عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 28-02-2023, 12:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السابع

سُورَةُ صَ
الحلقة (467)
صــ 121 إلى صــ 130






[ ص: 121 ] قال الفراء: أي: بسؤاله نعجتك، فإذا ألقيت الهاء من السؤال، أضفت الفعل إلى النعجة، ومثله: لا يسأم الإنسان من دعاء الخير [فصلت: 49]، أي: من دعائه بالخير، فلما ألقى الهاء، أضاف الفعل إلى الخير، وألقى من الخير الباء، وأنشدوا:


فلست مسلما ما دمت حيا على زيد بتسليم الأمير


أي: بتسليم على الأمير .

قوله تعالى: إلى نعاجه أي: ليضمها إلى نعاجه . قال ابن قتيبة : المعنى: بسؤال نعجتك مضمومة إلى نعاجه، فاختصر . قال: ويقال "إلى" بمعنى "مع" .

فإن قيل: كيف حكم داود قبل أن يسمع كلام الآخر؟

فالجواب: أن الخصم الآخر اعترف، فحكم عليه باعترافه، وحذف ذكر الاعتراف اكتفاء بفهم السامع، والعرب تقول: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال، أي: فاتجرت فكسبت، ويدل عليه قول السدي: إن داود قال للخصم الآخر: ما تقول؟ قال: نعم، أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي وهو كاره، قال: إذا لا ندعك، وإن رمت هذا ضربنا منك هذا -ويشير إلى أنفه وجبهته- فقال: أنت يا داود أحق أن يضرب هذا منك حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأوريا إلا واحدة، فنظر داود فلم ير أحدا، فعرف ما وقع فيه .

قوله تعالى: وإن كثيرا من الخلطاء يعني الشركاء، واحدهم: خليط، وهو المخالط في المال . وإنما قال هذا لأنه ظنهما شريكين، إلا الذين آمنوا [ ص: 122 ] أي: فإنهم لا يظلمون أحدا، وقليل ما هم "ما" زائدة، والمعنى: وقليل هم، وقيل: المعنى: هم قليل، يعني الصالحين الذين لا يظلمون .

قوله تعالى: وظن داود أي: أيقن وعلم أنما فتناه فيه قولان . أحدهما: اختبرناه . والثاني: ابتليناه بما جرى له من نظره إلى المرأة وافتتانه بها . وقرأ عمر بن الخطاب: "أنما فتناه" بتشديد التاء والنون جميعا . وقرأ أنس بن مالك، وأبو رزين ، والحسن، وقتادة، وعلي بن نصر عن أبي عمرو: "أنما فتناه" بتخفيف التاء والنون جميعا، يعني الملكين، قال أبو علي الفارسي: يريد: صمدا له . وفي سبب علمه وتنبيهه على ذلك ثلاثة أقوال .

أحدها: أن الملكين أفصحا له بذلك، على ما ذكرناه عن السدي .

والثاني: أنهما عرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، فعلم أنه عني بذلك، قاله وهب .

والثالث: أنه لما حكم بينهما، نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك، ثم صعدا إلى السماء وهو ينظر، فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك، قاله مقاتل .

قوله تعالى: فاستغفر ربه قال المفسرون: لما فطن داود بذنبه خر راكعا، قال ابن عباس: أي: ساجدا، وعبر عن السجود بالركوع، لأنهما بمعنى الانحناء . وقال بعضهم: المعنى: فخر بعد أن كان راكعا .

