عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 10-02-2023, 07:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ التوبة
المجلد الثامن
صـ 3201 الى صـ 3215
الحلقة (387)


[ ص: 3201 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 72 ] وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم .

وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار أي : من تحت شجرها ومسكنها أنهار الخمر والماء والعسل واللبن خالدين فيها ومساكن طيبة أي : منازل حسنة تستطيبها النفوس أو يطيب فيها العيش ، في جنات عدن أي : إقامة وثبات ويقال : عدن علم لموضع معين في الجنة ، لآثار فيه ، ولما كان ومساكن معطوفا على : ( جنات ) ، قيل : إن المتعاطفين إما أن يتغايرا بالذات ، فيكونوا وعدوا بشيئين ، وهما الجنات بمعنى البساتين ومساكن في الجنة ، فلكل أحد جنة ومسكن ، أو الجنات المقصود بها غير عدن ، وهي لعامة المؤمنين ، وعدن للنبيين عليهم الصلاة والسلام ، والشهداء والصديقين ، وإما أن يتحدا ذاتا ويتغايرا صفة ، فينزل التغاير الثاني منزلة الأول ، ويعطف عليه ، فكل منهما عام ، ولكن الأول باعتبار اشتمالها على الأنهار والبساتين ، والثاني باعتبار الدور والمنازل .

قال القاضي : فكأنه وصف الموعود أولا بأنه من جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها لتميل إليه طباعهم ، أول ما يقرع أسماعهم ، ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش ، معرى من شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا ، وفيها ما تشتهي الأنفس ، وتلذ الأعين .

ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار العليين ، لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير ، ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال : ورضوان من الله أكبر إذ عليه يدور فوز كل خير وسعادة ، وبه يناط نيل كل شرف وسيادة ، لعل عدم نظمه في [ ص: 3202 ] سلك الوعد مع عزته في نفسه لأنه متحقق في ضمن كل موعود ، ولأنه مستمر في الدارين . أفاده أبو السعود .

وإيثار رضوان الله على ما ذكر إشارة إلى إفادة أن قدرا يسيرا منه خير من ذلك .

وقد روى الإمام مالك والشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة : « يا أهل الجنة ! فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب ; وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب ، وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم بعده أبدا » .

وروى المحاملي والبزار عن جابر ، رفعه : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال الله عز وجل : « هل تشتهون شيئا فأزيدكم ؟ قالوا : يا ربنا ! ما هو خير مما أعطيتنا ؟ قال : رضواني أكبر » .

ذلك هو الفوز العظيم أي : لا ما يعده الناس فوزا من حظوظ الدنيا .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 73 ] يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير

يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين قيل : مجاهدة المنافقين بالحجة لا بالسيف .

قال في ( " العناية " ) : ظاهر الآية يقتضي مقاتلة المنافقين ، وهم غير مظهرين للكفر ، ونحن مأمورون بالظاهر ، فلذا فسر الآية السلف بما يدفع ذلك ، بناء على أن الجهاد بذل الجهد في دفع ما لا يرضى ، سواء كان بالقتال أو بغيره ، وهو إن كان حقيقة فظاهر ، وإلا [ ص: 3203 ] حمل على عموم المجاز ، فجهاد الكفار بالسيف ، وجهاد المنافقين بإلزامهم الحجج ، وإزالة الشبه ونحوه ، أو بإقامة الحدود عليهم ، إذا صدر منهم موجبها ، كما روي عن الحسن في الآية .

وقيل عليه بأن إقامتها واجبة على غيرهم أيضا ، وأجيب بأنها في زمنه صلى الله عليه وسلم أكثر ما صدرت عنهم . انتهى .

قال ابن العربي : هذه دعوى لا برهان عليها ، وليس العاصي بمنافق ، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا ، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا ، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين .

وقال ابن كثير : روي عن علي رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف ، سيف للمشركين : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين وسيف للكفار أهل الكتاب : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية ، وسيف للمنافقين : جاهد الكفار والمنافقين وسيف للبغاة : فقاتلوا التي تبغي الآية ، وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق ، وهو اختيار ابن جرير . انتهى .

وفي ( " الإكليل " ) استدل بالآية من قال بقتل المنافقين . انتهى .

واغلظ عليهم أي : اشدد على كلا الفريقين بالقول والفعل ومأواهم جهنم وبئس المصير
[ ص: 3204 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 74 ] يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير .

يحلفون بالله ما قالوا أي : فيك شيئا يسوءك ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم قال قتادة : نزلت في عبد الله بن أبي ، وذلك أنه اقتتل رجلان : جهني وأنصاري ، فعلا الجهني على الأنصاري ، فقال عبد الله للأنصار : ألا تنصرون أخاكم ! والله ، ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : ( سمن كلبك يأكلك ) . وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليه فسأله ، فجعل يحلف بالله ما قاله ، فأنزل الله فيه هذه الآية .

وروى الأموي في " مغازيه " عن ابن إسحاق أن الجلاس بن سويد بن الصامت ـ وكان ممن تخلف من المنافقين - لما سمع ما ينزل فيهم قال : والله لئن كان هذا الرجل صادقا فيما يقول ، لنحن شر من الحمير ، فسمعها عمير بن سعد ، وكان في حجره ، فقال : والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي بلاء ، وأعزهم علي أن يصله شيئا تكرهه ، ولقد قلت مقالة ، فإن ذكرتها لتفضحني ، ولئن كتمتها لتهلكني ، ولإحداهما أهون علي من الأخرى .

فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر له ما قال الجلاس ، فلما بلغ ذلك الجلاس ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلف بالله ما قالها ، فأنزل الله عز وجل فيه : يحلفون بالله الآية ، فوقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ، فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ونزع فأحسن النزوع
.

[ ص: 3205 ] وهاتان الروايتان وغيرهما مما روي هنا ، كله مما يفيد تنوع مقالات وكلمات مكفرة لهم مما هو من هذا القبيل ، وإن لم يمكنا تعيين شيء منها في هذه الآية .

وقوله تعالى : وهموا بما لم ينالوا قال ابن كثير : قيل أنزلت في الجلاس بن سويد ، وذلك أنه هم بقتل عمير ابن امرأته ، لما رفع كلمته المتقدمة إلى النبي صلوات الله عليه .

وقد ورد أن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في غزوة تبوك ، في بعض تلك الليالي ، في حال السير ، وكانوا بضعة عشر رجلا .

قال الضحاك : ففيهم نزلت هذه الآية .

قال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ، أمر مناديا فنادى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ العقبة ، فلا يأخذها أحد .

فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ، ويسوق به عمار ، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل ، غشوا عمارا ، وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عمار رضي الله عنه يضرب وجوه الرواحل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة : « قد ، قد » ، حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فلما هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل ، ورجع عمار ! فقال : يا عمار ! هل عرفت القوم ؟ فقال : قد عرفت عامة الرواحل ، والقوم متلثمون .

قال : هل تدري ما أرادوا ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوه . فقل : فسار عمار رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « نشدتك بالله ، كم تعلم كان أصحاب العقبة » ؟ قال : أربعة عشر رجلا . فقل : « إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر » .

قال فعدد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة ، قالوا : والله ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما علمنا ما أراد القوم .

فقال عمار : أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .


وما نقموا أي : ما أنكروا وما عابوا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإنهم كانوا قبل مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة في ظنك من العيش ، فأثروا بالغنائم ، وقتل للجلاس [ ص: 3206 ] مولى ، فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بديته فاستغنى .

والمعنى أن المنافقين عملوا بضد الواجب ، فجعلوا موضع شكر النبي صلى الله عليه وسلم ما هموا به ، ولا ذنب إلا تفضله عليهم ، فهو على حد قولهم : ما لي عندك ذنب إلا أني أحسنت إليك ، وقول ابن قيس الرقيات :


ما نقم الناس من أمية إلا أنهم يحملون إن غضبوا


وقول النابغة :


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب


ويقال : نقم من فلان الإحسان ، ( كعلم ) إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة كما في ( " التاج " ) .

