عرض مشاركة واحدة
  #22  
قديم 07-03-2023, 10:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,490
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات فقهية وفتاوى لشهر رمضان للشيخ سلمان العودة يوميا إن شاء الله

وقفات فقهية وفتاوى لشهر رمضان
للشيخ سلمان العودة
(22)

وقفة مع الاعتكاف



الوقفة الثانية والعشرون حول الاعتكاف.
والاعتكاف هو لزوم مسجد بنية مخصوصة لطاعة الله تعالى، وهو مشروع مستحب مسنون باتفاق أهل العلم.
حكم الاعتكاف وإهمال الناس له

قال الإمام أحمد فيما رواه عنه أبو داود: لا أعلم أحداً من العلماء إلا قال إنه مسنون. يعني الاعتكاف.
وقد نقل عن الإمام مالك أنه قال: تأملت أمر الاعتكاف وما ورد فيه، وكيف أن المسلمين تركوه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتركه، فرأيت أنهم إنما تركوه لمشقة ذلك عليهم -أي أن فيه مشقة- قال مالك: ولم أعلم عن أحداً من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن.
وما قاله الإمام مالك متعقب؛ فإنه نقل عن جماعات من السلف أنهم كانوا يعتكفون، ومن ذلك أمهات المؤمنين كما سوف يأتي.
ولذلك قال الزهري رحمه الله: عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل.
سر الاعتكاف


والاعتكاف فيه سر عظيم من أسرار العبادة، وذلك لأن المدار في حياة الإنسان وأعماله على القلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله}.
وأكثر ما يفسد القلب هي الشواغل والملهيات التي تلهيه عن الإقبال على الله عز وجل؛ كالاشتغال بالطعام والشراب والشهوات، وفضول الكلام وفضول النوم وفضول الصحبة، وغير ذلك من الأمور الضارة التي تصرف القلب عن الإقبال على الله عز وجل، وتفرقه وتشتته حتى لا يكاد يلتم ويجتمع على عبادة أو طاعة.
سر الربط بين الصيام والاعتكاف



وشرع الله تعالى الصيام حتى يتخلص القلب ويتخفف من فضول الطعام والشراب والشهوة؛ لأن الإنسان في نهار رمضان يمتنع عن الأكل والشرب والجماع من الفجر إلى غروب الشمس، وهذا امتناع معتدل ليس فيه ما في الأديان الأخرى والمذاهب الأرضية الباطلة من الغلو، كما يفعل بعضهم فيصومون شهراً كاملاً، وبعضهم يجورون على الجسد فيمنعونه الأكل والشراب والنوم والطعام على مدى أيام وربما شهور، وبعضهم قد يدفنونه في الأرض فيجورون على أجسادهم، فليس هذا في الإسلام بل فيه حِمية معتدلة، هذا بالنسبة للصيام.


ثم شرع الله تعالى الاعتكاف؛ حتى يتخلص الجسد والقلب من فضول صحبة الناس التي لا خير فيها، والتي قد تزيد فتصبح مثل ما إذا أصيب الإنسان بالتخمة من كثرة الطعام والشراب، ولذلك قال الشاعر:
عدوك في صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب

فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب

فكما أن الإنسان إذا أكثر من الطعام والشراب أصيب بالتخمة، كذلك إذا أكثر من الصحبة والمجالسة والاختلاط بالناس أصيب بالتخمة من جراء ذلك، فمرض القلب واعتل، فكان الاعتكاف حِمية للقلب من كثرة الصحبة والاختلاط بالناس.
ثم فيه حِمية -أيضاً- من كثرة الكلام، لأن الإنسان غالباً ما يعتكف بمفرده، فيقبل على الله تعالى بالصيام والقيام وقراءة القرآن وما أشبه ذلك.
وكذلك فيه حِمية من كثرة النوم، فإن الإنسان إنما اعتكف ليعبد الله تعالى، ولم يعتكف حتى ينام في المسجد، فيكون في ذلك من الإقبال واجتماع القلب على الله تعالى ما ليس في غيره.
ولذلك استحب السلف الجمع بين الصيام والاعتكاف، حتى قال ابن القيم رحمه الله: إن جمهور السلف على أنه لا اعتكاف إلا بصوم.
بل صح هذا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: [[لا اعتكاف إلا بصوم]] فرأوا أن الاعتكاف لا يصح إلا بالصيام، وهذا مذهب جماعة من الأئمة؛ وذلك حتى يجمع للإنسان بين الصيام وبين الاعتكاف فيحصل فضائل هذا وفضائل ذاك.
وقال الإمام ابن القيم: إنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف إلا وهو صائم.


