الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري
الجزء الخامس
[كتاب القصاص]
صـــــ 157 الى صـــــــــ178
الحلقة (282)
مبحث الديات
المالكية الشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى - قالوا : الدية : هي المال الواجب بجناية على الحر في نفس أو فيما دونها وأصلها ودية مشتقة من الودي وهو رفع الدية ولأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى : { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله لا أن يصدقوا } آية 92 من النساء والأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك كثيرة والإجماع منعقد على وجوبها في الجملة
قالوا : يجب في قتل الذكر الحر المسلم المحقون الدم والقاتل له لا رق فيه مائة بعير لأن الله تعالى أوجب في الآية المذكورة دية وبينها النبي صلى الله عليه و سلم في كتاب عمرو بن حزم في قوله : ( في النفس مائة من الإبل ) رواه النسائي
وأول من سنها مائة عبد المطلب حد النبي صلوات الله وسلامه عليه وجاءت الشربعة مقررة لها والبعير يطلق على الذكر والأنثى ولا تختلف الدية بالفضائل والرذائل وأن اختلفت بالأديان والذكورة والأنوثة بخلاف الجناية على الرقيق فإن فيه القيمة المختلفة أما إذا كان المقتول غير محقون الدم كتارك الصلاة كسلا والزاني المحصن إذا قتل كل منهما وهو مسلم فلا دية فيه ولا كفارة وقد يعرض للدية ما يغلظها وهو أحد أسباب خمسة كون القتل عمدا أو شبه عمد أو في الحرم أو للذي رحم محرم وقد يعرض لها ما ينقصها وهو أحد أسباب أربعة : الأنوثة والرق وقتل الجنين والكفر فالأول يردها إلى الشطر والثاني إلى القيمة والثالث إلى الغرة والرابع إلى الثلث
وهي مثلثة قي قتل العمد سواء أوجب فيه قصاص وعفي عنه أم لا كقتل الوالد ولده والمراد بتثليثها جعلها ثلاثة أقسام . وإن كان بعضها أزيد من بعض وهي ثلاثون حقه وهي الناقة التي طعنت في السنة الرابعة وثلاثون جذعة وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة وأربعون خلفة أي حاملا لخبر الإمام الترمذي بذلك فهي مغلظة من ثلاثة أوجه كونها على الجاني وكونها حالة ومن جهة السن . وهي في العمد على الجاني مثلثة معجلة وشبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة
وإنما أوجبوا الدية حالة في العمد تعظيما لحرمة المسلم المجني عليه وجبرا لخاطر أولياء الدم
قالوا : وتغلظ الدية في جرح العمد كما تغلظ في النفس من تثليث وتربيع لا فرق في الجرح بين ما يقتص في كالموضحة أو لا
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا : يجب في قتل العمد وشبه العمد دية مغلظة على العاقلة والكفارة على وحرمان الميراث لأنه جزاء القتل والشبهة تؤثر في سقوط القصاص دون حرمان الميراث والأصل في وجب الدية المغلظة على عاقلة القاتل في شبه العمد حديث حمل بن مالك رضي الله تعالى عنه فقد روي عن حمل بن مالك قال : كنت بين ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط أو بمسطح خيمة فألقت جنينا ميتا فاختصم أولياؤها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عليه اللام لأولياء الضاربة ( دوه ) فقال أخوها : اتدي من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ودم مثله يطل فقال عليه السلام : ( أسجع كسجع الكهان ؟ وفي رواية ( دعني وأراجيز العرب قوموا فدوه ) ولا ريب أن قضاء الرسول صلى الله عليه و سلم بالدية على العاقلة على ما ذكروا في تفصيل الحديث إنما كان بجناية شبه العمد ودون الخطأ فكأن وجوب الدية على العاقلة في جناية شبه العمد ثابتا بالنص دون القياس
وقالوا : والأصل أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء لا بمعنى يحدث من بعد فهي على العاقلة اعتبارا وتجب في ثلاث سنين لقضية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتؤجل تعظيما لحرمة الجاني ورحمة به فإن المجني عليه قد نفذت في الأقدار عند انتهاء أجله المقدر والجاني ترجى توبته والعفو عنه إذا أجلت الدية ثلاث سنين
ودية شبه العمد مائة من الإبل أرباعا خمس وعشرون بنت مخاض وهي الناقة التي طعنت في السنة الثانية من غمرها وخمس وعشرون بنت لبون وهي الناقة التي طعنت ففي الثالثة . وخمس وعشرون ناقة وهي التي طعنت في السنة الرابعة وخمس وعشرون جذعة وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة من سنها وإنما غلظت الدية لقوله صلى الله عليه و سلم ( في نفس المؤمن مائة من الإبل ) ووجه الاستدلال به أنه الثابت منه عليه السلام وليس فيه دلالة على صفة من التغليظ ولا بد منه بالإجماع وما رواه غير ثابت لاختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في صفة التغليظ فإن عمر وزيدا وغيرهما قالوا : مثل ما قالوا
وقال على رضي الله عنه تجب ثلاثا ثلاث وثلاثون ناقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون خلفة وقال أبن مسعود بمثل ما قال الحنفية أرباعا والرأي لا مدخل له في التقارير فكان كالمرفوع ويصير معارضا لما رووه وإذا تعارضا كان الأخذ بالمتيقن أولى ودية شبه العمد مثل دية العمد المحض
