
12-02-2023, 11:38 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة :
|
|
رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد
تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء السادس
تَفْسِيرِ سُّورَةِ آل عمران
الحلقة (392)
صــ 198 إلى صــ 212
فمعنى الكلام إذا : فأما الذين في قلوبهم هيل عن الحق وحيف عنه فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه ، واحتمل صرف صارفه في وجوه التأويلات - باحتماله المعاني المختلفة - إرادة اللبس على نفسه وعلى غيره ، احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه ، دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه . [ ص: 198 ]
قال أبو جعفر : وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك ، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله بدعة فمال قلبه إليها ، تأويلا منه لبعض متشابه آي القرآن ، ثم حاج به وجادل به أهل الحق ، وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين ، وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك ، كائنا من كان ، وأي أصناف المبتدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية ، أو كان سبئيا ، أو حروريا ، أو قدريا ، أو جهميا ، كالذي قال - صلى الله عليه وسلم - : " فإذا رأيتم الذين يجادلون به ، فهم الذين عنى الله ، فاحذروهم " ، وكما : -
6622 - حدثني يونس قال أخبرنا سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه ، عن ابن عباس - وذكر عنده الخوارج وما يلفون عند القرآن ، فقال : يؤمنون بمحكمه ، ويهلكون عند متشابهه ! وقرأ ابن عباس : " وما يعلم تأويله إلا الله " الآية .
قال أبو جعفر : وإنما قلنا القول الذي ذكرنا أنه أولى التأويلين بقوله : " ابتغاء الفتنة " لأن الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهل شرك ، وإنما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله اللبس على المسلمين ، والاحتجاج به عليهم ، ليصدوهم [ ص: 199 ] عما هم عليه من الحق ، فلا معنى لأن يقال : " فعلوا ذلك إرادة الشرك " وهم قد كانوا مشركين .
القول في تأويل قوله ( وابتغاء تأويله )
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى " التأويل " الذي عنى الله - جل ثناؤه - بقوله : " وابتغاء تأويله " .
فقال بعضهم : معنى ذلك : الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء مدة أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمر أمته من قبل الحروف المقطعة من حساب الجمل " الم " و " المص " و " الر " و " المر " وما أشبه ذلك من الآجال .
ذكر من قال ذلك :
6623 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس أما قوله : " وما يعلم تأويله إلا الله " يعني تأويله يوم القيامة " إلا الله " .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : " عواقب القرآن " . وقالوا : " إنما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخ الأحكام التي كان الله - جل ثناؤه - شرعها لأهل الإسلام قبل مجيئه ، فنسخ ما قد كان شرعه قبل ذلك " .
ذكر من قال ذلك :
6624 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط عن السدي : " وابتغاء تأويله " أرادوا أن يعلموا تأويل القرآن - وهو عواقبه - قال [ ص: 200 ] الله : " وما يعلم تأويله إلا الله " وتأويله عواقبه متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ ؟
وقال آخرون : معنى ذلك : " وابتغاء تأويل ما تشابه من آي القرآن ، يتأولونه - إذ كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات - على ما في قلوبهم من الزيغ ، وما ركبوه من الضلالة " .
ذكر من قال ذلك :
6625 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير : " وابتغاء تأويله " وذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم " خلقنا " و " قضينا " .
قال أبو جعفر : والقول الذي قاله ابن عباس من أن " ابتغاء التأويل " الذي طلبه القوم من المتشابه هو معرفة انقضاء المدة ووقت قيام الساعة والذي ذكرنا عن السدي من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وقت هو جاء قبل مجيئه أولى بالصواب ، وإن كان السدي قد أغفل معنى ذلك من وجه صرفه إلى حصره على أن معناه : أن القوم طلبوا معرفة وقت مجيء الناسخ لما قد أحكم قبل ذلك .
وإنما قلنا : إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاء قبل مجيئه المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم ، بمتشابه آي القرآن - أولى بتأويل قوله : " وابتغاء تأويله " [ ص: 201 ] لما قد دللنا عليه قبل من إخبار الله - جل ثناؤه - أن ذلك التأويل لا يعلمه إلا الله . ولا شك أن معنى قوله : " قضينا " " فعلنا " قد علم تأويله كثير من جهلة أهل الشرك فضلا عن أهل الإيمان وأهل الرسوخ في العلم منهم .
