
22-02-2023, 11:32 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,675
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد السابع
الحلقة (486)
سُورَةُ الْجَاثِيَةِ
صـ 195 إلى صـ 202
قوله - تعالى - : هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم .
الإشارة في قوله : هذا هدى راجعة للقرآن العظيم المعبر عنه بآيات الله في قوله : تلك آيات الله [ 45 \ 6 ] . وقوله : فبأي حديث بعد الله وآياته الآية [ 45 \ 6 ] . [ ص: 195 ] وقوله : يسمع آيات الله تتلى عليه [ 45 \ 8 ] . وقوله : وإذا علم من آياتنا شيئا [ 45 \ 9 ] .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن هدى ، وأن من كفر بآياته له العذاب الأليم - جاء موضحا في غير هذا الموضع .
أما كون القرآن هدى ، فقد ذكره - تعالى - في آيات كثيرة ، كقوله - تعالى - : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون [ 7 \ 52 ] . وقوله - تعالى - : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين [ 16 \ 89 ] . وقوله - تعالى - : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [ 17 \ 9 ] . وقوله - تعالى - : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان [ 2 \ 185 ] . وقوله : الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين [ 2 \ 1 - 2 ] . وقوله - تعالى - : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء [ 41 \ 44 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .
وأما كون من كفر بالقرآن يحصل له بسبب ذلك العذاب الأليم - فقد جاء موضحا في آيات كثيرة ، كقوله - تعالى - : ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه الآية [ 11 \ 17 ] . وقوله - تعالى - : وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا [ 20 \ 99 - 101 ] . وقوله - تعالى - : ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا [ 18 \ 106 ] . والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة .
وقد قدمنا في سورة " فصلت " في الكلام على قوله - تعالى - : وأما ثمود فهديناهم الآية [ 41 \ 17 ] . وغير ذلك من المواضع - أن الهدى يطلق في القرآن إطلاقا عاما ، بمعنى أن الهدى هو البيان والإرشاد وإيضاح الحق ، كقوله : وأما ثمود فهديناهم أي بينا لهم الحق وأوضحناه ، وأرشدناهم إليه وإن لم يتبعوه ، وكقوله : هدى للناس [ 2 \ 185 ] . وقوله هنا : هذا هدى - وأنه يطلق أيضا في القرآن بمعناه الخاص ، وهو التفضل بالتوفيق إلى طريق الحق والاصطفاء ، كقوله : هدى للمتقين [ 2 \ 2 ] . وقوله : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء [ 41 \ 44 ] . وقوله : والذين اهتدوا زادهم هدى [ ص: 196 ] [ 47 \ 17 ] . وقوله : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ 6 \ 90 ] . إلى غير ذلك من الآيات .
وقد أوضحنا في سورة " فصلت " أن معرفة إطلاق الهدى المذكورين ، يزول بها الإشكال الواقع في آيات من كتاب الله .
والهدى مصدر هداه على غير قياس ، وهو هنا من جنس النعت بالمصدر ، وبينا فيما مضى مرارا أن تنزيل المصدر منزلة الوصف إما على حذف مضاف ، وإما على المبالغة .
وعلى الأول فالمعنى : هذا القرآن ذو هدى ، أي يحصل بسببه الهدى لمن اتبعه ، كقوله : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [ 17 \ 9 ] .
وعلى الثاني فالمعنى أن المراد المبالغة في اتصاف القرآن بالهدى حتى أطلق عليه أنه هو نفس الهدى .
وقوله في هذه الآية الكريمة : " لهم عذاب من رجز أليم " أصح القولين فيه أن المراد بالرجز العذاب ، ولا تكرار في الآية ; لأن العذاب أنواع متفاوتة ، والمعنى : لهم عذاب من جنس العذاب الأليم ، والأليم معناه المؤلم . أي : الموصوف بشدة الألم وفظاعته .
والتحقيق إن شاء الله : أن العرب تطلق الفعيل وصفا بمعنى المفعل ، فما يذكر عن الأصمعي من أنه أنكر ذلك إن صح عنه فهو غلط منه ; لأن إطلاق الفعيل بمعنى المفعل معروف في القرآن العظيم وفي كلام العرب ، ومن إطلاقه في القرآن العظيم قوله تعالى عذاب أليم [ 2 \ 104 ] أي مؤلم ، وقوله - تعالى - : بديع السماوات والأرض [ 2 \ 117 ] أي مبدعهما ، وقوله - تعالى - : إن هو إلا نذير لكم الآية [ 34 \ 46 ] أي منذر لكم ، ونظير ذلك من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب :
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
فقوله : الداعي السميع ، يعني الداعي المسمع . وقوله أيضا :
وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
أي موجع . وقول غيلان بن عقبة : [ ص: 197 ]
ويرفع من صدور شمردلات يصك وجوهها وهج أليم
أي مؤلم . وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير ، وحفص عن عاصم : من رجز أليم ، بخفض أليم على أنه نعت لرجز .
وقرأه ابن كثير ، وحفص عن عاصم : من رجز أليم ، برفع أليم على أنه نعت لعذاب .