قالوا : ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة . فلا يزاد في الدراهم على عشرة آلاف درهم ولا يزاد في الدنانير عن ألف دينار
دية الخطأ
الحنفية - والحنابلة - قالوا : إن الدية في الخطأ مائة من الإبل على العاقلة وتجب الكفارة في مال القاتل والدية تكون أخماسا عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون أبن مخاض وعشرون ناقة وعشرون جذعة وهذا قول أبن مسعود رضي الله تعالى عنه أخذوا به ولأنه أخف فكان أليف بحالة الخطأ لأن الخاطئ معذور
الشافعية والمالكية - قالوا : قي قتل الخطأ تجب الدية أخماسا مؤجلة على العاقلة إلا أنهم جعلوا عشرين أبن لبون مكان عشرين أبن مخاض لخبر الترمذي وغيره بذلك فهي مخففة في الخطأ من ثلاثة اوجه من كونها على العاقلة من السن في الإبل ومن التأجيل في دفعها ودية شبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة فهي مخففة من وجهين مغلظة من وجه
أنواع الدية
الحنفية والحنابلة - قالوا : يجوز أخذ الدراهم والدنانير مع وجود الإبل ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة الإبل والذهب والفضة . فمن الإبل مائة ومن الفضة عشرة آلاف درهم ومن الذهب ألف دينار لأن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية وغير هذه الأنواع الثلاثة مجهولة المالية ولهذا لا يقدر بها ضمان شيء مما وجب ضمانه بالإتلاف والتقدير الإبل عرف بالآثار المشهورة
وقال أبو يوسف ومحمد - تثبت الدية من الإبل والذهب والفضة ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبا لأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه هكذا جعل على أهل كل مال منها
الشافعية والمالكية - قالوا : لا يؤخذ في الدية بقر ولا غنم ولا حلل - ولا غرض ومن لزمته دية وله أبل فتؤخذ الدية منها ولا يكلف غيرها لأنها تؤخذ على سبيل المواساة
وقيل : تؤخذ من غالب إبل قبيلته إن كانت إبله من غير ذلك وإن لم يكن له إبل فتؤخذ من غالب إبل قبيلة بدوي لأنها بدل متلف وإلا فتؤخذ من غالب إبل أقرب بلاد إلى موضع المؤدي ما لم تبلغ مؤنة نقلها مع قيمتها أكثر من ثمن المثل بقبيلة العدم فإنه لا يجب حينئذ نقلها وإذا وجب نوع من الإبل لا يعدل عنه إلى نوع من غير ذلك الواجب ولا يعدل إلى قيمة عنه إلا بتراض من المؤدي والمستحق لأن المقصود بها تعظيم حرمة المجني عليه
ولو عدمت إبل الدية فالقديم الواجب ألف دينار على أهل الذهب أو اثنا عشر ألف درهم فضة على أهل الدراهم للحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه و سلم : ( على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم ) صححه أبن حبان والحاكم من حديث عمرو بن حزم والقول الجديد الواجب قيمة الإبل وقت وجوب تسليمها بالغة ما بلغت لأنها بدل متلف فيرجع إلى قيمتها عند أعواز أصله وتقوم بنقد غالب بلده لأنه أقرب من غيره وأضبط وإن وجد بعض الإبل الواجبة أخذ الموجود منها وقيمة الباقي
المالكية - قالوا : لا يشترط في الإبل حد السن وإنما المدار على أن تكون الإبل حاملا سواء كانت حقة أو كانت جذعة أو غيرهما
واتفقوا على أنه لا تؤخذ في الدية الإبل المريضة ولا المعيبة إلا برضى المستحق بذلك إذا كان أهلا للتبرع لأن الحق له فله إسقاطه ويثبت حمل الخلفة المأخوذة من الدية بأهل خبرة بذلك . بأن يشهد عدلان منهم عند إنكار المستحق حملها إلحاقا لها بالتقويم وإن أخذها المستحق . بقولهما أو بتصديق المستحق على حملها ثم ماتت عند المستحق وشق جوفها فبانت حائلا غرمها وأخذ بدلها حاملا والأصح أجزاؤها قبل خمس سنين لصدق الاسم عليها
مبحث دية المرأة والمسيحي واليهودي
الشافعية - قالوا : دية المرأة والخنثى المشكل الحران دية كل منهما في نفس أو جرح كنصف دية رجل حر ممن هما على ديته . لما روى البيهقي خبر ( دية المرأة نصف دية الرجل ) وألحق بنفسها جرحها وألحق بها الخنثى لأن زيادته عليها مشكوك فيها ففي قتل المرأة والخنثى خطأ يجب : عشر بنات مخاض وعشر بنات لبون وهكذا وفي قتلهما عمدا أو شبه عمد خمس عشرة حقة وخمس عشرة جذعة وعشرون خلفة
ودية اليهودي والنصراني والمعاهد والمستأمن إذا كان معصوما تحل مناكحته ثلث دية مسلم نفسا وغيرها أما في النفس فروي مرفوعا وقال الشافعي في الأم ( قضى بذلك عمرو وعثمان رضي الله عنهما ) ولأنه اقل ما أجمع عليه وهذا التقدير لا يعقل بلا توقيف ففي قتله عمدا عشر حقائق وعشر جذعات وثلاث عشة خلفة وثلث وكذلك في شبه العمد وفي قتله الخطأ لم تغلظ