ثم دعاهم تعالى إلى التوبة بقوله : فإن يتوبوا أي : من الكفر والنفاق يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا أي : بالقتل والهم والغم والآخرة أي : بالنار وغيرها وما لهم في الأرض من ولي أي : يشفع لهم في دفع العذاب .

ولا نصير أي : فيدفعه بقوته .

[ ص: 3207 ] ثم يبين تعالى بعض من نقم لإغناء الله تعالى إياه بما آتاه من فضله ، ممن نكث في يمينه ، وتولى عن التوبة ، بقوله سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 75 ] ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين .

ومنهم من عاهد الله أي : حلف لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين أي : بإعطاء كل ذي حق حقه .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 76 ] فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون .

فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا أي : من العهد : وهم معرضون
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 77 ] فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون .

فأعقبهم أي : فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك ، أو فأورثهم البخل نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه أي : من التصدق والصلاح وبما كانوا يكذبون في العهد .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 78 ] ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب .

ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم أي : ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وأن الله علام الغيوب أي : ما غاب عن العباد .

[ ص: 3208 ] تنبيهات :

الأول : قال السيوطي في ( " لباب النقول " ) : أخرج الطبراني وابن مردويه وابن أبي حاتم والبيهقي في ( " الدلائل " ) بسند ضعيف عن أبي أمامة ، أن ثعلبة بن حاطب قال : يا رسول الله ! ادع الله أن يرزقني مالا . قال : « ويحك يا ثعلبة ! قليل تؤدي شكره ، خير من كثير لا تطيقه » . قال : والله لئن آتاني الله مالا لأوتين كل ذي حق حقه . فدعا له ، فاتخذ غنما ، فنمت حتى ضاقت عليه أزقة المدينة ، فتنحى بها ، وكان يشهد الصلاة ثم يخرج إليها ، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة فتنحى بها ، وكان يشهد الصلاة ثم يخرج إليها ، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة ، فتنحى بها ، فكان يشهد الجمعة ثم يخرج إليها ، ثم نمت ، فتنحى بها ، فترك الجمعة والجماعات ، ثم أنزل الله على رسوله : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها فاستعمل على الصدقات رجلين ، وكتب لهما كتابا ، فأتيا ثعلبة ، فأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : انطلقا إلى الناس ، فإذا فرغتم فمروا بي ففعلا ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية ، فانطلقا ، فأنزل الله : ومنهم من عاهد الله إلى قوله : يكذبون الحديث .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه ، وفيه أنه جاء بعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته له : « إن الله منعني أن أقبل منك » ، فجعل التراب على رأسه . فقال : « هذا عملك ، قد أمرتك فلم تطعني » ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها ، وكذا عمر وعثمان ، ثم إنه هلك في أيام عثمان .

قال الشهاب : مجيء ثعلبة وحثوه التراب ، ليس للتوبة من نفاقه ، بل للعار من عدم قبول زكاته مع المسلمين ، وقوله صلوات الله عليه : « هذا عملك » ، أي : جزاء عملك ، وهو عدم إعطائه المصدقين ، مع مقالته الشنعاء .

[ ص: 3209 ] قال الحاكم : إن قيل : كيف لم تقبل صدقته وهو مكلف بالتصدق ؟ أجيب : بأنه يحتمل أن الله تعالى أمر بذلك ، كيلا يجترئ الناس على نقض العهد ، ومخالفة أمر الله تعالى ، ورد سعاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون لطفا في ترك البخل والنفاق .

