
13-02-2023, 12:36 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء السادس
تَفْسِيرِ سُّورَةِ آل عمران
الحلقة (402)
صــ 348 إلى صــ 362
[ ص: 348 ]
وفي " زكريا " لغة ثالثة لا تجوز القراءة بها ؛ لخلافها مصاحف المسلمين ، وهو " زكري " بحذف المدة و " الياء " الساكنة ، تشبهه العرب بالمنسوب من الأسماء ، فتنونه وتجريه في أنواع الإعراب مجاري " ياء " النسبة .
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام : وضمها الله إلى زكريا ، من قول الشاعر :
فهو لضلال الهوام كافل
يراد به : لما ضل من متفرق النعم ومنتشره ضام إلى نفسه وجامع . وقد روي :
فهو لضلال الهوافي كافل
بمعنى أنه لما ند فهرب من النعم ضام من قولهم : " هفا الظليم " إذا أسرع الطيران .
يقال منه للرجل : " ما لك تكفل كل ضالة " ؟ يعني به : تضمها إليك وتأخذها .
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
6902 - حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي قال حدثنا محمد بن ربيعة ، عن النضر بن عربي ، عن عكرمة في قوله : ( إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت ) قال : ألقوا أقلامهم فجرت بها الجرية ، إلا قلم زكريا اصاعد ، فكفلها زكريا .
6903 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : " وكفلها زكريا " قال : ضمها إليه . قال : ألقوا أقلامهم - يقول : عصيهم - قال : فألقوها تلقاء جرية الماء ، فاستقبلت عصا زكريا جرية الماء ، فقرعهم .
6904 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي ، قال الله - عز وجل - : " فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا " فانطلقت بها أمها في خرقها - يعني أم مريم بمريم - حين ولدتها إلى المحراب وقال بعضهم : انطلقت حين بلغت إلى المحراب وكان الذين يكتبون التوراة إذا جاءوا إليهم بإنسان يجربونه ، اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه . وكان زكريا أفضلهم يومئذ ، وكان بينهم ، وكانت خالة مريم تحته . فلما أتوا بها اقترعوا [ ص: 350 ] عليها ، وقال لهم زكريا : أنا أحقكم بها ، تحتي أختها . فأبوا ، فخرجوا إلى نهر الأردن ، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها : أيهم يقوم قلمه فيكفلها . فجرت الأقلام ، وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين ، فأخذ الجارية . وذلك قول الله - عز وجل - : " وكفلها زكريا " فجعلها زكريا معه في بيته ، وهو المحراب .
6905 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " وكفلها زكريا " يقول : ضمها إليه .
6906 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " وكفلها زكريا " قال : سهمهم بقلمه .
6907 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه .
6908 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن قتادة ، قال : كانت مريم ابنة سيدهم وإمامهم . قال : فتشاح عليها أحبارهم ، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها . قال قتادة : وكان زكريا زوج أختها ، فكفلها ، وكانت عنده وحضنها . [ ص: 351 ]
6909 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن القاسم بن أبي بزة : أنه أخبره ، عن عكرمة وأبي بكر ، عن عكرمة قال : ثم خرجت بها يعني : أم مريم بمريم في خرقها تحملها إلى بني الكاهن بن هارون ، أخي موسى بن عمران . قال : وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة ، فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فإني حررتها ، وهي ابنتي ، ولا يدخل الكنيسة حائض ، وأنا لا أردها إلى بيتي . فقالوا : هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة - وصاحب قرباننا . فقال زكريا : ادفعوها إلي ، فإن خالتها عندي . قالوا : لا تطيب أنفسنا ، هي ابنة إمامنا . فذلك حين اقترعوا ، فاقترعوا بأقلامهم عليها - بالأقلام التي يكتبون بها التوراة - فقرعهم زكريا ، فكفلها .
6910 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جعلها زكريا معه في محرابه ، قال الله - عز وجل - : " وكفلها زكريا " قال حجاج قال : ابن جريج : " الكاهن " في كلامهم : العالم .
6911 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير : " وكفلها زكريا " بعد أبيها وأمها ، يذكرها باليتم ، ثم قص خبرها وخبر زكريا .