فتجب ستة وثلثان من كل من بنات المخاض وبنات اللبون وبني اللبون والحقاق والجذاع والسامرة كاليهود والصابئة كالنصارى إن لم يكفرهما أهل ملتهما ومجوسي له أمان ديته أخس الديات وهي ثلثا عشرة دية مسلم كما قال به عمر وعثمان وأبن مسعود رضي الله تعالى عنهم ففيه عند تغليظ الدية حقتان وجدعتان وخلفتان وثلثا خلفة وعند تخفيف الدية . تجب بعير وثلث من كل سن والمعنى في ذلك إن في اليهودي والنصراني خمس فضائل وهي حصول كتاب ودين كان حقا بالإجماع وتحل مناكحتهم وذبائحهم وقرون بالجزية وليس للمجوسي من هذه الخصال إلا التقرير بالجزية فكانت ديته من الخمس من دية اليهودي والنصراني وكذلك الوثني كعابد شمس وقمر وزنديق ومن لا ينتحل دينا ممن له أمان عندنا كدخوله لنا رسولا من قبلهم أما الوثني الذي لا أمان له فدمه هدر ودية نساء من ذكر على النصف من دية رجالهم
والمذهب عندهم أن من قتل معصوما ولم تبلغه دعوة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم أن تمسك بدين لم يبدل فدية أهل ديته ديته فإن كان كتابيا فدية كتابي وإن كان مجوسيا فدية مجوسي وإن تمسك بدين بدل ولم يبلغه ما يخالفه أو لم تبلغه دعوة نبي أصلا فديته كدية المجوسي
وقيل : تجب دية أهل ديته وقيل : لا يجب شيء لأنه ليس على دين حق ولا عهد له ولا ذمة وقال الزركشي : وعلى المذهب يجب فيمن تمسك الآن باليهودية أو النصرانية دية مجوسي لأنه لحقه التبديل - آي إذا لم تحل مناكحتم
قالوا : ولا يجوز قتل من لم تبلغه الدعوة المحمدية بل يعذر ويقتص لمن أسلم بدار الحرب ولم يهاجر منها بعد إسلامه وإن تمكن من الهجرة لأن العصمة بالإسلام ا ه
الحنفية - قالوا : دية المرأة على النصف من دية الرجل وقد ورد بهذا اللفظ موقوفا عن الإمام على كرم الله وجهه ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه و سلم
وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه ثلث الدية وما فوقها ينتصف وما دونه لا يتنصف وبه أخذ الإمام الشافعي . وبما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية ) وبما حكي عن ربيعة قال : قلت لسعيد بن المسيب : ما تقول فيمن قطع أصبع امرأة ؟ قال : عليه عشر من الإبل قلت : فإن قطع أصبعين منها ؟ قال عليه عشرون من الإبل قلت : فإن قطع ثلاث أصابع ؟ قال : عليه ثلاثون من الإبل . قلت : فإن قطع أربع أصابع ؟ قال : عليه عشرون من الإبل قلت : سبحان الله لما كثر ألمها واشتد مصابها قل أرشها قال : أعراقي أنت ؟ فقلت : لا . بل جاهل مسترشد أو عالم مستثبت قال : إنه السنة وبه أخذ الإمام الشافعي رحمه الله والحجة عليه ما رواه الحنفية بعمومه وأن حالها انقص من حال الرجل ومنفعتها أقل
وقد ظهر أثر النقصان بالتنصيف في النفس فكذا في أطرافها وأجزائها اعتبارا بها وبالثلث وما فوقه لئلا يلزم مخالفة التبع للأصل والحديث المروي نادر ولو كان هذا الحكم سنة الرسول عليه الصلاة و السلام لما خالفوها
وقالوا : ودية المسلم والذمي سواء لما روي عن النبس صلوات الصلاة وسلامه عليه أنه قال : ( دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار ) وكذلك قضى أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما . وما رواه الشافعي رحمه الله لم يعرف راويه ولم يذكر في كتب الحديث وما رووه اشهر مما رواه الإمام مالك رحمه الله فإنه ظهر به عمل الصاحبة رضوان الله تعالى عليهم
وذلك في العمد والخطأ من غير فرق بينهما لعموم الآية الكريمة إن { النفس بالنفس } ولم تنسخ بآية أخرى
المالكية - قالوا : إن دية المرأة ودية اليهودي والنصراني على النصف من دية الرجل المسلم في العمد والخطأ من غير فرق وهي ستة آلاف درهم وخمسمائة دينار لقوله عليه الصلاة و السلام : ( عقل المسلم ) والكل عنده اثنا عشر ألفا من الدراهم
أما المجوسي المعاهد والمرتد فدية كل منهما ثلث خمس دية المسلم خطأ وعمدا فتكون من الذهب ستة وستين دينارا وثلثي دينار ومن الورق ثمانمائة درهم ومن الإبل ستة أبعرة وثلثا بعير ودية أنثى كل من ذلك نصفه . فدية الحرة المسلمة من الإبل خمسون وهكذا ودية المجوسية المرتدة أربعمائة درهم وهكذا
الحنابلة - قالوا : إن كان للنصراني ولليهودي عهد وقتله مسلم عمدا فديته كدية المسلم وإن قتله خطأ فنصف دية المسلم أما غير المعصوم من المرتدين ومن لا أمان لهم فإنه مقتول بكل حال وأما من لا تحل مناكحته فهو كالمجوسي وأما الأطراف والجراح فبالقياس على النفس اه
مبحث الجناية على الجنين
الحنفية - قالوا : إن الجنين إذا كان محققا في بطن الأم فليس له ذمة صالحة لكونه في حكم جزء من الآدمي لكنه منفرد بالحياة معد لأن يكون نفسا له ذمة فباعتبار هذا الوجه يكون أهلا لوجوب الحق له من عتق أو إرث أو نسب أو وصية وباعتبار الوجه الأول لا يكون أهلا لوجوب الحق عليه فإما بعدما يولد فله ذمة صالحة . ولهذا لو انقلب على مال إنسان فأتلفه يكون ضامنا له ويلزمه مهر امرأنه بعقد الولي