الثاني : قال بعض المفسرين من الزيدية : ثمرة الآية وسبب نزولها أحكام :

منها : أن الوفاء بالوعد واجب ، إذا تعلق العهد بواجب ، والعهد إن حمل على اليمين بالله ، فذلك ظاهر ، وإن حمل على النذر ، ففي ذلك تأكيد لما أوجب الله .

ومنها : أن للإمام أن يفعل مثل ذلك لمصلحة ، أي : يمتنع من أخذ الواجب إذا حصل له وجه شابه الوجه الذي حصل في قصة ثعلبة . انتهى .

الثالث : قال السيوطي في ( " الإكليل " ) : فيها أن إخلاف الوعد والكذب من خصال النفاق ، فيكون الوفاء والصدق من شعب الإيمان .

وفيها المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه لقوله : فأعقبهم نفاقا واستدل به قوم على أن من حلف إن فعل كذا فلله علي كذا ، أنه يلزمه .

وآخرون على أن مانع الزكاة يعاقب بترك أخذها منه ، كما فعل بمن نزلت الآية فيه . انتهى .

الرابع : قال الرازي : ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد ، وخلف الوعد ، يورث النفاق ، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه ، فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به .

ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة ، وتمسك فيه بهذه الآية ، وبقوله عليه السلام : « ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » .

[ ص: 3210 ] الخامس : دل قوله تعالى : إلى يوم يلقونه على أن ذلك المعاهد مات منافقا .

قال الرازي : وهذا الخبر وقع مخبره مطابقا له ، فإنه روي أن ثعلبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فقال : « إن الله تعالى منعني أن أقبل صدقتك » . وبقي على تلك الحالة ، وما قبل أحد من الخلفاء رضي الله عنهم صدقته حتى مات ، فكان إخبارا عن غيب ، فكان معجزا .

السادس : الضمير في ( يلقونه ) للفظ الجلالة ، والمراد ب ( اليوم ) يوم القيامة ، وله نظائر كثيرة في التنزيل .

وأعرب بعض المفسرين حيث قال : الضمير في ( يلقونه ) إما لله ، والمراد باليوم وقت الموت ، أو للبخل والمراد يوم القيامة والمضاف محذوف ، وهو الجزاء . انتهى .

واللقاء إذا أضيف إلى الكفار كان لقاء مناسبا لحالهم من وقوفهم للحساب مع حجبهم عنه تعالى ، لأنهم ليسوا أهلا لرؤيته ، تقدس اسمه .

وإذا أضيف إلى المؤمنين ، كما في قوله تعالى : تحيتهم يوم يلقونه سلام كان لقيا مناسبا لمقامهم من رؤيته تعالى ، وذلك لما أفصحت عنه آيات أخر من حال الفريقين ، مما يتنزل مثل ذلك عليها .

فمن وقف في بعض الآيات على لفظة ، وأخذ يستنبط منها ، ولم يراع من استعملت فيه ، وأطلقت عليه ، كان ذلك جمودا وتعصبا ، لا أخذا بيد الحق .

نقول ذلك ردا لقول الجبائي : إن اللقاء في هذه الآية لا يفيد رؤيته تعالى ، للإجماع على أن الكفار لا يرونه تعالى ، فلا يفيدها أيضا في قوله تعالى : تحيتهم يوم يلقونه سلام

وللرازي معه مناقشة من طريق أخرى . وما ذكرناه أمتن . والله أعلم .

السابع : قال الرازي : ( السر ) ما ينطوي عليه صدورهم ، و ( النجوى ) ما يفاوض فيه بعضهم بعضا فيما بينهم ، وهو مأخوذ من النجو ، وهو الكلام الخفي ، كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما ، وتباعدا من غيرهما .

ثم بين تعالى من مساوئ المنافقين نوعا آخر ، وهو لمزهم المتصدقين بقوله سبحانه :
[ ص: 3211 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 79 ] الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم .

الذين يلمزون أي : يعيبون المطوعين أي : المتبرعين من المؤمنين في الصدقات فيزعمون أنهم تصدقوا رياء والذين أي : ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم أي : لا يجدون ما يتصدقون به إلا قليلا ، وهو مقدار طاقتهم .