وهذا الذي قاله رحمه الله فيه بعض النظر كما سيأتي. فقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في شوال، ولم يثبت أنه كان صائماً في هذه الأيام التي اعتكفها، ولا أنه غير صائم، فالأمر على ذلك غير ظاهر.
ولكن الأصح أن يقال: يستحب للإنسان ألا يعتكف إلا بصيام.
هذه إشارة إلى بعض حكمة مشروعية الاعتكاف وجمع الصيام معه، كما هو مذهب جماهير السلف كما نقله ابن القيم، وثبت عن عمر وابن عباس وعائشة رضى الله عنهم، وبه قال مالك والأوزاعي والإمام أبو حنيفة، واختلف النقل في ذلك عن الإمام أحمد والشافعي.
إطلالة على النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه


إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف؛ ولذلك يجدر بنا أن نطل إطلالة سريعة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في معتكفه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان يلتمس ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأوسط من رمضان، فلما خرج الناس من معتكفهم قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب بهم، وقال: {إني أريت ليلة القدر في العشر الأواخر، وإني أريت صبيحتها كأني أسجد على ماء وطين، فمن كان معتكفاً معي فليرجع إلى معتكفه }.
والحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري، فرجع الناس إلى معتكفهم -أي: اعتكفوا عشرة أيام أخرى، وهي العشر الأواخر من رمضان-.
قال أبو سعيد: وما نرى في السماء من قزعة حتى كان تلك الليلة، فجاءت سحابة فأمطرت، وكان سقف المسجد من جريد النخل، فسال سقف المسجد، قال: ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد على ماء وطين، والتفت إلينا وإن أثر الطين على جبهته وأنفه -عليه الصلاة والسلام- فتحققت نبوءته صلى الله عليه وسلم بذلك، وتبين أن تلك الليلة كانت ليلة القدر، وكانت ليلة إحدى وعشرين، فاعتكف صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان، ثم حافظ بعد ذلك على الاعتكاف في العشر الأواخر، كما في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده }.


وفي العام الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف -أيضاً- عشرين يوماً، أي: اعتكف العشر الأوسط مع العشر الأواخر، وذلك لأسباب:
منها -والله تعالى أعلم-: أن جبريل عارضه القرآن في تلك السنة مرتين -كما سبق- فناسب أن يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم عشرين يوماً حتى يتمكن من معارضة جبريل بالقرآن كله مرتين.
ومنها: أن في ذلك مضاعفة العمل الصالح؛ حينما أحس عليه الصلاة والسلام بقرب أجله ودنو وفاته؛ ولهذا قال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:1-3] فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكثر من التسبيح والاستغفار في آخر عمره.
وهكذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم، يكثر من أن يقول في ركوعه، وسجوده: { سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي} يتأول القرآن عليه الصلاة والسلام، فاعتكف عشرين يوماً في السنة التي قبض فيها صلى الله عليه وسلم، لمناسبة قرب وفاته ليضاعف العمل الصالح.
وقد يكون من أسرار مضاعفة اعتكافه: أن يكون ذلك شكراً لله عز وجل على ما أنعم به عليه من هذه الأعمال الصالحة؛ من الجهاد والتعليم، والصيام والقيام وإنـزال القرآن، وغير ذلك من الأعمال التي امتن الله تبارك وتعالى بها عليه.


وكان عليه الصلاة والسلام يدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الأيام التي يريد أن يعتكفها، فإذا أراد أن يعتكف العشر الأواسط -مثلاً- دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي عشر، وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين.