فصل

واختلف العلماء هل هذه من عزائم السجود؟ على قولين . أحدهما: ليست [ ص: 123 ] من عزائم السجود، قاله الشافعي . والثاني: أنها من عزائم السجود، قاله أبو حنيفة . وعن أحمد روايتان . قال المفسرون: فبقي في سجوده أربعين ليلة، لا يرفع رأسه إلا لوقت صلاة مكتوبة أو حاجة لا بد منها، ولا يأكل ولا يشرب، فأكلت الأرض من جبينه، ونبت العشب من دموعه، ويقول في سجوده: رب داود، زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب . قال مجاهد: نبت البقل من دموعه حتى غطى رأسه، ثم نادى: رب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء، فنودي: أجائع فتطعم، أم مريض فتشفى، أم مظلوم فينتصر لك؟ فنحب نحيبا هاج كل شيء نبت، فعند ذلك غفر له، وقال ثابت البناني: اتخذ داود سبع حشايا من شعر وحشاهن من الرماد، ثم بكى حتى أنفذها دموعا، ولم يشرب شرابا إلا ممزوجا بدموع عينيه . وقال وهب بن منبه: نودي: يا داود ارفع رأسك فإنا قد غفرنا لك، فرفع رأسه وقد زمن وصار مرعشا .

[ ص: 124 ] فأما قوله: وأناب فمعناه: رجع من ذنبه تائبا إلى ربه، فغفرنا له ذلك يعني الذنب وإن له عندنا لزلفى [قال ابن قتيبة ]: أي: تقدم وقربة .

قوله تعالى: وحسن مآب قال مقاتل: حسن مرجع، وهو ما أعد الله له في الجنة .

قوله تعالى: يا داود المعنى: وقلنا له يا داود إنا جعلناك أي: صيرناك خليفة في الأرض أي: تدبر أمر العباد من قبلنا بأمرنا، فكأنك خليفة عنا فاحكم بين الناس بالحق أي: بالعدل ولا تتبع الهوى أي: لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله عز وجل فيضلك عن سبيل الله أي: عن دينه إن الذين يضلون وقرأ أبو نهيك، وأبو حيوة، وابن يعمر: "يضلون" بضم الياء .

قوله تعالى: بما نسوا يوم الحساب فيه قولان .

أحدهما: بما تركوا العمل ليوم الحساب، قاله السدي . قال الزجاج : لما تركوا العمل لذلك اليوم، صاروا بمنزلة الناسين .

والثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل، وهو قول عكرمة .
[ ص: 125 ] وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار . أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار . كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب .

قوله تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا أي: عبثا ذلك ظن الذين كفروا أن ذلك خلق لغير شيء، وإنما خلق للثواب والعقاب .

أم نجعل الذين آمنوا قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون، فنزلت هذه الآية . وقال ابن السائب: نزلت في الستة الذين تبارزوا يوم بدر، علي رضي الله عنه، وحمزة رضي الله عنه، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه، وعتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، فذكر أولئك بالفساد في الأرض لعملهم فيها بالمعاصي، وسمى المؤمنين بالمتقين لاتقائهم الشرك، وحكم الآية عام .

قوله تعالى: كتاب أي: هذا كتاب، يعني القرآن، وقد بينا معنى بركته في سورة [الأنعام: 92] .

[ ص: 126 ] ليدبروا آياته وقرأ عاصم في رواية: "لتدبروا آياته" بالتاء خفيفة الدال، أي: ليتفكروا فيها فيتقرر عندهم صحتها وليتذكر بما فيه من المواعظ أولو الألباب ، وقد سبق بيان هذا [الرعد: 19] .
ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب . إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد . فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب . ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق . ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب . قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب . فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . والشياطين كل بناء وغواص . وآخرين مقرنين في الأصفاد . هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب . وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب . واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب . اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب . ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب . وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب .

قوله تعالى: نعم العبد يعني به سليمان .

[ ص: 127 ] وفي الأواب أقوال قد تقدمت في [بني إسرائيل: 25] أليقها بهذا المكان أنه رجاع بالتوبة إلى الله تعالى مما يقع منه من السهو والغفلة .

قوله تعالى: إذ عرض عليه بالعشي وهو ما بعد الزوال الصافنات وهي الخيل . وفي معنى الصافنات قولان .