قوله - تعالى - : الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " النحل " في الكلام على قوله - تعالى - : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا الآية [ 16 \ 14 ] . وفي سورة " الزخرف " في الكلام على قوله - تعالى - : والذي خلق الأزواج كلها إلى قوله : وما كنا له مقرنين [ 43 \ 12 - 13 ] . قوله - تعالى - : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله - تعالى - : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم الآية [ 17 \ 7 ] . وفي غير ذلك من المواضع .
قوله - تعالى - : وفضلناهم على العالمين [ 45 \ 16 ] .
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه فضل بني إسرائيل على العالمين ، وذكر هذا المعنى في موضع آخر من كتابه ، كقوله - تعالى - في سورة " البقرة " : يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين [ 2 \ 47 - 122 ] في الموضعين . وقوله في " الدخان " : ولقد اخترناهم على علم على العالمين [ 44 \ 32 ] . وقوله في " الأعراف " : قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين [ 7 \ 140 ] .
ولكن الله - جل وعلا - بين أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير من بني إسرائيل وأكرم على الله ، كما صرح بذلك في قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف الآية [ ص: 198 ] [ 3 \ 110 ] . فـ ( خير ) صيغة تفضيل ، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم ، بني إسرائيل وغيرهم .
ومما يزيد ذلك إيضاحا حديث معاوية بن حيدة القشيري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أمته : " أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله " : وقد رواه عنه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم ، وهو حديث مشهور .
وقال ابن كثير : حسنه الترمذي ، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : ولا شك في صحة معنى حديث معاوية بن حيدة المذكور - رضي الله عنه - ; لأنه يشهد له النص المعصوم المتواتر في قوله - تعالى - : كنتم خير أمة أخرجت للناس [ 3 \ 110 ] وقد قال - تعالى - : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس [ 2 \ 143 ] . وقوله : وسطا أي خيارا عدولا .
واعلم أن ما ذكرنا من كون أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل من بني إسرائيل ، كما دلت عليه الآية والحديث المذكوران وغيرهما من الأدلة - لا يعارض الآيات المذكورات آنفا في تفضيل بني إسرائيل .
لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
والمعدوم في حال عدمه ليس بشيء حتى يفضل أو يفضل عليه .
ولكنه - تعالى - بعد وجود أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - صرح بأنها خير الأمم .
وهذا واضح ; لأن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل - إنما يراد به ذكر أحوال سابقة .
لأنهم في وقت نزول القرآن كفروا به وكذبوا ، كما قال - تعالى - : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين [ 2 \ 89 ] .
ومعلوم أن الله لم يذكر لهم في القرآن فضلا إلا ما يراد به أنه كان في زمنهم السابق ، لا في وقت نزول القرآن .
ومعلوم أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم تكن موجودة في ذلك الزمن السابق الذي هو ظرف [ ص: 199 ] تفضيل بني إسرائيل ، وأنها بعد وجودها ، صرح الله بأنها هي خير الأمم ، كما أوضحنا . والعلم عند الله - تعالى - .
قوله - تعالى - : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها .
وقد قدمنا الآيات الموضحة في سورة " الزخرف " في الكلام على قوله - تعالى - : فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم [ 43 \ 43 ] .
قوله - تعالى - : ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون .
نهى الله - جل وعلا - نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية الكريمة عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون .
وقد قدمنا في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله - تعالى - : لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا [ 17 \ 22 ] - أنه - جل وعلا - يأمر نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - وينهاه ، ليشرع بذلك الأمر والنهي لأمته ، كقوله هنا : ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون [ 45 \ 18 ] .
ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يتبع أهواء الذين لا يعلمون ، ولكن النهي المذكور فيه التشريع لأمته ، كقوله - تعالى - : ولا تطع منهم آثما أو كفورا [ 76 \ 24 ] . وقوله - تعالى - : فلا تطع المكذبين [ 68 \ 8 ] . وقوله : ولا تطع كل حلاف مهين [ 68 \ 10 ] . وقوله : ولا تجعل مع الله إلها آخر [ 17 \ 39 ] . وقوله : لئن أشركت ليحبطن عملك [ 39 \ 65 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة .
وقد بينا الأدلة القرآنية على أنه - صلى الله عليه وسلم - يخاطب ، والمراد به التشريع لأمته ، في آية " بني إسرائيل " المذكورة .
وما تضمنته آية " الجاثية " هذه من النهي عن اتباع أهوائهم - جاء موضحا في آيات كثيرة ، كقوله - تعالى - في " الشورى " : ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب [ 42 \ 15 ] . وقوله - تعالى - في " الأنعام " : فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون [ 6 \ 150 ] . وقوله - تعالى - في " القصص " : فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين [ 28 \ 50 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .
[ ص: 200 ] وقد بين - تعالى - في " قد أفلح المؤمنون " أن الحق لو اتبع أهواءهم لفسد العالم ، وذلك في قوله - تعالى - : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن [ 23 \ 71 ] .
والأهواء : جمع هوى بفتحتين وأصله مصدر ، والهمزة فيه مبدلة من ياء ، كما هو معلوم .