القول في تأويل قوله ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا )
قال أبو جعفر : يعني - جل ثناؤه - بذلك : وما يعلم وقت قيام الساعة ، وانقضاء مدة أكل محمد وأمته ، وما هو كائن ، إلا الله ، دون من سواه من البشر الذين أملوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة . وأما الراسخون في العلم فيقولون : " آمنا به كل من عند ربنا " - لا يعلمون ذلك ، ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم ، العلم بأن الله هو العالم بذلك دون من سواه من خلقه .
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، وهل " الراسخون " معطوف على اسم " الله " ، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه ، أم هم مستأنف ذكرهم ، بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون : آمنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله ؟
فقال بعضهم : معنى ذلك : وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلمه . وأما الراسخون في العلم ، فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون : آمنا بالمتشابه والمحكم ، وأن جميع ذلك من عند الله .
ذكر من قال ذلك : [ ص: 202 ]
6626 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : حدثنا خالد بن نزار عن نافع عن ابن أبي مليكة عن عائشة قوله : " والراسخون في العلم يقولون آمنا به " قالت : كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه ، ولم يعلموا تأويله .
6627 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال : كان ابن عباس يقول : ( وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون [ في العلم ] آمنا به )
6628 - حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن أبي الزناد قال قال هشام بن عروة : كان أبي يقول في هذه الآية " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله ، ولكنهم يقولون : " آمنا به كل من عند ربنا " .
6629 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا يحيى بن واضح قال : حدثنا عبيد الله عن أبي نهيك الأسدي قوله : " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " فيقول : إنكم تصلون هذه الآية ، وإنها مقطوعة : " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا " فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا . [ ص: 203 ]
6630 - حدثنا المثنى قال : حدثنا ابن دكين قال : حدثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : " والراسخون في العلم " انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا " آمنا به كل من عند ربنا " .
6631 - حدثني يونس قال أخبرنا أشهب عن مالك في قوله : " وما يعلم تأويله إلا الله " قال : ثم ابتدأ فقال : " والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا " وليس يعلمون تأويله .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون : " آمنا به كل من عند ربنا " .
ذكر من قال ذلك :
6632 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال : أنا ممن يعلم تأويله .
6633 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : " والراسخون في العلم " يعلمون تأويله ، ويقولون : " آمنا به " .
6634 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : " والراسخون في العلم يعلمون تأويله ، ويقولون : " آمنا به " .
6635 - حدثت عن عمار بن الحسن قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه ، عن الربيع : " والراسخون في العلم " يعلمون تأويله ويقولون : " آمنا به " .
6636 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير : " وما يعلم تأويله " الذي أراد ، ما أراد " إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا " فكيف يختلف ، وهو قول واحد [ ص: 204 ] من رب واحد ؟ ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد ، فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضا ، فنفذت به الحجة ، وظهر به العذر ، وزاح به الباطل ، ودمغ به الكفر .
قال أبو جعفر : فمن قال القول الأول في ذلك ، وقال : إن الراسخين لا يعلمون تأويل ذلك ، وإنما أخبر الله عنهم بإيمانهم وتصديقهم بأنه من عند الله ، فإنه يرفع " الراسخين في العلم " بالابتداء في قول البصريين ، ويجعل خبره : " يقولون آمنا به " . وأما في قول بعض الكوفيين ، فبالعائد من ذكرهم في " يقولون " . وفي قول بعضهم : بجملة الخبر عنهم ، وهي : " يقولون " .
ومن قال القول الثاني ، وزعم أن الراسخين يعلمون تأويله ، عطف ب " الراسخين " على اسم " الله " فرفعهم بالعطف عليه .
قال أبو جعفر : والصواب عندنا في ذلك أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم وهو : " يقولون " لما قد بينا قبل من أنهم لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله - عز وجل - في هذه الآية ، وهو فيما بلغني مع ذلك في قراءة أبي : ( ويقول الراسخون في العلم ) كما ذكرناه عن ابن عباس أنه كان يقرؤه . وفي قراءة عبد الله : ( إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون ) .
