الموضوع: دعونا نبتسم
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 17-02-2023, 06:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,372
الدولة : Egypt
افتراضي دعونا نبتسم

دعونا نبتسم
د. علي عبدالتواب عبدالحليم

جميلةٌ تلك الابتسامة التي تُخْفي خَلْفَها هُمومًا ثِقالًا وأحمالًا تطأ القلبَ بشدَّة، وتطحنه طحنًا، فيثقل عليه العِبْءُ؛ فينأى القلب جانبًا، ثم يُولِّي مُدبِرًا راضيًا بتلك الهموم التي قتلت كلَّ جوانبِ الحياة فيه، وينزوي جانبًا داخل الجسم مُحمَّلًا بأوْزارِه وأوْزارٍ مع أوزارِه، راسِمًا ابتسامةَ الرِّضا البريئةَ على شفَتَيهِ الكالحتَينِ ليكشف عن أساريره، مُظْهِرًا أسنانَه المخضَّبة بضربات الزمان الطاحنة، ومحاولًا الانتصار على التجاعيد المتداخِلة التي سجَّلَتْها ضربات الزمان، فأصبحَتْ نقُوشًا وخُطوطًا تحمل تاريخَ ليالٍ وماضيًا قريبًا، نحاول أن نتناسَاهُ بابتسامتِنا البريئة القادرة على الاتِّصال الفَعَّال مع جميع البشر.

فالابتسامةُ لا تحدُّها حدودٌ، ولا يعوقها عائقٌ، فهي تُحطِّم قيودَ اللُّغات، وتُذيبُ كُلَّ الحدود الشائكة، وتبلور شتَّى المعاني الجليلة التي تَعْجِزُ الشفتانِ عن البَوْح بها من خلال تعبير وجهي ناتج عن ثَنْي عضلات الوَجْه، تلك الحركة التي تحمل بين طيَّاتها ملايين من رسائل الحب والطُّمَأْنينة، وتُذيبُ كُلَّ الثلوج، وتُفرِّقُ دوافِعَ الخوف، وتبثُّ عوامل الطُّمَأْنينة، فالابتسامةُ لغةُ القلوب الحانية؛ فهي تخرُجُ من القلب قبل الشفاه، وتنفذ إلى القلب؛ فيراها بسُويدائه قبل أن ترى العين من خلالها رسائل الطُّمَأْنينة والسلام والحب، ويحيا بها القلب فَرِحًا طربًا مستمتعًا بهذا الشعور البريء الذي أحيا قلبه، وأضاء دَرْبه، فالابتسامة حياة القلوب وعلاجها، ووقود النشاط، وصمام الأمان، ومُحرِّك الحياة.

فالابتسامةُ صَدَقةٌ - كما أخبرَنا رسولُنا الكريم - تمنحها للجميع دون أن تنفد نقودُك؛ بل يزيد رصيدُكَ القلبي، ويزداد مُحِبُّوكَ، وتتكاتف حولَكَ القلوبُ، وتتصاعد الدَّعَواتُ البريئةُ بظَهْر الغَيْب لك من أفواه البائسين الذين تصدَّقْتَ عليهم بابتسامتك العطرة.

فابتسامتُك تُغنيك عن ملايين الكلمات التي تعصف بذهنك للردِّ على هذا أو التأسُّف لذاك أو التشاجُر مع ذلك، فقط ابتسم لتُعبِّر عمَّا بداخلك، ابتسم إذا أخطأتَ، ابتسم إذا طلبت، ابتسم إذا قابلتَ، ابتسم إذا عاتَبْتَ، ابتسم إذا حزنْتَ، ابتسم في كل أحوالِكَ ولمَ لا تبتسم والحياة قصيرة لا تحتمل أن نحزن؟! لمَ لا تبتسم وقد سخَّرَ اللهُ لك كلَّ ما حولَكَ لخدمتك؟! ابتسم وابتسم واملأ الكون بابتسامتك الرَّقْراقة، وأسْمِعِ الجماداتِ أصواتَ ضحكاتِكَ، أدخِلِ السُّرور على القلوب، فالقلوب المجروحة تحتاج إلى ابتسامتك التي تُضَمِّد جِراحَها، وتكون بَرْدًا وسَلامًا على أحزانها.

ابتسم لأهْلِكَ المقرَّبين وأخوتك الكالحين، وجيرانك المتعبين؛ فهم في حاجة إلى ابتسامتك، ابتسم لزوجتك ولأولادك، ودَعْ قِناعَ التكشيرة الكئيبة التي ترى فيها رجولتك الزائفة وصرامتك الواهية؛ فالابتسامُ ليس ضَعْفًا، الابتسام كان دَيْدَنَ الرسول الكريم، الابتسام ورجولةٌ واحتواء.

ابتسم لزملائك لتُبدِّد الوَحْشة، وتضيء القلوب المعتمة بضباب الحِقْد، وتُزيل الغيرة، وتغزل خيوط المحبَّة والأُلْفة التي تجعلكم فريقًا واحدًا، ويدًا واحدةً، وحُلْمًا واحدًا، ومستقبلًا واحدًا، يتكاتَفُ في بنائه الجميعُ بحُبٍّ وصِدْقٍ ووفاءٍ وابتسام.

ابتسم لوالديك، لتُنْسيهم بابتسامتك الحنونة أيامَ عمرهم التي أضاعوها في تربيتك، وهمومًا ثقالًا تحمَّلُوها؛ لكي تكون عكَّازهم، فهي شيخوختهم، فأرِهم ابتسامتَكَ؛ ليحصدوا ما زرعوه، ويجنوا ثمارَ عمرهم.

اخلع قِناعَ الهموم، وانْسَ كُلَّ شيء، وابتسم لمن حَوْلَكَ.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 16.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.38 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.92%)]