وذلك لأن العشر الأواخر تبدأ من غروب شمس يوم عشرين، أما ما ثبت عنه في الصحيح: { أنه صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم دخل معتكفه } فإنما المقصود أنه دخل المكان الخاص في المسجد حيث كان يعتكف في غرفة، كما ورد أنه اعتكف في مكان خاص، -في قبة تركية كما جاء في بعض الروايات- فكان يدخل هذا المكان الخاص، وإلا فقد كان في المسجد منذ غروب الشمس.
ومن طريف ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في المعتكف ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه إليها وهي في المسجد، وهو في الغرفة فترجله، وتسرحه، وتغسله، وهو معتكف صلى الله عليه وسلم} وهي كانت حائضاً.
فكان صلى الله عليه وسلم يتكئ كما في مسند أحمد على باب غرفتها، ثم يخرج رأسه إليها فترجله، وهذا دليل على أن إخراج المعتكف بعض جسده لا يضر، وليس كإخراج الكل، فلو أن إنساناً حلف أنه لا يخرج من هذا المسجد فأخرج يده، أو رأسه، أو رجله فإنه لا يعد خارجاً.
ومثله المعتكف، لو أخرج يده أو رجله أو رأسه، فإن هذا لا يضر، وكذلك الحائض لو أدخلت يدها أو رجلها أو رأسها في المسجد لم يكن ذلك ممنوعاً ولا حرج عليها في ذلك؛ لأن هذا لا يعد دخولاً ولا خروجاً.


ومن فوائد هذا الحديث أن المعتكف لا حرج عليه من أن يتنظف، ويتطيب، ويغسل رأسه، ويسرحه، وينظفه، وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم فإن هذا لا ينافي الاعتكاف.

ومن طريف ما وقع له صلى الله عليه وسلم وهو في معتكفه، {أنه خرج يوماً ليعتكف كما في صحيح البخاري فلما أن أراد أن يعتكف رأى صلى الله عليه وسلم الخيام منصوبةً في المسجد -أخبية منصوبة- هذا خباء حفصة، وهذا خباء عائشة، وهذا خباء زينب، فتعجب صلى الله عليه وسلم وترك الاعتكاف، وقال لأصحابه: آلبر أردْن بهذا؟! أي: هل تظنون أن ذلك من أجل البر، -لا- إنما فعلنه من أجل الغيرة وحرصاً على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم}.
وذلك لأن عائشة استأذنت -أولاً- فأذن لها، ثم استأذنت حفصة فأذن لها، ثم فعلت زينب فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى هذه الأخبية منصوبة، وفيها ما فيها من تضييق المسجد، وفيها ما فيها من المنافسة، كره ذلك صلى الله عليه وسلم وأمر بهذه الأخبية فقوضت ثم ترك الاعتكاف صلى الله عليه وسلم، فلم يعتكف تلك السنة، فلما كان في شوال اعتكف عشرة أيام، والأظهر والله أعلم أنه اعتكف عشرة أيام من بعد يوم العيد أي: تبدأ من الثاني من شوال. هذا هو الأقرب، ويحتمل أنه اعتكف من يوم العيد، وإذا صح أنه اعتكف من يوم العيد فهذا دليل على أن الاعتكاف لا يشترط معه الصيام؛ لأن يوم العيد لا يصام؛ لكن لا يلزم أن يكون يوم العيد من ضمن أيام الاعتكاف.

ومن طرائف ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في معتكفه ما رواه الشيخان عن صفية { أنها جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في معتكفه ليلةً فجلست تتحدث معه ساعةً، ثم قامت تنقلب إلى بيتها، فقام معها صلى الله عليه وسلم ليقلبها -أي: ربما يؤنسها، أو يزيل وحشتها في الطريق- حتى إذا وكان عند باب المسجد أي عند باب أم سلمة، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعا.


فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم على رسلكما أو على هنتكما، أرفقا إنها صفية.
فقالا: سبحان الله! يا رسول الله، وكبر ذلك عليهما، وفي رواية أنهما قالا: أو فيك نظن يا رسول الله، أو فيك يشك يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، -يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم يعني في عروق الإنسان إلى القلب كالدم- إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً } قال مسلم: شراً.
فمن شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على صدق إيمان هذين الصحابيين الأنصاريين، وخشيته أن يزيغا بأن يلقي الشيطان في قلوبهما شراً، فيشكا فيكون ذلك كفراً، أو يشتغلا بدفع هذه الوسوسة رأى صلى الله عليه وسلم أنه لا حاجة لذلك أصلاً، وأنه لا مانع من كشف الموضوع، فقال لهما: إنها صفية بنت حيي، وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الحديث من الدروس الشيء الكثير؛ لكن لا أود أن أقف عندها؛ لأنها دروس خارج موضوع الاعتكاف، وخارج موضوع الصيام.
مكان الاعتكاف