قال أبو جعفر : وأما معنى " التأويل " في كلام العرب ، فإنه التفسير والمرجع والمصير . وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى : [ ص: 205 ]
على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا
وأصله من : " آل الشيء إلى كذا " - إذا صار إليه ورجع " يئول أولا " و " أولته أنا " صيرته إليه . وقد قيل إن قوله : ( وأحسن تأويلا ) [ سورة النساء : 59 \ سورة الإسراء : 35 ] أي جزاء . وذلك أن " الجزاء " هو الذي آل إليه أمر القوم وصار إليه .
ويعني بقوله : " تأول حبها " : تفسير حبها ومرجعه . وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرا في قلبه ، فآل من الصغر إلى العظم ، فلم يزل ينبت حتى أصحب ، فصار قديما ، كالسقب الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب فصار كبيرا مثل أمه . [ ص: 206 ] وقد ينشد هذا البيت :
على أنها كانت توابع حبها
توالي ربعي السقاب فأصحبا
القول في تأويل قوله ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به )
قال أبو جعفر : يعني ب " الراسخين في العلم " العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووعوه فحفظوه حفظا ، لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شك ولا لبس .
وأصل ذلك من : " رسوخ الشيء في الشيء " وهو ثبوته وولوجه فيه . يقال منه : " رسخ الإيمان في قلب فلان ، فهو يرسخ رسخا ورسوخا " .
وقد روي في نعتهم خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ما : -
6637 - حدثنا موسى بن سهل الرملي قال : حدثنا محمد بن عبد الله قال : حدثنا فياض بن محمد الرقي قال : حدثنا عبد الله بن يزيد بن آدم عن أبي الدرداء وأبي أمامة قالا سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من الراسخ في العلم ؟ قال : " من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام به قلبه ، وعف بطنه ، فذلك الراسخ في العلم . [ ص: 207 ]
6638 - حدثني المثنى وأحمد بن الحسن الترمذي قال : حدثنا نعيم بن حماد قال : حدثنا فياض الرقي قال : حدثنا عبد الله بن يزيد الأودي قال : وكان أدرك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : حدثنا أنس بن مالك وأبو أمامة وأبو الدرداء : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الراسخين في العلم فقال : من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام به قلبه ، وعف بطنه وفرجه ، فذلك الراسخ في العلم .
وقد قال جماعة من أهل التأويل : إنما سمى الله - عز وجل - هؤلاء القوم " الراسخين [ ص: 208 ] في العلم " بقولهم : " آمنا به كل من عند ربنا " .
ذكر من قال ذلك :
6639 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال : " والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، قال : " الراسخون " الذين يقولون : " آمنا به كل من عند ربنا " .
6640 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط عن السدي : " والراسخون في العلم " هم المؤمنون ، فإنهم يقولون : " آمنا به " بناسخه ومنسوخه " كل من عند ربنا " .
6641 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال حدثني حجاج قال : قال ابن جريج قال ابن عباس قال عبد الله بن سلام : " الراسخون في العلم ) وعلمهم قولهم قال ابن جريج : " والراسخون في العلم يقولون آمنا به " وهم الذين يقولون ( ربنا لا تزغ قلوبنا ) ويقولون : ( ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ) الآية .
وأما تأويل قوله : " يقولون آمنا به " فإنه يعني أن الراسخين في العلم يقولون : صدقنا بما تشابه من آي الكتاب ، وأنه حق وإن لم نعلم تأويله ، وقد : -
6642 - حدثني أحمد بن حازم قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سلمة بن نبيط عن الضحاك : " والراسخون في العلم يقولون آمنا به " قال : المحكم والمتشابه .
[ ص: 209 ] القول في تأويل قوله ( كل من عند ربنا )
قال أبو جعفر : يعني بقوله - جل ثناؤه - : " كل من عند ربنا " كل المحكم من الكتاب والمتشابه منه " من عند ربنا " وهو تنزيله ووحيه إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - كما : -
6643 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس في قوله : " كل من عند ربنا " قال : يعني ما نسخ منه وما لم ينسخ .
6644 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة قوله : " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " قالوا : " كل من عند ربنا " آمنوا بمتشابهه ، وعملوا بمحكمه .
6645 - حدثت عن عمار بن الحسن قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه ، عن الربيع قوله : " كل من عند ربنا " يقولون : المحكم والمتشابه من عند ربنا .
6646 - حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : " والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا " نؤمن بالمحكم وندين به ، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به ، وهو من عند الله كله .