فإذا ضرب رجل بطن امرأة حامل فألقت من بطنها جنينا ميتا فيجب فيه غرة وهي نصف عشر دية الرجل إذا كان ذكرا وفي الأنثى عشر دية المرأة وكل منهما خمسمائة درهم لأن نصف العشر من عشرة آلاف درهم هو العشر من خمسة آلاف درهم . والدليل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( في الجنين غرة عبد أو أمة قيمته خمسمائة ) ويروى ( أو خمسمائة ) والغرة على العاقلة إذا كانت خمسمائة درهم لأن النبي صلوات الله وسلامه عليه قضى بالغرة على العاقلة ولأنه بدل النفس ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه و سلم دية حيث قال : ( دوه ) وقالوا له : أندي من لا صاح ولا أستهل - الحديث
إلا أن العواقل لا تتحمل ما دون خمسمائة درهم . وتجب في سنة لما روي عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال : ( بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جعله على العاقلة في سنة ) ولأنه إن كان بدل النفس من حيث أنه نفس على حجة فهو بدل العضو من حيث الاتصال بالأم فعملنا بالشبه الأول قي حق التوريث وبالثاني في حق التأجيل إلى سنة
ويستوي فيه الذكر والأنثى لإطلاق الحديث ولأن في الحيين إنما ظهر التفاوت لتفاوت معاني الآدمية ولا تفاوت في الجنين فيقدر بمقدار واحد وهو خمسمائة
فإن ألقته حيا ثم مات . فتجب في دية كاملة لأنه أتلف حيا بالضرب السابق
وإن ألقته ميتا ثم ماتت ألم بعده فعليه دية بقتل ألم وعليه غرة بإلقائها الجنين وقد صح أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى في هذا بالدية والغرة
وإن ماتت الأم من الضربة ثم خرج الجنين بعد ذلك حيا ثم مات فتجب عليه دية في الأم ودية في الجنين لأن موت الأم أحد سببي موته لأنه يختنق بموتها إذ تنفسه بتنفسها فلا يجب الضمان بالشك وما يجب في الجنين موروث عنه لأنه بدل نفسه فيرثه ورثته ولا يرثه الضارب حتى لو ضرب بطن امرأنه فألقت ابنه ميتا فعلى عاقلة الأب غرة ولا يرث منها لأنه قالت بغير حق مباشرة ولا ميراث للقال هذا في جنين المرأة الحرة وأما جنين الامة إذا كان ذكرا فيجب نصف عشر قمته لو كان حيا وعشر قمته لو كان أنثى لأنه بدل نفسه لأن ضمان الطرف لا يجب إلا عند ظهور النقصان ولا معتبر به في ضمان الجنين فكان بدل نفسه فيقدر بها ويجب في مال الضارب مطلقا من غير تقييد بالبلوغ إلى خمسمائة درهم
وقال أبو يوسف : يجب ضمان النقصان لو انتقصت الأم اعتبارا بجنين البهائم ولأن الضمان في قتل الرقيق ضمان ماله عنده . فصح الاعتبار على اصله
فإن ضربت الأمة فاعتق المولى ما في بطنها ثم ألقته حيا ثم مات ففيه قيمته حيا ولا تجب الدية وإن ما بعد العتق لأنه قتله بالضرب السابق وقد كان في حالة الرق فلهذا تجب القيمة دون الدية وتجب قيمته حيا لأنه بالضرب صار قاتلا إياه وهو حي فنظرنا إلى حالتي السبب والتلف
قالوا : ولا كفارة في الجنين لأن الكفارة فيها معنى العقوبة قود عرفت في النفوس المطلقة فلا تتعداها ولهذا لم يجب كل البدل إلا أن يشاء لأنه ارتكب محظورا فإذا تقرب إلى الله تعال كان أفضل له ويستغفر مما صنع
قالوا : والجنين الذي استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام في جميع هذه الأحكام لإطلاق الأحاديث ولأنه ولد في حق أمومية الولد وانقضاء العدة والنفاس وغير ذلك فكذا في حق هذا الحكم ولأنه بهذا القدر يتميز من العلقة والدم فكان نفسا والله تعال أعلم
الشافعية - رحمهم الله تعالى - قالوا : يجب في الجنين غرة إن انفصل ميتا بجناية في حياتها أو انفصل بعد موتها بجناية في حياتها وكذا إذا انفصل بعض الجنين بلا انفصال من أمه كخورج رأسه ميتا
وقيل : لا بد من أنفصاله لأن ما لم ينفصل يصير كالعضو منها سواء أكانت الدناية بالقول كالتهديد أو بالفعل أو بالترك
وإذا لم يكن معصوما عند الجناية كجنين حربية من حربين وإن أسلم أحدهما بعد الجناية أو لم يكن الجنين مضمونا كأن كان الجاني مالكا للجنين ولأمه بأن جنى السيد على أمته الحامل وجنينها من غيره وهو مالك له فعتقت ثم القت الدنين أو كانت أمه ميتة أو لم ينفصل ولا ظهر بالجناية على أمه فلا يجب شيء في هذه الصور لعدم احترامه في الولى وعدم ضمان الجاني في الثانية ولظهر موته بموتها في الثالثة ولعدم تحقق وجوده في الأخيرين
وإن انفصل حيا وبقي بعد انفصاله زمانا بلا ألم فيه ثم مات فلا ضمان على الجاني . وإن مات حين خرج بعد انفصاله أو تحرك تحركا شديدا كقبض يد وبسطها ولو كانت حركة مذبوح أو دام ألمه ومات منه فتجب دية نفس كاملة على الجاني ولو انفصل الجنين لدون ستة أشهر . ولو ألقت امرأة بجناية عليها جنينين ميتين فغرتان تجبان فيهما أو ثلاثا فثلاث وهكذا
ولو ألقت يدا أو رجلا وماتت فغرة لأن العلم قد حضل بوجود الجنين والغالب أن اليد بانت بالجناية أما إذا عاشت ولم تلق جنينا فلا يجب على الجاني إلا نصف غرة كما أن الحي لا يجب فيها إلا نصف دية ولا يضمن باقيه لأنا لم نتحقق ثلثه وإن ماتت ثم ألقت ميتا فعليه دية في الأم وغرة في الجنين لأنه مات بالضرب . ولو ألقت يدا ثم جنينا ميتا بلا يد قبل الاندمال وزال الألم من الم فغرة لأن الظاهر أن اليد مبانة منه بالجناية أو حيا فمات من الجناية فتجب دية وحل فيها أرش اليد فإن عاش وشهد القوابل أو علم أنها يد من خلقت فيه الحياة فتجب نصف دية لليد وإن لم تشهد القوابل بذلك ولم يعلم فنصف غرة لليد عملا باليقين وتجب على العاقلة في ثلاث سيني لأنه بدل النفس ولهذا يكون موروثا بين ورثته وإذا ألقت امرأة لحما بسبب جناية عليها فيجب فيه غرة إذا قال القوابل فيه صورة خفية على غيرهن . وتجب الغرة أيضا إذا القت امرأة لحما لا صورة فيه أصلا تعرفها القوافل ولكن قلن إنه لو بقي ذلك اللح لتصور وتخلق كما تنقضي به العدة وذلك إذا كانت مضغة