ومما يتعلق بموضوع الاعتكاف أن بعض الباحثين ذهبوا إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؛ المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
والصواب أن الاعتكاف جائز في كل مسجد يصلى فيه، ويستحب أن يكون في المسجد الجامع؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة.
فإن اعتكف في مسجد غير جامع فإنه يخرج ليصلي الجمعة ثم يعود؛ وذلك لقول الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187] فدل ذلك على أن الاعتكاف في كل مسجد جائز، إذا كان مسجداً تصلى فيه الفروض الخمسة، فإن كان جامعاً فهو أفضل.
أما حديث {لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة} فعلى القول بصحته فإنه مؤول على أن أكمل ما يكون الاعتكاف وأفضل وأوفى ما يكون في هذه المساجد، هذا ما قاله أهل العلم.
وقد انقدح في ذهني تأويل آخر للحديث -وهو في ظني حسن- وهو أن معنى الحديث، أن من نذر أن يعتكف في مسجد يسافر إليه فإنه لا يسافر، إلا أن يكون نذر الاعتكاف في المساجد الثلاثة، فإن الإنسان إذا نذر أن يعتكف في المسجد الحرام -مثلاً- وجب عليه الوفاء باعتكافه، فيعتكف في المسجد الحرام.


ولكن لو نذر مثلاً أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز له أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل ومن باب الأولى، ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى -فك الله أسره وطهره من رجس اليهود الغادرين الخائنين- جاز له أن يسافر إلى المسجد الأقصى ليعتكف فيه، وجاز له أن يسافر إلى مسجد المدينة، وإلى مسجد مكة، ليعتكف فيهما، لأنهما أفضل من المسجد الأقصى.
لكن لو فرض -مثلاً- أنه نذر أن يعتكف في مسجد جواثا، وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة خارج المدينة وهو بـالبحرين بـالأحساء والمسجد معروف الآن، فهل يجوز أن يسافر إلى مسجد جواثا ليعتكف فيه؟
لا يجوز أن يسافر ويشد الرحل إليه، لكن يجوز له أن يعوض عن ذلك بأن يعتكف في مسجد من مساجد بلده، أو يسافر إلى أحد المساجد الثلاثة.
فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: {لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة } أي: لا اعتكاف ينذر ويسافر إليه؛ ولذلك فإن الأئمة مجمعون خاصةً الأئمة الأربعة، على أنه يعتكف في أي مسجد من المساجد الجوامع، ولا يلزم الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة.
ولم يقل أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين، لا الأربعة، ولا العشرة، ولا غيرهم، إنما نقل هذا عن حذيفة رضي الله عنه، وواحد أو اثنين من السلف.


ومن الملاحظات: في موضوع الاعتكاف، أن بعض الناس يعتبرون الاعتكاف فرصةً للخلوة ببعض أصاحبهم وأحبابهم، وتبادل أطراف الحديث، وكون مجموعة يعتكفون في مسجد، هذا لا حرج فيه؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف، واعتكف معه أزواجه، حتى إن إحدى أمهات المؤمنين اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مستحاضة؛ حتى كانت ترى الدم وهي في المسجد.
إذاً: فلا حرج أن يعتكف الإنسان مع صاحبه، أو قريبه أو حبيبه أو صديقه؛ لكن الحرج أن يكون الاعتكاف فرصةً للأحاديث، والسمر، والسهر، والقيل والقال وما أشبه ذلك.
ولهذا قال الإمام ابن القيم بعدما تكلم عن الاعتكاف وما يفعله بعض الناس، وما يتوسعون فيه من الكلام وغيره قال: فهذا لون، واعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لون آخر، -أي: مختلف تماماً عن اعتكاف هؤلاء-.
ومن الملاحظات: أن بعض الناس يعتكفون ويتركون أعمالهم وواجباتهم، وبعضهم قد يترك عمله الوظيفي الذي كلف به وألزم به، ويذهب ليعتكف.
وليس من العدل أن يترك الإنسان واجباً ليفعل السنة، ولذلك يقال لمن اعتكف وترك عمله الوظيفي، إنه يجب عليه أن يقطع الاعتكاف، ويعود إلى عمله الذي ترك.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.91%)]