عرض مشاركة واحدة
  #375  
قديم 10-02-2023, 04:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,414
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
المجلد الثامن
صـ 3021 الى صـ 3035
الحلقة (375)


أن يتقي [ ص: 3021 ] نقض العهد ، حتى يسكن الناس إلى قوله ، ويثقون بكلامه ، فبين الله عز وجل أن من جمع بين الكفر ونقض العهد ، فهو شر من الدواب .

ثم شرع تعالى في بيان أحكام الناقضين ، بعد تفصيل أحوالهم ، بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 57 ] فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون .

فإما تثقفنهم في الحرب أي : فإما تصادفنهم وتظفرن بهم فشرد بهم من خلفهم أي : فرق بهم من وراءهم من المحاربين ، يعني : بأن تفعل بهم من النكال وتغليظ العقوبة ، ما يشرد غيرهم خوفا ، فيصيروا لهم عبرة ، كما قال : لعلهم يذكرون أي : لعل المشردين يتعظون بما شاهدوا ما نزل بالناقضين ، فيرتدعوا عن النقض أو عن الكفر .

قال في ( " التاج " ) : وقيل : معنى : فشرد بهم فسمع بهم وقيل : فزع بهم ، ولا يخفى أن هذه المعاني متقاربة .

وأصل التشريد الطرد والتفريق ، ويقال : شرد به تشريدا ، سمع الناس بعيوبه . قال :


أطوف بالأباطح كل يوم مخافة أن يشرد بي حكيم


معناه أن يسمع بي ، و ( حكيم ) رجل من بي سليم كانت قريش ولته الأخذ على أيدي السفهاء .

استشهد به في اللسان في مادة : ( ش ر د ) .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 58 ] وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين .

وإما تخافن من قوم خيانة بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد ، إثر بيان [ ص: 3022 ] الناقضين له بالفعل . و ( الخوف ) مستعار للعلم ، أي : وإما تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد فيما سيأتي ، بما لاح لك منهم من دلائل الغدر ، ومخايل الشر .

فانبذ إليهم أي : فاطرح إليهم عهدهم على سواء أي : على طريق مستو ، قصد بأن تظهر لهم النقض ، وتخبرهم إخبارا مكشوفا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة ، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد ، كي لا يكون من قبلك شائبة خيانة أصلا ، وإن كانت في مقابلة خيانتهم .

وقوله : إن الله لا يحب الخائنين تعليل للأمر بالنبذ ، إما باعتبار استلزامه النهي عن مناجزة القتال ، لكونها خيانة ، فيكون تحذيرا له صلى الله عليه وسلم منها ، وإما باعتبار استتباعه للقتال ، فيكون حثا له صلى الله عليه وسلم على النبذ أولا ، وعلى قتالهم ثانيا ، كأنه قيل : وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم ، ثم قاتلهم ، إن الله لا يحب الخائنين ، وهم من جملتهم ، ولما علمت من حالهم . أفاده أبو السعود .

تنبيه :

دلت الآية على جواز معاهدة الكفار لمصلحة ، ووجوب الوفاء بالعهد إذا لم يظهر منهم أمارة الخيانة ، وتدل على إباحة نبذ العهد لمن توقع منهم غائلة مكر ، وأن يعلمهم بذلك ، لئلا يعيبوا علينا بنصب الحرب مع العهد .

روى أصحاب السنن أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد ، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب ، حتى إذا انقضى العهد غزاهم ، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول : الله أكبر ! [ ص: 3023 ] الله أكبر ! وفاء لا غدر ، فإذا هو عمرو بن عبسة فأرسل إليه معاوية فسأله ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من كان بينه وبين قوم عهد ، فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء » فرجع معاوية . وروى الإمام أحمد عن سلمان الفارسي أنه انتهى إلى حصن أو مدينة ، فقال لأصحابه : دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم ، فقال :

إنما كنت رجلا منكم فهداني الله عز وجل للإسلام ، فإن أسلمتم فلكم ما لنا ، وعليكم ما علينا ، وإن أنتم أبيتم ، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون ، فإن أبيتم نابذناكم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين .

يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها .

هذا ، وما ذكر من وجب إعلامهم ، وإنما هو عند خوف الخيانة منهم وتوقعها ، كما هو منطوق الآية .

وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد ، بل يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة ، وهو في ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يرعهم إلا وجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران ، وذلك على أربعة فراسخ من مكة .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 59 ] ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون .

ولا يحسبن قرئ بالياء والتاء الذين كفروا سبقوا أي : فاتوا وأفلتوا [ ص: 3024 ] من أن يظفر بهم إنهم لا يعجزون أي : لا يفوتون الله من الانتقام ، إما في الدنيا بالقتل ، وإما في الآخرة بعذاب النار .

وقرئ بفتح ( أن ) على تقدير لام التعليل ، وهذا كقوله تعالى : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون وقوله تعالى : لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير وقوله تعالى : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد

وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 60 ] وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون .

وأعدوا لهم أي : لقتال ناقضي العهد السابق ذكرهم ، أو الكفار مطلقا ، وهو الأنسب بسياق النظم الكريم ما استطعتم من قوة أي : من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها ، أطلق عليه القوة مبالغة .

قال الشهاب : وإنما ذكر لأنه لم يكن لهم في ( بدر ) استعداد تام ، فنبهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان .

ومن رباط الخيل ( الرباط ) في الأصل مصدر ربط ، أي : شد ، ويطلق بمعنى المربوط مطلقا ، كثر استعماله في الخيل التي تربط في سبيل الله ، فالإضافة إما باعتبار عموم المفهوم الأصلي ، أو بملاحظة كون الرباط مشتركا بين معان أخر ، كانتظار الصلاة وملازمة [ ص: 3025 ] ثغر العدو ، والمواظبة على الأمر ، فإضافته لأحد معانيه للبيان ، كعين الشمس ، ومنه يعلم أنه يجوز إضافة الشيء لنفسه إذا كان مشتركا .

وإذا كان من إضافة المطلق للمقيد ، فهو على معنى ( من ) التبعيضية .

وقد يكون ( الرباط ) جمع ربيط ، كفصيل وفصال .

قال في ( " التاج " ) : يقال : نعم الربيط هذا ، لما يرتبط من الخيل ، ثم إن عطفها على ( القوة ) مع كونها من جملتها للإيذان بفضلها على بقية أفرادها ، كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة ترهبون به أي : تخوفون بذلك الإعداد عدو الله وهو المثبت له شريكا ، المبطل لكلمته وعدوكم أي : الذي يظهر عداوتك ، فتخوفونهم لئلا يحاربوكم باعتقاد القوة في أنفسهم دونكم .

تنبيه :

دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، اتقاء بأس العدو وهجومه .

ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية ، أيام حضارة الإسلام ، كان الإسلام عزيزا عظيما ، أبي الضيم ، قوي القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذا نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار ، وخضد شوكة المستبدين الكافرين ، وزحزح سجوف الظلم والاستعباد ، وعاش بنوه أحقابا متتالية وهم سادة الأمم ، وقادة مشعوب ، وزمام الحول والطول وقطب روحي العز والمجد ، لا يستكينون لقوة ، ولا يرهبون لسطوة .

وأما اليوم ، فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى النعيم والترف فأهملوا فرضا من فروض الكفاية ، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض ولذا تعاني اليوم من غصته ما تعاني ، وكيف لا يطمع العدو بالممالك الإسلامية ، ولا ترى فيها معامل للأسلحة ، وذخائر الحرب ، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو ؟

أما آن لها أن تتنبه من غفلتها ، وتنشئ معامل لصنع المدافع والبنادق والقذائف والذخائر الحربية ؟ فلقد ألقى عليها تنقص العدو بلادها من أطرافها درسا يجب أن تتدبره ، وتتلافى ما فرطت به قبل أن يداهم ما بقي منها بخيله ورجله ، [ ص: 3026 ] فيقضي - والعياذ بالله - على الإسلام وممالك المسلمين ، لاستعمار الأمصار ، واستعباد الأحرار ، ونزع الاستقلال المؤذن بالدمار . وبالله الهداية .