فيسخرون منهم أي : يهزؤون بهم ، ويقولون إن الله غني عن صدقتهم ، سخر الله منهم أي : جازاهم على سخرهم ولهم عذاب أليم

روى البخاري في " صحيحه " عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : لما نزلت آية الصدقة ، كنا نحامل فجاء رجل فتصدق بشيء كثير ، فقالوا : مرائي . وجاء رجل فتصدق بصاع ، فقالوا : إن الله لغني عن صدقة هذا ، فنزلت : الذين يلمزون الآية ، رواه مسلم أيضا .

وروى الإمام أحمد عن أبي السليل ، عن رجل حدثه عن أبيه أو عمه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة » ؟ فجاء رجل لم أر رجلا أشد منه سوادا ، ولا أصغر منه ولا آدم ، بناقة لم أر أحسن منها ، فقال : يا رسول الله ، دونك هذه الناقة . قال : فلمزه رجل فقال : هذا يتصدق بهذه ، فوالله لهي خير منه ، فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « كذبت ! بل هو خير منك ومنها ثلاث مرات » ، ثم قال : « ويل لأصحابك إلا من قال بالمال هكذا وهكذا » ، وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله .

[ ص: 3212 ] قال ابن إسحاق : كان المطوعون من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف ، وعاصم بن عدي أخا بني عجلان ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الصدقة ، وحض عليها ، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف ، وقام عاصم بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر ، فلمزوها وقالوا : ما هذا إلا رياء .

وكان الذي تصدق بجهده أبا عقيل ، أخا بني أنيف ، أتى بصاع من تمر ، فأفرغها في الصدقة فتضاحكوا به ، وقالوا : إن الله لغني عن صاع أبي عقيل .

وروى الحافظ البزار في مسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا » ، فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال : يا رسول الله ! عندي أربعة آلاف ، ألفين أقرضهما لربي ، وألفين لعيالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بارك الله لك فيما أعطيت ، وبارك لك فيما أمسكت » .

وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر ، فقال : يا رسول الله ! أصبت صاعين من تمر ، صاع أقرضه لربي ، وصاع لعيالي . قال ، فلمزه المنافقون وقالوا : ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء ، وقالوا ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا ؟ فأنزل الله الآية .


وقوله صلى الله عليه وسلم « أريد أن أبعث بعثا » أي : لغزو الروم ، وذلك في غزوة تبوك .

تنبيهات :

الأول : قال السيوطي في ( " الإكليل " ) : في هذه الآية تحريم اللمز والسخرية بالمؤمنين . انتهى .

الثاني : في : الذين يلمزون وجوه الإعراب : خبر مبتدأ بتقدير : ( هم الذين ) أو مفعول أعني أو أذم الذين ، أو مجرور بدل من ضمير : ( سرهم ) ، وجوز أيضا أن يكون [ ص: 3213 ] مبتدأ خبره : سخر الله منهم وقيل : فيسخرون ودخلت ( الفاء ) لما في ( الذين ) من الشبه بالشرط . وأما : ( الذين لا يجدون ) إلخ فقيل : معطوف على : الذين يلمزون وقيل : على : ( المؤمنين ) ، والأحسن أنه معطوف على المطوعين

قال في ( " الفتح " ) : ويكون من عطف الخاص على العام ، والنكتة فيه التنويه بالخاص ، لأن السخرية من المقل أشد من المكثر غالبا .

الثالث : قال في ( " الفتح " ) : قراءة الجمهور : المطوعين بتشديد الطاء والواو . وأصله المتطوعين ، أدغمت التاء في الطاء . انتهى .

أي : لقرب المخرج ، والتطوع التنفل ، وهو الطاعة لله تعالى بما ليس بواجب .

و ( الجهد ) ، قال الليث : هو شيء قليل يعيش به المقل ، وبضم الجيم قرأ الجمهور . وقرأ ابن هرمز وجماعة بالفتح ، فقيل : هما لغتان بمعنى واحد .