أما لو ألقت علقة لم يجب فيها شيء قطعا كما لا تنقضي به العدة
قالوا : والغرة الواجبة عبد أو أمة كما نطق به الخبر والخبرة في ذلك إلى الغارم ويجبر المستحق على قبولها من أي نوع كانت ويشترط أن يكون مميزا سليما من عيب مبيع لأن المعيب ليس من الخيار والأصح قبول رقيق كبير من عبد أو أمة لم يعجز بهرم لأنه من الخيار مالم تنقص منافعه ويشترط في الغرة بلوغها في القيمة نصف عشر دية الأب المسلم وهو عشر دية الأم المسلمة
ففي الحر المسلم رقيق قيمته خمسة أبعرة كما روي عنعلي وعمر وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم ولأنها دية فصارت مقدرة كسائر الديات ( ولأن الجنين على أقل أحوال الإنسان فاعتبر فيه أقل ما قدره الشرع من الديات وهو دية الموضحة والسن فإن فقدت ثلث الغرة حسا بأن لن توجد أو شرعا بأن وجدت بأكثر من ثمن مثلها فتجب خمسة أبعرة بدلا عنها لأنها مقدرة بها عند وجودها فعند عدمها يؤخذ ما كانت مقدرة به ولأن الإبل هي الأصل في الديات فوجب الرجوع إليها عند فقد المنصوص عليه فإن فقدت الإبل الدية فإن فقد بعضها وجبت قيمته مع الموجود
وقيل : لا يشترط بلوغها ما ذكر : بل متى وجدت سليمة مميزة وجب قبولها وإن قلت قيمتها لإطلاق لقظ العبد والأمة في الخبر وسواء كان الجنين ذكرا أم أنثى لإطلاق الخبر
والغرة لورثة الجنين على فرائض الله تعالى لأنها دية نفس ويقدر انفاصله حيا ثم موته وهي واجبة على عاقلة الجاني لخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه و سلم : ( قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة )
وقيل : إن تعمد الجناية بأن قصدها بما يلقى غالباص فالغرة عليه والجناية عليه خطأ أو شبه عمد سواء أكانت الجناية على أم خطأ أو عمدا أو شبه عمد لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد ولهذا للا يجب القصا في الجنين إذا خرج حيا وما لأن القصا إنما يجب في القتل العمد ولا يتصور العمد فيه
قالوا : والجنين اليهودي أو النصراني بالبع لابويه قيل : كمسلم في الغرة وقيل : هو هدر وهذان القولان مبنيان على أن الغرة غير مقدرة بالقيمة والأصح غرة كثلث غرة مسلم كما في ديته وهو بعير وثلثا بعير . كما هو الحكم على الكبير منهم
قالوا : والجنين الرقيق ذكرا كان أو غيره فيه عشر قيمة امه قنة كانت أو مديرة أم مكاتبه أو مستولدة قياسا على الجنين الحر فإن الغرة في الجنين معتبرة بعشر ما تضمن به الم وإنما لم يعتبروا قيمته في نفسه لعدم ثبوت استقلاله بانفصاله ميتاص واستثنى ما إذا كانت الأم هي الجانية على نفسها فإنه لا يجب في جنينها المملوك للسيد شيء إذ لا يجب للسيد على رقيقه شيء وتعتبر قيمة الم يوم الجناية عليها لأنه وقت الوجوب وقيل : يوم الإجهاض للجنين لأنه وقت استقرار الجناية . هذا إذا انفصل الجنين ميتا كما علم سابقا فإن انفصل حيا ومات من أثر الجناية فإنه يجب فيه قيمته يوم الانفصال قطعاص وإن نقصت عن عشر قيمة امه وتصرف الغرة في الجنين لسيده فإن كانت الأم مقطوعة أطرافها والجنين سليم أطرافه قومت بتقديرها سلمية في الأصح لسلامته كما لو كانت كافرة والجنين مسلم فإنه يقدر فيها الإسلام وتقوم مسلمة وكذا لو كانت حرة والجنين رقيق فإنها تقدر رقيقة . وهكذا
قالوا : وتحمل العشر المذكورة عاقلة الجاني في الأظهر من المذهب كما مر في الغرة وإذا سقط جنين ميت فادعى وارثه على إنسان أنه سقط بجنايته فأنكر صدق بيمينه وعلى المدعي البينة ولا يقبل إلا شهادة رجلين فإن أقر بالجناية وانكر الاسقاط بجنايته فأنكر صدق بيمينه وعلى المدعي البينة ولا يقبل إلا شهادة رجلين فإن أقر بالجناية وأنكر الاسقاط وقال : السقط ملتقط فهو المصدق أيضا وعلى المدعي البينة ويقبل فيها شهداة النساء لأن الإسقاط ولادة