قوله - تعالى - : وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض .
قد قدمنا في هذا الكتاب المبارك مرارا أن الظلم في لغة العرب أصله وضع الشيء في غير موضعه .
وأن أعظم أنواعه الشرك بالله ; لأن وضع العبادة في غير من خلق ورزق هو أشنع أنواع وضع الشيء في غير موضعه .
ولذا كثر في القرآن العظيم إطلاق الظلم بمعنى الشرك ، كقوله - تعالى - : والكافرون هم الظالمون [ 2 \ 254 ] . وقوله - تعالى - : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين [ 10 \ 106 ] . وقوله - تعالى - : ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا [ 25 \ 27 ] . وقوله - تعالى - عن لقمان : يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم [ 31 \ 13 ] . وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر قوله - تعالى - : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [ 6 \ 82 ] بأن معناه : ولم يلبسوا إيمانهم بشرك .
وما تضمنته آية " الجاثية " هذه من أن الظالمين بعضهم أولياء بعض - جاء مذكورا في غير هذا الموضع ، كقوله - تعالى - في آخر " الأنفال " : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير [ 8 \ 73 ] . وقوله - تعالى - : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون [ 6 \ 129 ] . وقوله - تعالى - : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [ 2 \ 257 ] . وقوله - تعالى - : إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله الآية [ 7 ] . وقوله - تعالى - : فقاتلوا أولياء الشيطان الآية [ 4 \ 76 ] . وقوله - تعالى - : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه [ 3 \ 175 ] . وقوله : [ ص: 201 ] إنما سلطانه على الذين يتولونه الآية [ 16 \ 100 ] . إلى غير ذلك من الآيات .
قوله - تعالى - : والله ولي المتقين .
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه ولي المتقين ، وهم الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه .
وذكر في موضع آخر أن المتقين أولياؤه ، فهو وليهم وهم أولياؤه ; لأنهم يوالونه بالطاعة والإيمان ، وهو يواليهم بالرحمة والجزاء ، وذلك في قوله - تعالى - : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
ثم بين المراد بأوليائه في قوله : الذين آمنوا وكانوا يتقون [ 10 \ 63 ] . فقوله - تعالى - : وكانوا يتقون كقوله في آية " الجاثية " هذه : والله ولي المتقين .
وقد بين - تعالى - في آيات من كتابه أنه ولي المؤمنين ، وأنهم أولياؤه ، كقوله - تعالى - : إنما وليكم الله ورسوله الآية [ 5 \ 55 ] . وقوله - تعالى - : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [ 2 \ 257 ] . وقوله - تعالى - : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا الآية [ 47 \ 11 ] . وقوله - تعالى - : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين [ 7 \ 196 ] . وقوله - تعالى - في الملائكة : قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم الآية [ 34 \ 41 ] . إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه بأبسط من هذا .
قوله - تعالى - : هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون .
الإشارة في قوله : هذا للقرآن العظيم .
والبصائر جمع بصيرة ، والمراد بها البرهان القاطع الذي لا يترك في الحق لبسا ، كقوله - تعالى - : قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة [ 12 \ 108 ] أي على علم ودليل واضح .
والمعنى أن هذا القرآن براهين قاطعة ، وأدلة ساطعة ، على أن الله هو المعبود وحده ، وأن ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - حق .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن القرآن بصائر للناس - جاء موضحا في مواضع أخر من كتاب الله ، كقوله - تعالى - في أخريات " الأعراف " : [ ص: 202 ] قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [ 7 \ 203 ] . وقوله - تعالى - في " الأنعام " : قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ [ 6 \ 104 ] .
وما تضمنته آية " الجاثية " من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة ، ذكر - تعالى - مثله في سورة " القصص " عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله - تعالى - : ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون [ 28 \ 43 ] .
وما تضمنته آية " الجاثية " هذه من كون القرآن هدى ورحمة - جاء موضحا في غير هذا الموضع .
أما كونه هدى فقد ذكرنا الآيات الموضحة له قريبا .
وأما كونه رحمة فقد ذكرنا الآيات الموضحة له في " الكهف " في الكلام على قوله - تعالى - : فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا [ 18 \ 1 ] . وفي أولها في الكلام على قوله - تعالى - : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [ 18 \ 1 ] . وفي " فاطر " في الكلام على قوله - تعالى - : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها [ 35 \ 2 ] . وفي " الزخرف " في الكلام على قوله : أهم يقسمون رحمة ربك الآية [ 43 \ 32 ] .
وقوله - تعالى - في هذه الآية الكريمة : لقوم يوقنون أي لأنهم هم المنتفعون به .
وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف ، وهو أن المبتدأ الذي هو قوله : هذا اسم إشارة إلى مذكر مفرد ، والخبر الذي هو بصائر جمع مكسر مؤنث .
فيقال : كيف يسند الجمع المؤنث المكسر إلى المفرد المذكر ؟ والجواب : أن مجموع القرآن كتاب واحد ، تصح الإشارة إليه بهذا ، وهذا الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة ، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله عليها كما لا يخفى .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|