وقيل : المفتوح بمعنى المشقة ، والمضموم بمعنى الطاقة ، وقيل : المضموم قليل يعاش به ، والمفتوح : العمل .

والمختار أنهما بمعنى ، وهو الطاقة وما تبلغه القوة . قال الفراء : الضم لغة أهل الحجاز ، والفتح لغيرهم . والهزء والسخرية بمعنى .

وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 80 ] استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين .

استغفر لهم أي : لهؤلاء المنافقين أو لا تستغفر لهم أي : فإنهما في حقهما سواء .

ثم بين استحالة المغفرة لهم وإن بولغ في الاستغفار بقوله تعالى : إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك أي : عدم الغفران لهم بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين أي : الخارجين عن حدوده .

[ ص: 3214 ] تنبيهات :

الأول : جملة قوله تعالى : استغفر لهم إلخ ، إنشائية لفظا ، خبرية معنى .

والمراد التسوية بين الاستغفار لهم ، وتركه في استحالة المغفرة .

وتصويره بصورة الأمر ، للمبالغة في بيان استوائهما ، كأنه عليه الصلاة والسلام أمر بامتحان الحال ، بأن يستغفر تارة ، ويترك أخرى ، ليظهر له جلية الأمر ، كما مر في قوله تعالى :

قل أنفقوا طوعا أو كرها وقد وردت بصيغة الخبر في سورة المنافقون في قوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين

الثاني : قال الزمخشري : ( السبعون ) جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير . قال علي بن أبي طالب عليه السلام :


لأصبحن العاص وابن العاصي سبعين ألفا عاقدي النواصي


أي : فذكرها للمبالغة في حسم مادة الاستغفار لهم ، جريا على أساليب العرب في ذكرها للمبالغة لا للتحديد ، بأن يكون ما زاد عليها بخلافها .

وقال أبو السعود : شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في مطلق التكثير ، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد ، فكأنها العدد بأسره .

وقيل : هي أكمل الأعداد ، لجمعها معانيها ، ولأن الستة أول عدد تام ، لتعادل أجزائها الصحيحة ، إذ نصفها ثلاثة ، وثلثها [ ص: 3215 ] اثنان ، وسدسها واحد ، وجملتها سبعة ، وهي مع الواحد سبعة ، فكانت كاملة ، إذ لا مرتبة بعد التمام إلا الكمال ، ثم السبعون غاية الكمال ، إذ الآحاد غايتها العشرات ، والسبعمائة غاية الغايات - انتهى .

الثالث : روى البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لما أراد أن يصده عن الصلاة على عبد الله بن أبي : إنما خيرني الله فقال : استغفر لهم الآية ، وسأزيده على السبعين .

فظاهر هذا أن ( أو ) للتخيير ، وأن السبعين له حد يخالفه حكم ما وراءه ، وهو من الإشكال بمكان .

ولذا قال الزمخشري : فإن قلت : كيف خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته ؟ والذي يفهم من هذا العدد كثرة الاستغفار ، كيف وقد تلاه بقوله :ذلك بأنهم كفروا الآية ، فبين الصارف عن المغفرة لهم ، حتى قال : قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين .

ثم أجاب الزمخشري بقوله : قلت لم يخف عليه ذلك ، ولكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه ، كقول إبراهيم عليه السلام : ومن عصاني فإنك غفور رحيم

وفي إظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة والرحمة لطف لأمته ، ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض . انتهى .

قال الشراح : يعني أنه أوقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص دون التكثير ، فجوز الإجابة بالزيادة قصدا إلى إظهار الرأفة والرحمة ، كما جعل إبراهيم صلى الله عليه وسلم جزاء من عصاني أي : لم يمتثل أمر ترك عبادة الأصنام .

قوله : فإنك غفور رحيم دون أن يقول : شديد العقاب ، فخيل أنه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم ، وحثا على الاتباع .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.92 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]