المالكية - قالوا : في إلقاء الجنين سبب ضرب أو تخويف لغير وجه شرعي - أما إذا كان بسبب ضرب للتأديب فلا شيء فيه - أو بسبب شم ريح عفنة أو فتح كنيف إن كان علقة - دم لا يذوب من صب الماء الحار عليه - سواء أكانت الجناية خطأ أو عمدا من أجنبي أو أم كشر بها ما يسقط به الحمل . فأسقطته ذكراص أو أنثى كان من زوج أو زنا فيجب فيه عشر واجب أمه فإن كانت الم حرة وجب عشر ديتهان وإن كانت الم أمة وجب فيه عشر قيمتها وتعتبر قيمتها يوم الضرب وقيل : يوم الإلقاء وإن جنى أب فعليه عشر دية أم الجنين لغيرهن ولا يرث منه ويكن العشر الواجب نقدا معجلا حالا في مال الجاني عمدا أو خطأ ما لم تبلغ الغرة ثلث ديته فتكون على العاقلة كما لو ضرب مجوسي حرة مسلمة فألقت جنينا أو تجب غرة في جنين الحرة والتخيير يكون للجاني لا للمستحق . أما جنين الأمة فيتعين فيه النقد عبدا ووليدة بدل من غرة الأمة الصغيرة بلغت سبع الستين لتحرز التفرقة . وإنما يجب العشر أو الغرة إذا نفصل عنها كله ميتا وهي حية فإن ماتت قبل انفصاله فلا شيء فيه لاندراجه في جية الم وإن استهل أو نزل ضارخا أو رضع أو فعل شيئا من كل ما يدل على أنه حي حياة مستقرة فالدية لازمة فيه إن أقسم أولياؤه أنه مات من فعل الجاني وإن مات عاجلا ببعد تحقق حياته فإن لم يقسموا فلا غرة ولا دية لأنه يحتمل موته بغير فعل الجاني فإن ماتت امه وهو مستهل ومات فتجب على الجاني ديتان وإن تعمد الجاني بضرب بطن الأم فنزل مستهلا ومات فالقصاص بالقسامة وهذا هو الراجح من الخلاف
وأما إذا تعمد الجاني قتل الجنين بضرب رأس أمه فالراجح أنه تجب الدية عليه كتعمده بضرب يدها أو رجلها
والحاصل أن في ضرب البطن والظهر والرأس خلافا فقال أبن القاسم يجب القصاص بقسامة وقال أشهب : لا قود فيه بل يجب الدية في مال الجاني بقسامة أيضا وأما تعمده الضرب في غير هذه المواضع فتجب الدية في ماله بقسمة ومحل القصاص في تلك المسائل إن لم يكن الجاني الب أما إذا كان الجني هو الب فلا يقتص منه إلا إذا قصد قتل الجنين بضرب بطن الأم خاصة
ويجب تعدد الواجب من عشر أو غرة إن لم ستهل ودية إن استهل بتعدد الجنين ثم إن كان القتل خطأ وبلغ الثلث فتحمله العاقلة وأما إن كان عمدا أو كانت الغرة أقل من الثلث فلا تتحمله العاقلة بل يجب في مال الجاني حالا معجلا
وورث الواجب في الجنين من عشر أو غيره على الفرائض المعلومة شرعا الشاملة للفرض والتعصب فللأب الثلثان وللأم الثلث ما لم يكن له اخوة وإن كان له اخوة فللأم السدس وهيذا هو الراجح من المذهب خلافا لمن قال : تختص به الم إذا لم تكن هي الجانية والقائل به ربيعة وذلك لأنها كالفرض عن جزء منها وخلافا لقول أبن هرمز حيث قال : للم والب على الثلث والثلثين ولو كان له اخوة وكان له اخوة وكان الإمام مالك يقول بهذا الرأي اولا ثم رجع إلى القول الول لأنه الراجح
واعلم بأنه إذا كان المسقط للجنين احد الآبوين كان هو القاتل فلا يرث من الواجب المذكور شيئا لأن القاتل لا يرث
مبحث في العاقلة وكيفية تأجيل ما تحمله
الحنفية - قالوا : الدية في شبه العمد وفي الخطأ وكل دية تجب بنفس القتل على العاقلة والعاقلة هم الذين يؤدون الدية والأصل في وجوبها على العاقلة قول النبي صلى الله عليه و سلم في حديث حمل بن مالك رضي الله تعالى عنه للأولياء ( قوموا فدوه )
ولأن النفس محترمة لا وجه إلى الإهدار والخاطئ معذور وكذا الذي تولى شبه العمد نظر إلى الآلة فلا وجه إلى إيجاب العقوبة عليه وفي إيجاب مال عظيم اجحافة واستئصاله فيصيل عقوبة فضم عليه العاقلة فكانوا هم المقصرون في تركهم مراقبته فخصوا به
والعقلة هم أهل الديوان إن كان القاتل من اهل الديوان يؤخذ من عطاياهم في ثلاث سيني واهل الديوان هم اهل الريات والألوية وهم الجيش الذين كتبت أسماءهم في الديوان والجريدة لأن سيدنا عمر بن الخكاب رضي الله تعالى عنه هو أول من دون الدواوين وجعل العقل كان على أهل النصرة وقد كانت بأنواع بالقرابة والحلف والولاء والعد وفي عهد عمر رضي الله عنه قد صارت بالديوان فجعلها على أهله اتباعا للمعنى ولهذا قالوا : لو كان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة وإن كان بالحلف فأهله والدية صلة ولكن إيجابها فيما هو صلة وهو العطاء اولى منه في اصول أموالهم والتقدير بثلاث سيني مروي عن النبي صلى الله عليه و سلم ومحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعال عنه ولأن الأخذ من العطاء للتخفيف والعطاء يخرج في كل سنة مرة فإن خرجت العطاء في أكثر من ثلاث سنين أو أقل اخذ منها لحصول المقصود ولو خرج للقاتل ثلاث عطايا في سنة واحدة في المستقبل يؤخذ منها كل الدية لأن الوجوب بالقضاء
وإذا كان جميع الدية في ثلاث سنين فكل ثلث منها في سنة وإن كان الواجب بالفعل ثلث دية النفس أو أقل كان في سنة واحدة . وما زاد عن الثاث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية وما زاد على ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة وما وجب على العاقلة من الدية أو على القاتل بأن قتل الأب ابنه عمدا فهو في ماله في ثلاث سنين لأن الشرع ورد به مؤجلا فلا يتعمداه
ولو قتل عشرة رجلا خطأ فعلى كل واحد عشر الدية في ثلاث سنين اعتبارا للجزء بالكل إذ هو بدل النفس وإنما يعتبر في مدة ثلاث سنين من وقت القضاء بالدية لأن الواجب الأصلي المثل والتحول إلى القيمة بالقضاء فيعتبر ابتداؤها من وقته كما في ولد المغرور ومن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته لأن نصرته بهم وهي المعتبرة في التعاقل وتقسم عليهم في ثلاث سنين لا يزاد الواحد على اربعة دراهم في كل سنة ويجوز أن ينقص منها فلا يؤخذ منها فلا يؤخذ من كل واحد في كل سنة إلا درهم أو درهم وثلث درهم وإن لم يكن تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسبا ويضم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات . الاخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم والآباء والأبناء فقيل يدخلون مع العاقلة لقربهم وقيل : لا يدخلون لأن الضم لنفي الحرج حتى لا يصيب كل واحد أكثر من ثلاثة أو أربعة وهذا إنما يتحقق عند الكثرة والآباء والأبناء لا يكثرون