وقوله تعالى : وآخرين أي : وترعبون قوما آخرين من دونهم أي : من دون من يظهر عداوتكم ، وهم المنافقون لا تعلمونهم أي : أنهم يعادونكم الله يعلمهم أي : أنهم أعداؤكم ، يظهرون عداوتهم إذا رأوا ضعفكم .

ثم شجعهم سبحانه على إنفاق المال في إعداد القوة ، ورباط الخيل ، مبشرا لهم بتوفية جزائه كاملا ، بقوله تعالى : وما تنفقوا من شيء في سبيل الله أي : الذي أوضحه الجهاد : يوف إليكم أي : في الدنيا من الفيء والغنيمة والجزية والخراج ، وفي الآخرة بالثواب المقيم : وأنتم لا تظلمون أي : بترك الإثابة .

تنبيهات :

الأول : هذه الآية أصل في كل ما يلزم إعداده للجهاد من الأدوات .

الثاني : في قوله تعالى : ترهبون به إشارة إلى التجافي عن أن يكون الإعداد لغير الإرهاب كالخيلاء .

وفي حديث الإمام مالك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : « الخيل ثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ولرجل وزر ، فأما الذي له أجر ، فرجل ربطها في سبيل الله ، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ، فهي له ستر ، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام ، فهي على ذلك وزر » .

الثالث : ما ذكرناه في تأويل ( الآخرين ) من أنهم المنافقون ، يشهد له قوله تعالى:

وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم

ثم بين تعالى جواز مصالحة الكفار بقوله :
[ ص: 3027 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 61 ] وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم .

وإن جنحوا أي : مالوا وانقادوا للسلم بكسر السين وفتحها ، لغتان ، وقد قرئ بهما ، أي : الصلح والاستسلام بوقوع الرهبة في قلوبهم ، بمشاهدة ما بكم من الاستعداد ، وإعتاد العتاد فاجنح لها أي : فمل إلى موافقتهم وصالحهم وعاهدهم ، وإن قدرت على محاربتهم ، لأن الموافقة أدعى لهم إلى الإيمان .

ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين ، أجابهم إلى ذلك ، مع ما اشترطوا من الشروط الأخر . و ( السلم ) يذكر ويؤنث ، كما في _" القاموس "_ .

قال الزمخشري : ( السلم ) تؤنث تأنيث نقيضها ، وهي الحرب .

قال العباس بن مرداس :


السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب يكفيك من أنفاسها جرع


وتوكل على الله أي : لا تخف في الصلح مكرهم ، فإنه يعصمك من مكرهم ، إنه هو السميع لأقوالهم العليم أي : بأحوالهم ، فيؤاخذهم بما يستحقون ويرد كيدهم في نحرهم .
لقول في تأويل قوله تعالى :

[ 62 ] وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين .

وإن يريدوا أن يخدعوك أي : بالصلح لتكف عنهم ظاهرا ، وفي نيتهم الغدر : فإن حسبك الله أي : كافيك بنصره ومعونته .

قال مجاهد : يريد قريظة .

ثم علل كفايته له ، بما أنعم عليه من تأييده صلى الله عليه وسلم بنصره وبالمؤمنين ، فقال تعالى : هو الذي أيدك بنصره أي : يوم بدر بعد الضعف ، من غير إعداد قوة ولا رباط : وبالمؤمنين
[ ص: 3028 ] القول في تأويل قوله تعالى :

[ 63 ] وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم .

وألف بين قلوبهم أي : جمع بين قلوبهم وكلمتهم ، بالهدى الذي بعثك الله به إليهم ، بعد ما كان فيها العصبية والضغينة لو أنفقت ما في الأرض جميعا أي : من الذهب والفضة ما ألفت بين قلوبهم إذ لا يدخل ذلك تحت قدرة البشر ، لكونه من عالم الغيب ولكن الله ألف بينهم أي : بين قلوبهم بدينه الذي جمعهم إليه ، إنه عزيز أي : غالب في ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن حكيم أي : فاقتضت حكمته ذلك ، لما فيه من تأييد دينه ، وإعلاء كلمته .