6912 - حدثنا المثنى قال : حدثنا الحماني قال : حدثنا شريك ، عن [ ص: 352 ] عطاء ، عن سعيد بن جبير قوله : " وكفلها زكريا " قال : كانت عنده .
6913 - حدثني علي بن سهل قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير قوله : " وكفلها زكريا " قال : جعلها زكريا معه في محرابه .
6914 - حدثني محمد بن سنان قال : حدثنا أبو بكر الحنفي ، عن عباد ، عن الحسن في قوله : " فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا " وتقارعها القوم ، فقرع زكريا ، فكفلها زكريا .
وقال آخرون : بل كان زكريا بعد ولادة حنة ابنتها مريم ، كفلها بغير اقتراع ولا استهام عليها ، ولا منازعة أحد إياه فيها . وإنما كفلها ؛ لأن أمها ماتت بعد موت أبيها وهي طفلة ، وعند زكريا خالتها ألاشباع ابنة فاقوذ وقد قيل : إن اسم أم يحيى خالة عيسى : إشبع .
6915 - حدثنا بذلك القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : أخبرني وهب بن سليمان ، عن شعيب الجبأي : أن اسم أم يحيى أشبع . [ ص: 353 ]
فضمها إلى خالتها أم يحيى ، فكانت إليهم ومعهم ، حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها التي نذرت فيها .
قالوا : والاقتراع فيها بالأقلام ، إنما كان بعد ذلك بمدة طويلة لشدة أصابتهم ، ضعف زكريا عن حمل مئونتها ، فتدافعوا حمل مئونتها ، لا رغبة منهم ، ولا تنافسا عليها وعلى احتمال مئونتها . وسنذكر قصتها على قول من قال ذلك ، إذا بلغنا إليها إن شاء الله تعالى .
6916 - حدثنا بذلك ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثني محمد بن إسحاق .
فعلى هذا التأويل تصح قراءة من قرأ : " وكفلها زكريا " بتخفيف " الفاء " لو صح التأويل . غير أن القول متظاهر من أهل التأويل بالقول الأول : أن استهام القوم فيها كان قبل كفالة زكريا إياها ، وأن زكريا إنما كفلها بإخراج سهمه منها فالجا على سهام خصومه فيها . فلذلك كانت قراءته بالتشديد عندنا أولى من قراءته بالتخفيف .
القول في تأويل قوله ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا )
قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : أن زكريا كان كلما دخل عليها المحراب ، بعد إدخاله إياها المحراب ، وجد عندها رزقا من الله لغذائها .
فقيل إن ذلك الرزق الذي كان يجده زكريا عندها ، فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء . [ ص: 354 ]
ذكر من قال ذلك :
6917 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا الحسن بن عطية ، عن شريك ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " وجد عندها رزقا " قال : وجد عندها عنبا في مكتل في غير حينه .
6918 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن سعيد في قوله : " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا " قال : العنب في غير حينه .
6919 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم في قوله : " وجد عندها رزقا " قال : فاكهة في غير حينها .
6920 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا أبو إسحاق الكوفي ، عن الضحاك : أنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف يعني في قوله : " وجد عندها رزقا " .
6921 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك مثله .
6922 - حدثني المثنى قال : حدثنا عمرو قال : أخبرنا هشيم ، عن بعض أشياخه ، عن الضحاك مثله .
6923 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : أخبرنا هشيم قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك مثله .
6924 - حدثنا يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا من سمع الحكم بن عتيبة يحدث ، عن مجاهد قال : كان يجد عندها العنب في غير حينه .
6925 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، [ ص: 355 ] عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " وجد عندها رزقا " قال : عنبا وجده زكريا عند مريم في غير زمانه .
6926 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه .
6927 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي قال : حدثنا النضر بن عربي ، عن مجاهد في قوله : " وجد عندها رزقا " قال : فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف .
6928 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا " قال : كنا نحدث أنها كانت تؤتى بفاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء .
6929 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : " وجد عندها رزقا " قال : وجد عندها ثمرة في غير زمانها .
6930 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : جعل زكريا دونها عليها سبعة أبواب ، فكان يدخل عليها فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء .
6931 - حدثني موسى [ بن عبد الرحمن ] قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : قال : جعلها زكريا معه في بيت - وهو المحراب - فكان يدخل عليها في الشتاء فيجد عندها فاكهة الصيف ، ويدخل في الصيف فيجد عندها فاكهة الشتاء . [ ص: 356 ]
6932 - حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " وجد عندها رزقا " قال : كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء .
6933 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا " قال : وجد عندها ثمار الجنة ، فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف .
6934 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : حدثني بعض أهل العلم : أن زكريا كان يجد عندها ثمرة الشتاء في الصيف ، وثمرة الصيف في الشتاء .
6935 - حدثني محمد بن سنان قال : حدثنا أبو بكر الحنفي ، عن عباد ، عن الحسن قال : كان زكريا إذا دخل عليها - يعني على مريم المحراب - وجد عندها رزقا من السماء ، من الله ، ليس من عند الناس . وقالوا : لو أن زكريا كان يعلم أن ذلك الرزق من عنده ، لم يسألها عنه .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن زكريا كان إذا دخل إليها المحراب وجد عندها من الرزق فضلا عما كان يأتيها به ، الذي كان يمونها في تلك الأيام .
ذكر من قال ذلك :
6936 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثني محمد بن إسحاق قال : كفلها بعد هلاك أمها فضمها إلى خالتها أم يحيى ، حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها الذي نذرت فيها ، فجعلت تنبت وتزيد . قال : ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها ، حتى ضعف زكريا عن حملها ، فخرج على بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل ، أتعلمون والله لقد ضعفت عن [ ص: 357 ] حمل ابنة عمران . فقالوا : ونحن لقد جهدنا وأصابنا من هذه السنة ما أصابكم . فتدافعوها بينهم وهم لا يرون لهم من حملها بدا ، حتى تقارعوا بالأقلام ، فخرج السهم بحملها على رجل من بني إسرائيل نجار يقال له جريج ، قال : فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه ، فكانت تقول له : يا جريج ، أحسن بالله الظن ؛ فإن الله سيرزقنا . فجعل جريج يرزق بمكانها ، فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها ، فإذا أدخله عليها وهي في الكنيسة ، أنماه الله وكثره ، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلا من الرزق ، وليس بقدر ما يأتيها به جريج ، فيقول : " يا مريم ، أنى لك هذا " ؟ فتقول : " هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " .
قال أبو جعفر : وأما " المحراب " فهو مقدم كل مجلس ومصلى ، وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها ، وكذلك هو من المساجد ، ومنه قول عدي بن زيد :
كدمى العاج في المحاريب أو كالبيض في الروض زهره مستنير [ ص: 358 ]
و " المحاريب " جمع " محراب " وقد يجمع على محارب .
القول في تأويل قوله ( قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ( 37 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : " قال " زكريا : " يامريم أنى لك هذا ؟ من أي وجه لك هذا الذي أرى عندك من الرزق ؟ قالت مريم مجيبة له : " هو من عند الله تعني : أن الله هو الذي رزقها ذلك فساقه إليها وأعطاها .
وإنما كان زكريا يقول ذلك لها ؛ لأنه كان - فيما ذكر لنا - يغلق عليها سبعة أبواب ، ويخرج . ثم يدخل عليها فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء . فكان يعجب مما يرى من ذلك ، ويقول لها تعجبا مما يرى : " أنى لك هذا " ؟ فتقول : من عند الله .
6937 - حدثني بذلك المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع .
6938 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : حدثني بعض أهل العلم ، فذكر نحوه .
6939 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " يامريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله " قال : فإنه وجد عندها الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة [ ص: 359 ] عند أحد ، فكان زكريا يقول : " يا مريم أنى لك هذا " ؟
وأما قوله : " إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " فخبر من الله أنه يسوق إلى من يشاء من خلقه رزقه ، بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبده . لأنه - جل ثناؤه - لا ينقص سوقه ذلك إليه كذلك خزائنه ، ولا يزيد إعطاؤه إياه ، ومحاسبته عليه في ملكه ، وفيما لديه شيئا ، ولا يعزب عنه علم ما يرزقه ، وإنما يحاسب من يعطي ما يعطيه ، من يخشى النقصان من ملكه ، ودخول النفاد عليه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف ، ومن كان جاهلا بما يعطى على غير حساب .