ولو كانت عاقلة الرجل أصحاب الرزق يقضى بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين في كل سنة الثلث
قالوا : ويدخل القاتل مع العاقلة إذا كان من أهل الديوان أما إذا لم يكن فلا شيء عليه من الدية ولأنه هو الفاعل فلا معنى لإخراجه ومؤاخذة غيره فيكون فيما يؤدي كواحد منهم
قالوا : وليس على النساء والذرية ممن كان له حظ في الديوان عقل لقول عمر رضي الله تعالى عنه : ( لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة ) . ولأن القتل إنما يجب على أهل النصرة لتركهم مراقبته والناس لا يتناصرون بالصبيان والنساء و لهذا لا يوضع عليهم وعلى هذا لو كان القاتل صبيا أو امرأة لا شيء عليهما من الدية بخلاف الرجل لأن وجوب جزء من الدية على القاتل باعتبار أنه احد العواقل لأنه ينصر نفسه وهذا لا يوجد فيهما ولا يعقل أهل مصر عن مصر آخر ويعقل أهل كل مصر من أهل سوادهم لانهم أتباع لأهل المصر . ومن جنىجناية من أهل المصر وليس له في الديوان عطاء وأهل البادية أقرب إليه ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر ولا يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة ولو كان البدوي نازلا في المصر لا مسكن له فيه يعقله أهل المصر لأن أهل العطاء لا ينصرون من لا مسكن له فيه كما أن أهل البادية لا يعقلون عن أهل المصر النازلين فيهم لأنه لا يستنصر بهم
قز إن كان لأهل الذمة عواقل معروفة يتعاقلون بها فإذا قتل أحدهم خطأ فديتهعلى عاقلته بمنزلة المسلم لانهم التزموا أحكام الإسلام في المعاملات لاسيما في المعاني العاصمة عن الأضرار ومعنى التناصير موجود في حقهم وإن تكن لهم عاقلة معروفة فالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضى بها عليه كما في حق المسلم ولا يقل كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر لعدم النتاصر
والكفار يتعاقلون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم لأن الكفر كله ملة واحدة وذلك إذا لم تكن المعاداة فيما بينهم ظاهرة أما إذا كانت ظاهرة كاليهود والنصارى فينبغي أن لا يتعاقلون بعضهم عن بعض
قالوا : وعاقلة المعتق قبيلة مولاه لأن النصرة بهم لقوله عليه الصلاة و السلام ( مولى القوم منهم ) ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته لأنه يتناصر به فأشبه ولاء العتاقة
قالوا : ولا تعقل العاقلة اقل من نصف عشر الدية وتتحمل نصف العشر فصاعدا لحديث أبن عباس رضي الله عنهما الموقوف عليه والمرفوع إلى النبي صلى الله عليه و سلم ( لا تعقل العواقل عمدا ولاعبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة ) وارش لموضحة نصف عشر بدل النفس ولأن التحمل للتحرز عن الاجحاف ولا اجحاف في القليل وإنما و في الكثير والتقدير الفاصل عرف بالسمع وما نقص عن ذلك يكون في مال الجاني والقياس فيه التسوية بين القليل والكثير فيجب الكل على العاقلة كما ذهب إليه الشافعي أو التسوية في أن لا يجب على العاقلة شيء إلا أن الاحناف تركوه بما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أوجب أرش الجنين على العاقلة وهو نصف عشر بدل الرجل فما دونه يسلك به مسلك الأموال لأنه يجب بالتحكيم كما يجب ضمان المال بالتقويمن فلهذا كان في مال الجاني أخذا بالقياس
قالوا : ولا تعقل العاقلة جناية العبد ولا مالزم بالصلح أو باعتراف الجاني لأنه لا تناصر بالعبد والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة لقصور الولاية عنهم إلا أن يصدقوه . لأنه ثبت بتصادقهم . والامتناع كان لحقهم ولهم ولاية على أنفسهم ومن أقر بقتل خطأ ولم يرفع إلى القاضي إلا بعد سنين قضى عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضي عليه لأن التأجيل من وقت القضاء في الثابت بالبينة ففي الثابت بالإقرار اولى ولو تصادق القاتل وولي الجناية على أن قاضي بلج كذا قضى بالدية على عاقلته بالكوفة بالبية وكذبهما العاقلة فلا شيء على العاقلة لأن تصادقهما ليس بحجة عليهم ولم يكن عليه شيء في ماله إلا أن يكون له عطاء معهم فحينئذ يلزمه بقدر حصته لأنه تبين أن الدية واجبة عليهم
الشافعية والحنابلة - قالوا : دية الخطأ وشبه العمد في الكراف ونحوها وكذا في نفس غير القاتل نفسه وكذا الحكومات والغرة تلزم العاقلة لا الجاني لأن الجاهلية كانوا يمنعون من جنى منهم من اولياء القتيل أن يدهوا منه وياخذوا بثأرهم - فجعل الشارع بدل تلك النصرة بذل المال . وخص ذلك بالخطا وشبه العمد لكثرتهما سيما في حق من يتعاطى حمل السلاح فأعين كيلا ينتصر بالسبب الذي هو معذور فيه وإنما يلزمهم ذلك إذا كانت بينة بالخطا أو شبه العمد أو اعترف به فصدقوه
