نزولها وهم في محفل تبليغ الوحي ، إثر بيان مقالتهم ، وهم غائبون عنه بقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 127 ] وإذا ما أنـزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون .

وإذا ما أنـزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد

قال الزمخشري : يعني تغامزوا بالعيون إنكارا للوحي ، وسخرية به ، قائلين : هل يراكم من أحد من المسلمين لننصرف ، فإنا لا نصبر على استماعه ، ويغلبنا الضحك ، فنخاف الافتضاح بينهم ، أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لواذا . يقولون : هل يراكم من أحد ثم انصرفوا أي : عن محفل الوحي خوفا من الافتضاح صرف الله قلوبهم أي : عن الإيمان حسب انصرافهم عن حضرته عليه السلام .

والجملة إخبارية أو دعائية بأنهم أي : بسبب أنهم قوم لا يفقهون أي : لا يتدبرون أمر الله حتى يفقهوا .

تنبيهات :

الأول : دلت الآية المتقدمة على زيادة الإيمان بما ذكر ، وسواء قلنا بدخول الأعمال في مسمى الإيمان ، وهو الحق أو لا ، وأنه مجرد التصديق القلبي ، فالزيادة مما يقبلها قطعا ، والأول بديهي ، والثاني مثله ، إذ ليس إيمان الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، والصحابة رضي الله عنهم ، كإيمان غيرهم وهذا مما لا يرتاب فيه .

الثاني : ذكر تعالى من مخازي المنافقين نوعين : عدم اعتبارهم بالابتلاء ، وتمكن الكفر [ ص: 3304 ] منهم ، وازدياده في وقت يقتضي زيادة الإيمان ، وهو تكرير التنزيل .

ولما كان القصد بيان إصرارهم على كفرهم ، وعدم نفع العظات فيهم ، ختم مخازيهم بذلك ، لأنه نتيجتها ، وقدم عليه ما يصيبهم من الابتلاء ، لأن فيه ردعا عظيما لو تذكروا .

وقد تلطف القاشاني في إيضاح ذلك ، وجود التقرير فيه ، وعبارته :

البلاء قائد من الله تعالى يقود الناس إليه ، وقد ورد في الحديث : « البلاء سوط من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه » ، فإن كل مرض وفقر وسوء حال يحل بأحد ، بكسر سورة نفسه وقواها ، ويقمع صفاتها وهواها ، فيلين القلب ، ويبرز من حجابها ، وينزعج من الركون إلى الدنيا ولذاتها ، وينقبض منها ويشمئز ، فيتوجه إلى الله .

وأقل درجاته أنه إذا اطلع على أن لا مفر منه إلا إليه ، ولم يجد مهربا ومحيصا من البلاء سواه ، تضرع إليه وتذلل بين يديه ، كما قال : وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما

وبالجملة يوجب رقة الحجاب أو ارتفاعه ، فليغتنم وقته وليتعوذ ، وليتخذ ملكة يعود إليها أبدا حتى يستقر التيقظ والتذكر ، وتتسهل التوبة والحضور ، فلا يتعود الغفلة عند الخلاص فتغلب ، وتتقوى النفس عند الأمان ، وينسبل الحجاب أغلظ مما كان ، كما قال : فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه انتهى .

الثالث : قال السيوطي في ( " الإكليل " ) : أخذ ابن عباس من قوله : ثم انصرفوا كراهية أن يقال : انصرفت من الصلاة - أخرجه ابن أبي حاتم - .

ومرجع هذا إلى أدب لفظي ، باجتناب ما يوهم ، أو ما نعي به على العصاة .

[ ص: 3305 ] وقد عقد الإمام ابن القيم في ( " زاد المعاد " ) فصلا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق ، واختيار الألفاظ ، فليراجع .

ثم بين تعالى ما امتن به على المؤمنين من بعثة خاتم النبيين بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 128 ] لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم .

لقد جاءكم رسول من أنفسكم أي : رسول عظيم من جنسكم ، ومن نسبكم ، عربي قرشي مثلكم ، كما قال إبراهيم عليه السلام : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم وقال تعالى : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم

وكلم جعفر بن أبي طالب النجاشي ، والمغيرة بن شعبة رسول كسرى ، فقالا :

إن الله بعث فينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه ، وصدقه وأمانته . الحديث .

ثم ذكر تعالى ما يتبع المجانسة والمناسبة من النتائج بقوله : عزيز عليه ما عنتم أي : شديد عليه شاق ، لكونه بعضا منكم ، عنتكم ولقاؤكم المكروه ، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة ، والوقوع في العذاب حريص عليكم أي : على هدايتكم ، كي لا يخرج أحد منكم عن اتباعه ، والاستسعاد بدين الحق الذي جاء به بالمؤمنين رءوف إذ يدعوهم لما ينجيهم من العقاب بالتحذير عن الذنوب والمعاصي ، لفرط رأفته رحيم إذ يفيض عليهم العلوم والمعارف ، والكمالات المقربة بالتعليم والترغيب فيها ، برحمته .
[ ص: 3306 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 129 ] فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم .

فإن تولوا أي : أعرضوا عن الإيمان بك ، وناصبوك : فقل حسبي الله أي : فاستعن به ، وفوض إليه ، فهو كافيك وناصرك عليهم .

وقال القاشاني : أي : لا حاجة لي بكم ، ولا باستعانتكم ، كما لا حاجة للإنسان إلى العضو المألوم المتعفن الذي يجب قطعه عقلا ، أي : الله كافيني فلا مؤثر غيره ، ولا ناصر إلا هو ، كما قال : لا إله إلا هو عليه توكلت أي : فوضت أمري إليه ، وبه وثقت : وهو رب العرش العظيم أي : المحيط بك شيء ، يأتي منه حكمه وأمره إلى الكل ، وتخصيصه لكونه أعظم المخلوقات ، فيدخل ما دونه ، وقرئ ( العظيم ) بالرفع ، على أنه صفة الرب جل وعز .

تم ما علقناه صباح الاثنين في 24 رجب سنة 1322 هجرية ، في سدة جامع السنانية بدمشق الشام ، اللهم يسر لنا بفضلك الإتمام ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين إلى يوم الدين .

ويليه الجزء التاسع وفيه تفسير سور : يونس وهود ويوسف والرعد .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.40 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.23%)]