القول في تأويل قوله ( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ( 38 ) )
قال أبو جعفر : وأما قوله : " هنالك دعا زكريا ربه ، فمعناها : عند ذلك ، أي : عند رؤية زكريا ما رأى عند مريم من رزق الله الذي رزقها ، وفضله الذي آتاها من غير تسبب أحد من الآدميين في ذلك لها ومعاينته عندها الثمرة [ ص: 360 ] الرطبة التي لا تكون في حين رؤيته إياها عندها في الأرض طمع بالولد ، مع كبر سنه ، من المرأة العاقر . فرجا أن يرزقه الله منها الولد ، مع الحال التي هما بها ، كما رزق مريم على تخليها من الناس ما رزقها من ثمرة الصيف في الشتاء وثمرة الشتاء في الصيف ، وإن لم يكن مثله مما جرت بوجوده في مثل ذلك الحين العادات في الأرض ، بل المعروف في الناس غير ذلك ، كما أن ولادة العاقر غير الأمر الجارية به العادات في الناس . فرغب إلى الله - جل ثناؤه - في الولد ، وسأله ذرية طيبة .
وذلك أن أهل بيت زكريا - فيما ذكر لنا - كانوا قد انقرضوا في ذلك الوقت ، كما : -
6940 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : فلما رأى زكريا من حالها ذلك يعني : فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف قال : إن ربا أعطاها هذا في غير حينه ، لقادر على أن يرزقني ذرية طيبة ! ورغب في الولد ، فقام فصلى ، ثم دعا ربه سرا فقال : ( رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ) [ سورة مريم : 4 - 6 ] ، وقوله : ( رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ) وقال : ( رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ) [ سورة الأنبياء : 89 ] .
6941 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، [ ص: 361 ] قال : فلما رأى ذلك زكريا - يعني فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف - عند مريم قال : إن الذي يأتي بهذا مريم في غير زمانه ، قادر أن يرزقني ولدا ، قال الله - عز وجل - : " هنالك دعا زكريا ربه " قال : فذلك حين دعا .
6942 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن عكرمة قال : فدخل المحراب وغلق الأبواب ، وناجى ربه فقال : ( رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ) إلى قوله : ( رب رضيا ) ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله ) الآية .
6943 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : حدثني بعض أهل العلم قال : فدعا زكريا عند ذلك بعد ما أسن ولا ولد له ، وقد انقرض أهل بيته فقال : " رب هب لي من لدنك ذرية طيبه إنك سميع الدعاء " ثم شكا إلى ربه فقال : ( رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ) إلى ( واجعله رب رضيا ) ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ) الآية .
وأما قوله : " رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " فإنه يعني ب " الذرية " النسل ، وب " الطيبة " المباركة ، كما : -
6944 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " يقول : مباركة . [ ص: 362 ]
وأما قوله : " من لدنك " فإنه يعني : من عندك .
وأما " الذرية " فإنها جمع ، وقد تكون في معنى الواحد ، وهي في هذا الموضع الواحد . وذلك أن الله - عز وجل - قال في موضع آخر ، مخبرا عن دعاء زكريا : ( فهب لي من لدنك وليا ) [ سورة مريم : 5 ] ، ولم يقل : أولياء - فدل على أنه سأل واحدا . وإنما أنث " طيبة " لتأنيث الذرية ، كما قال الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ، ذاك الكمال
فقال : " ولدته أخرى " فأنث ، وهو ذكر ، لتأنيث لفظ " الخليفة " كما قال الآخر :
فما تزدري من حية جبلية سكات ، إذا ما عض ليس بأدردا
فأنث " الجبلية " لتأنيث لفظ " الحية " ثم رجع إلى المعنى فقال : " إذا ما عض " لأنه كان أراد حية ذكرا ، وإنما يجوز هذا فيما لم يقع عليه " فلان " من الأسماء ، ك " الدابة ، والذرية ، والخليفة " .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|