وقالوا : وجهات تحمل الدية ثلاثة : قرابة وولاء وبيت مال لا غيرها كوزوجته ومحالفة وقرابة ليست بعصبة لأن المر كان كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا نسخ بعده ولأنه صلة والأولى بها الأقرباء وعصبة الجاني هم الذين يرثون بالنسب أو الولاء إذا كانوا ذكورا مكلفين وهم القرابة من قبل الأبن والمرأة والصبي وإن أيسرا لا يحملان شيئا وكذا المعتوه ويخرج من العصبة أصل الجاني من اب وإن علا وفرعه من أبن وإن سفل لانهم أبعاضه فكما لا يتحمل الجاني في الدية اعتبارا للجزء بالكل في النفي عنه والجامع كونه معذورا فلا يتحمل أبعاضه وقد روى النسائي ( لا يوخذ الرجل بجريرة أي جريرة ابنه ) وفي رواية لابي داود في خبر المرأتين السابق ( وبرأ الولد ) أي من العقل وقيس به غيره من الأبعاض وتتجب الدية على العاقلة سواء أكانت الدية قليلة أم كثيرة
ويقدم في تحمل الدية من العصبة الأقرب فالأقرب على البعد منهم فإن لم يوف القرب بالواجب بأن بقي منه شيء فيوزع الباقي على من يليه ويقدم ممن ذكر مدل بأبوين على مدل باب كالأرث ويجب التسوية بينهما لأن النوثة لا مجخل لها في تحل العاقلة فلا تصلح للترجيح ثم بعد عصبة النسب إن فقدوا أو لم يوف ما عليهم بالواجب يقدم معتق للخبر الوارد عن النبي صلى الله عليه و سلم ( الولاء لحمة كلحمة النسب ) فإن فقد المعتق أو لم يف ما عليهم بالواجب تقدم عصبته من نسب غير أصلهوغن علا وفرعه وإن سفل يقدم الأقرب فالأقرب لما رواه الشافعين والبهقي ( أن عمر قضى على علي رضي الله تعالى عنهما بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب ) لأنه أبن أخيها دون ابنها الزبير ثم ممعتق المعتق ثم عصبته كذلك ثم معتق معتق الأب وعصبته فإن لم يوجد يتحمل معتق الجد ثم عثبته كذلك إلى حيث ينتهي الأرث
قالوا - وعتيق المرأة - الجاني - تعقله عاقلتها ولا يضرب عليها ومعتقون كمعتق واحد فيما عليه كل سنة وكل شخص من عصبة كل معتق بتحمل ما كان يحمله ذلك المعتق في حياته من نصف أو ربع
قالوا : ولا يقل عتيق عن معتقه في الظهر كما لا يرث - وقيل : يعقل لأن العقل للنصرة والإعانة فإن فقد العاقل ممن ذكر أو وجد ولم يعرف ما عليه الواجب عقل ذوو الأرحام إن قلنا بثوريتهم . ثم يعقل بيت مال المسلمين عن الجاني المسلم كما يرثه وللحديث الوارد عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه : ( انا وارث من لا وارث له اعقل عنه وأرثه ) اخرجه أبو داود والنسائي فإن فقد بيت المال بأن لم يوجد فيه شيء أو لم ينتظم امره بحيلولة الظلمة دونه اولم يعرف بيت المال فتجب الدية كلها أو الباقي منها على الجاني في ماله في الأصح . بناء على أنها تلزمه ابتداء ثم تتحملها العاقلة . فتجب عليه الدية صيانة للحق من الضياع فلا يسقط كيلا يضيع دم المسلم هدرا وتؤجل على الجاني إذا وجبت عليه فيؤخذ منه ثلث الدية عند الحول ولو مات في أثناء الحول يحل الأجل على الأصح
قالوا : وتؤجل على العاقلة جية نفس كاملة بإسلام وحريةن وذكورية ثلاث سنين في آخر كل سنة ثلث من الدية لما رواه البيهقي من قضاء عمر وعلي رضي الله عنهما وعزاه الشافعي إلى قضاء النبي صلى الله عليه و سلم وإنما تؤخذ في آخر كل سنة لأن المنافع كالزرع والثمار ونتاج الأبل تتكرر كل سنة فاعتبر مضها وليجتمع عنجهم ما يتوقعونه فيواسون عن تمكن
وتؤجل دية الذمي على الصح سنة لأنها قدر ثلث دية المسلم وقيل : تؤجل ثلاثا لأنها بدل نفس محترمة وتؤجل دية امرأة مسلمة سنتين في آخر الأولى منهما ثلث من دية نفس كاملة والباقي آخر السنة الثانية وقيل : تؤجل جيتها ثلاث سنين وتحمل العاقلة الجناية على العبد من الحر في الأظهر ففي آخر كل سنة يؤخذ من قيمته قدر ثلث دية وقيل : تؤخذ كلها في ثلاث سنين لأنها بدل نفس محترمة
ولو قتل شخص رجلين فتؤجل ديتهما على عاقلته في ثلاث سنين لأن الواجب ديتان مختلفتا وقيل : تؤجل ديتهما في ست سنين في كل سنة قدر سدس دية لأن بدل النفس الواحدة يضرب في ثلاث سنين فيزاد للأخرى مثلها
ولو قتل شخص امخرأتين أحلت ديتهما على عاقلته في سنتين والأطراف كقطع اليدين والحكومات وأروش الجنايات تؤجل في كل سنة قدر ثلث دية كاملة فإن زاد الواجب على دية نفس كقطع اليدين والرجلين ففي ست سنين وقيل : تؤخذ كلها في سنة بالغة ما بلغت لأنها ليست بدل النفس حتى تؤجل
قالوا : وتؤجل دية النفس من الزهوق لأنه وقت استقرار الوجوب . واجل دية غير النفس كقطع يد اندملت من ابتداء الجناية لأنها حالة الوجوب أما إذا لم يندمل بأن سرى من عضو إلى عضو كان قطع أصبعه فسرت إلى كتفه فأجل أرش الأصبع من قطعها والكف من سقوطها
ومن مات من العاقل في أثناء سنة سقط من واجب تلك السنة ولا يؤخذ من تركته لأنها مواساة
( يتبع . . . )