أحدهما: أنها القائمة على ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر من يد أو رجل; وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وابن زيد، واختاره الزجاج ، وقال: هذا أكثر قيام الخيل إذا وقفت كأنها تراوح بين قوائمها، قال الشاعر:


ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا


والثاني: أنها القائمة، سواء كانت على ثلاث أو غير ثلاث، قال الفراء: على هذا رأيت العرب، وأشعارهم تدل على أنه القيام خاصة . وقال ابن قتيبة : الصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل وغيرها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يقوم له الرجال صفونا، فليتبوأ مقعده من النار"، [ ص: 128 ] أي: يديمون القيام له .

فأما الجياد، فهي السراع في الجري . وفي سبب عرضها عليه أربعة أقوال .

أحدها: أنه عرضها لأنه أراد جهاد عدو له، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

والثاني: أنها كانت من دواب البحر . قال الحسن: بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة . وقال إبراهيم التيمي: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة . وقال ابن زيد: أخرجتها له الشياطين من البحر .

والثالث: أنه ورثها من أبيه داود عليه السلام، فعرضت عليه، قاله وهب بن منبه، ومقاتل .

والرابع: أنه غزا جيشا، فظفر به وغنمها، فدعا بها فعرضت عليه، قاله ابن السائب .

وفي عددها أربعة أقوال . أحدها: ثلاثة عشر ألفا، قاله وهب . والثاني: عشرون ألفا، قاله سعيد بن مسروق . والثالث: ألف فرس، قاله ابن السائب، ومقاتل . والرابع: عشرون فرسا، وقد ذكرناه عن إبراهيم التيمي .

[ ص: 129 ] قال المفسرون: ولم تزل تعرض عليه إلى أن غابت الشمس، ففاتته صلاة العصر، وكان مهيبا لا يبتدئه أحد بشيء، فلم يذكروه، ونسي هو، فلما غابت الشمس ذكر الصلاة، فقال إني أحببت فتح الياء أهل الحجاز وأبو عمرو حب الخير وفيه قولان . أحدهما: أنه المال، قاله سعيد بن جبير، والضحاك . والثاني: حب الخيل، قاله قتادة، والسدي . والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لأنه أراد بالخير الخيل، وهي مال . وقال الفراء: العرب تسمي الخيل: الخير . قال الزجاج : وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخيل: زيد الخير، ومعنى "أحببت" آثرت حب الخير على ذكر ربي; وكذلك قال غير الزجاج : "عن" بمعنى "على" . وقال بعضهم: يحتمل المعنى: فشغلني عن ذكر ربي . قال أبو عبيدة: ومعنى [الكلام]: أحببت حبا، ثم أضاف الحب إلى الخير . وقال ابن قتيبة : سمى الخيل خيرا، لما فيها من الخير . والمفسرون على أن المراد بذكر ربه: صلاة العصر، قاله علي، وابن مسعود، وقتادة في آخرين . وقال الزجاج : لا أدري هل كانت صلاة العصر مفروضة، أم لا؟، إلا أن اعتراضه الخيل شغله عن وقت كان يذكر الله فيه حتى توارت بالحجاب [ ص: 130 ] قال المصنف: وأهل اللغة يقولون: يعني الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولا أحسبهم أعطوا في هذا الفكر حقه، لأن في الآية دليلا على الشمس، وهو قوله: "بالعشي" ومعناه: عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب، ولا يجوز الإضمار إلا أن يجري ذكر، أو دليل ذكر فيكون بمنزلة الذكر; وأما الحجاب، فهو ما يحجبها عن الأبصار .

قوله تعالى: ردوها علي قال المفسرون: لما شغله عرض الخيل عليه عن الصلاة، فصلاها بعد خروج وقتها، اغتم وغضب، وقال: "ردوها علي"، يعني: أعيدوا الخيل علي فطفق قال ابن قتيبة : أي: أقبل مسحا قال الأخفش: أي: يمسح مسحا .

فأما السوق، فجمع ساق، مثل دور ودار . وهمز السؤق ابن كثير، قال أبو علي: وغير الهمز أحسن منه . وقرأ أبو عمران الجوني، وابن محيصن: "بالسؤوق" مثل الرؤوس . وفي المراد بالمسح هاهنا ثلاثة أقوال .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.31 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.46%)]