6647 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال : حدثنا يزيد قال أخبرنا جويبر عن الضحاك في قوله : " والراسخون في العلم " يعملون به ، يقولون : نعمل بالمحكم ونؤمن به ، ونؤمن بالمتشابه ولا نعمل به ، وكل من عند ربنا . [ ص: 210 ]
قال أبو جعفر : واختلف أهل العربية في حكم " كل " إذا أضمر فيها . فقال بعض نحويي البصريين : إنما جاز حذف المراد الذي كان معها الذي " الكل " إليه مضاف في هذا الموضع ، لأنها اسم ، كما قال : ( إنا كل فيها ) [ سورة غافر : 48 ] ، بمعنى : إنا كلنا فيها . قال : ولا يكون " كل " مضمرا فيها وهي صفة ، لا يقال : " مررت بالقوم كل " وإنما يكون فيها مضمر إذا جعلتها اسما . لو كان : " إنا كلا فيها " على الصفة لم يجز ، لأن الإضمار فيها ضعيف لا يتمكن في كل مكان .
وكان بعض نحويي الكوفيين يرى الإضمار فيها وهي صفة أو اسم سواء . لأنه غير جائز أن يحذف ما بعدها عنده إلا وهي كافية بنفسها عما كانت تضاف إليه من المضمر ، وغير جائز أن تكون كافية منه في حال ، ولا تكون كافية في أخرى . وقال : سبيل " الكل " و " البعض " في الدلالة على ما بعدهما بأنفسهما وكفايتهما منه بمعنى واحد في كل حال ، صفة كانت أو اسما .
قال أبو جعفر : وهذا القول الثاني أولى بالقياس ؛ لأنها إذا كانت كافية بنفسها مما حذف منها في حال لدلالتها عليها ، فالحكم فيها أنها كلما وجدت دالة على ما بعدها فهي كافية منه .
[ ص: 211 ] القول في تأويل قوله ( وما يذكر إلا أولو الألباب ( 7 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به إلا أولو العقول والنهى ، وقد : -
6648 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير : " وما يذكر إلا أولو الألباب " يقول : وما يذكر في مثل هذا يعني في رد تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم ، حتى يتسقا على معنى واحد " إلا أولو الألباب " .
القول في تأويل قوله ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ( 8 ) )
قال أبو جعفر : يعني بذلك - جل ثناؤه - : أن الراسخين في العلم يقولون : آمنا بما تشابه من آي كتاب الله ، وأنه والمحكم من آيه من تنزيل ربنا ووحيه . ويقولون أيضا : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " يعني أنهم يقولون رغبة منهم إلى ربهم في أن يصرف عنهم ما ابتلى به الذين زاغت قلوبهم من اتباع متشابه آي القرآن ، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله الذي لا يعلمه غير الله : يا ربنا ، لا تجعلنا مثل هؤلاء الذين زاغت قلوبهم عن الحق فصدوا عن سبيلك " لا تزغ قلوبنا " [ ص: 212 ] لا تملها فتصرفها عن هداك بعد إذ هديتنا له ، فوفقتنا للإيمان بمحكم كتابك ومتشابهه " وهب لنا " يا ربنا " من لدنك رحمة " يعني : من عندك رحمة ، يعني بذلك : هب لنا من عندك توفيقا وثباتا للذي نحن عليه من الإقرار بمحكم كتابك ومتشابهه " إنك أنت الوهاب " يعني : إنك أنت المعطي عبادك التوفيق والسداد للثبات على دينك ، وتصديق كتابك ورسلك ، كما : -
6649 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " أي : لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا " وهب لنا من لدنك رحمة " .
قال أبو جعفر : وفي مدح الله - جل ثناؤه - هؤلاء القوم بما مدحهم به من رغبتهم إليه في أن لا يزيغ قلوبهم ، وأن يعطيهم رحمة منه معونة لهم للثبات على ما هم عليه من حسن البصيرة بالحق الذي هم عليه مقيمون ما أبان عن خطأ قول الجهلة من القدرية : أن إزاغة الله قلب من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته وإمالته له عنها جور . لأن ذلك لو كان كما قالوا ، لكان الذين قالوا : " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " بالذم أولى منهم بالمدح . لأن القول لو كان كما قالوا ، لكان القوم إنما سألوا ربهم بمسألتهم إياه أن لا يزيغ قلوبهم أن لا يظلمهم ولا يجور عليهم . وذلك من السائل جهل ، لأن الله - جل ثناؤه - لا يظلم عباده ولا يجور عليهم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|