قال الزمخشري ـ رحمه الله تعالى ـ : التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الآيات الباهرة ، لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة في أدنى شيء ، وإلقائه بين أعينهم ، وإلى أن ينتقموا ، لا يكاد يأتلف منهم قلبان ، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واتحدوا وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة ، وذلك لما نظم الله من ألفتهم ، وجمع من كلمتهم ، وأحدث بينهم من التحاب والتواد ، وأماط عنهم من التباغض والتماقت ، وكلفهم من الحب في الله والبغض في الله ، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب ، فهو يقلبها كما شاء ، ويصنع فيها ما أراد .

وقيل : هم الأوس والخزرج ، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم ، ودق جماجمهم ، ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى ، وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن ، ويديم التحاسد والتنافس .

وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها ، وتكرهه وتنفر عنه ، فأنساهم الله تعالى ذلك كله ، حتى اتفقوا على الطاعة ، وتصافوا وصاروا أنصارا وعادوا أعوانا

وما ذاك إلا بلطيف صنعه ، وبليغ قدرته . انتهى .

[ ص: 3029 ] وإنما ضعف القول الثاني لأنه ليس في السياق قرينة عليه . كذا في ( " العناية " ) .

أقول : لكن شهرة ما كن بين هذين البطنين من التعادي الذي تطاول أمده ، واستحال قبل البعثة نضوب مائه ، يصلح أن يكون قرينة . ونقل علماء السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما لقي في الموسم الرهط من الخزرج ، ودعاهم إلى الله تعالى . فأجابوه وصدقوه ، قالوا له : إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى أن يجمعهم الله بك ، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، نعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك . رواه ابن إسحاق وغيره .

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم ( حنين ) ، قال لهم : « يا معشر الأنصار ! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي » ؟ كلما قال شيئا قال : « الله ورسوله أمن » .

لطيفة :

روى الحاكم أن ابن عباس كان يقول : إن الرحم لتقطع ، وإن النعمة لتكفر ، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء . ثم يقرأ : لو أنفقت ما في الأرض الآية .

وعند البيهقي نحوه . وقال موجود في الشعر :


إذا بت ذو قربى إليك بزلة فغشك واستغنى فليس بذي رحم

ولكن ذا القربى الذي إن دعوته
أجاب ، وأن يرمي العدو الذي ترمي


[ ص: 3030 ] قال : ومن ذلك قول القائل :


ولقد صحبت الناس ثم سبرتهم وبلوت ما وصلوا من الأسباب


فإذا القرابة لا تقرب قاطعا وإذا المودة أقرب الأسباب


قال البيهقي : لا أدري هذا موصولا بكلام ابن عباس ، أو هو قول من دونه من الرواة .

قال الرازي : احتج أصحابنا بهذه الآية ، على أن أحوال القلوب من العقائد والإرادات ، كلها من خلق الله تعالى ، وذلك لأن الألفة والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بسبب الإيمان ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم . انتهى .

ولما بين تعالى كفايته لنبيه صلى الله عليه وسلم عند مخادعة الأعداء ، في الآية المتقدمة ، أعلمه بكفايته له في جميع أموره مطلقا ، فقال تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 64 ] يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين .

يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين قال العلامة ابن القيم في مقدمة ( " زاد المعاد " ) في تفسير هذه الآية : أي الله وحده كافيك ، وكافي أتباعك ، فلا يحتاجون معه إلى أحد .

ثم قال : وهاهنا تقديران :

أحدهما : أن تكون الواو عاطفة لـ ( من ) على الكاف المجرورة ، ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار ، على المذهب المختار ، وشواهده كثيرة وشبه المنع منه واهية .

والثاني : أن تكون الواو واو ( مع ) ، وتكون ( من ) في محل نصب عطفا على الموضع فإن ( حسبك ) في معنى كافيك ، أي : الله يكفيك ، ويكفي من اتبعك ، كما يقول العرب : حسبك وزيدا درهم ، قال الشاعر :


إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند


وهذا أصح التقديرين . وفيها تقدير ثالث ، أن تكون ( من ) في موضع رفع بالابتداء ، [ ص: 3031 ] أي : ومن اتبعك من المؤمنين ، فحسبهم الله .

وفيها تقدير رابع ، وهو خطأ من جهة المعنى ، وهو أن يكون ( من ) في موضع رفع عطفا على اسم الله ، ويكون المعنى : حسبك الله وأتباعك .

وهذا ، وإن قال به بعض الناس ، فهو خطأ محض ، لا يجوز حمل الآية عليه ، فإن الحسب والكفاية لله وحده ، كالتوكل والتقوى والعبادة .

قال الله تعالى : وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ففرق بين الحسب والتأييد ، فجعل الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده ، وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده ، حيث أفردوه بالحسب ، فقال تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل

ولم يقولوا : حسبنا الله ورسوله ، فإذا كان هذا قولهم ، ومدح الرب تعالى لهم بذلك ، فكيف يقول لرسوله : الله وأتباعك حسبك ؟ وأتباعه ، قد أفردوا الرب تعالى بالحسب ، ولم يشركوا بينه وبين رسوله ؟ هذا من أمحل المحال ، وأبطل الباطل . ونظير هذه قوله : ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله ، كما قال تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وجعل الحسب له وحده ، فلم يقل : وقالوا حسبنا الله ورسوله ، بل جعله خالص حقه ، كما قال : إنا إلى الله راغبون ولم يقل وإلى رسوله ، بل جعل الرغبة إليه وحده . كما قال تعالى : فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده ، كما أن العبادة والتقوى والسجود لله وحده ، والنذر والحلف لا يكون إلا له سبحانه وتعالى ونظير هذا قوله تعالى : أليس الله بكاف عبده [ ص: 3032 ] ف ( الحسب ) هو ( الكافي ) ، فأخبر سبحانه وتعالى أنه وحده كاف عبده ، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية ؟ والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد ، أكثر من أن نذكرها هنا . انتهى .

قال الخفاجي في ( " العناية " ) : وتضعيفه الرفع لا وجه له ، فإن الفراء والكسائي رجحاه ، وما قبله وما بعده يؤيده . انتهى .

وأقول : هذا من الخفاجي من الولع بالمناقشة ، كما هو دأبه ، ولو أمعن النظر فيما برهن عليه ابن القيم وأيده بما لا يبقى معه وفقة لما ضعفه ، والفراء والكسائي من علماء العربية ، ولأئمة التأويل فقه آخر ، فتبصر ولا تكن أسير التقليد .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 65 ] يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون .

يا أيها النبي حرض المؤمنين أي : حثهم : على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 66 ] الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين .

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين

[ ص: 3033 ] في الآية مسائل :

الأولى : مشروعية الحض على القتال ، والمبالغة في الحث عليه ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه عند صفهم ، ومواجهة العدو ، كما قال لهم يوم بدر ، حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم : « قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض » ، فقال عمير بن الحمام : عرضها السموات والأرض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نعم » ! فقال : بخ بخ ، فقال : « ما يحملك على قولك بخ بخ » ؟ قال : رجاء أن أكون من أهلها . قال : « فإنك من أهلها » . فتقدم الرجل ، فكسر جفن سيفه ، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن ، ثم ألقى بقيتهن من يده ، وقال : لئن أنا حييت حتى آكلهن ، إنها لحياة طويلة ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه .

الثانية : ذهب الأكثرون إلى أن قوله تعالى : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا شرط في معنى الأمر بوجوب مصابرة الواحد للعشرة أي : بألا يفر منهم .

روى البخاري عن ابن عباس قال : لما نزلت : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين كتب عليهم ألا يفر واحد من عشرة ، ولا عشرون من مائتين ، ثم نزلت : الآن خفف الله عنكم الآية ، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين .

وفي رواية أخرى عنه قال : لما نزلت : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين شق ذلك على المسلمين ، فنزلت : الآن خفف الله عنكم الآية ، فلما خفف الله عنهم من العدة ، نقص عنهم من الصبر ، بقدر ما خفف عنهم .

[ ص: 3034 ] قال في ( " اللباب " ) : فظاهر هذا أن قوله تعالى : الآن خفف الله عنكم ناسخ لما تقدم في الآية الأولى ، وكان هذا الأمر يوم بدر ، فرض الله سبحانه وتعالى على الرجل الواحد من المسلمين قتال عشرة من الكافرين ، فثقل ذلك على المؤمنين ، فنزلت : الآن خفف الله عنكم أيها المؤمنون وعلم أن فيكم ضعفا يعني في قتال الواحد للعشرة ، فإن تكن منكم مائة صابرة محتسبة يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله . فرد العشرة إلى الاثنين ، فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا ، فأيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ، ومن فر من اثنين فقد فر . انتهى .

قال في ( " العناية " ) : وذهب مكي إلى أنها مخففة لا ناسخة ، كتخفيف الفطر للمسافر . وثمرة الخلاف أنه لو قاتل واحد عشرة ، فقتل ، هل يأثم أو لا ؟ فعلى الأول يأثم ، وعلى الثاني لا يأثم .

وقال الرازي : أنكر أبو مسلم الأصفهاني دعوى النسخ في الآية ، وقال : الأمر الذي فهم من الآية مشروط بكون العشرين قادرين على الصبر ، أي : إن حصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين ، فليشتغلوا بمقاومتهم .

ثم دل قوله تعالى : الآن خفف الله عنكم على أن ذلك الشرط غير حاصل منهم ، فلم يكن التكليف لازما عليهم .

وبالجملة ، فالآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص ، والثانية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هؤلاء الجماعة ، فلم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا فلا نسخ ، ولا يقال إن قوله تعالى : الآن خفف الله عنكم مشعر بأن هذا التكليف كان متوجها عليهم قبله ، لأن لفظ التخفيف لا يستلزم الدلالة على حصول التثقيل قبله ، لأن عادة العرب الرخصة بمثل هذا الكلام ، كقوله تعالى في ترخيصه للحر في نكاح الأمة : يريد الله أن يخفف عنكم وليس هناك نسخ ، وإنما هو إطلاق نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر ، فكذا هاهنا .

[ ص: 3035 ] ومما يدل على عدم النسخ ذكر هذه الآية مقارنة للأولى وجعل الناسخ مقارنا للمنسوخ ، لا يجوز إلا بدليل قاهر .

قال الرازي : بعد تقرير كلام أبي مسلم : إن ثبت إجماع الأمة قبل أبي مسلم على حصول النسخ في الآية ، فلا كلام عليه ، وإلا فقول أبي مسلم صحيح حسن . انتهى .

الثالثة : في قوله تعالى : بأنهم قوم لا يفقهون إشارة إلى علة غلبة المؤمنين عشرة أمثالهم من الكفار ، فالظرف متعلق بـ : ( يغلبوا ) أي : بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى واليوم الآخر ، لا يقاتلون احتسابا وامتثالا لأمر الله تعالى ، وإعلاء لكلمته ، وابتغاء لرضوانه ، كما يفعله المؤمنون ، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية ، واتباع خطوات الشيطان ، وإثارة ثائرة البغي والعدوان ، فلا يستحقون إلا القهر والخذلان . أفاده أبو السعود .

الرابعة : قال الرازي : احتج هشام على قوله : إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها ، بقوله : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا إذ يقتضي أن علمه يضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت .

وأجاب المتكلمون بأن معناه : الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله ، وأما قبل ذلك فقد كان الحاصل العمل بأنه سيقع أو سيحدث . انتهى .

وقال الطيبي رحمه الله : معناه الآن خفف الله عنكم لما ظهر متعلق علمه تعالى ، أي : كثرتكم الموجبة لضعفكم بعد ظهور قتلكم وقوتكم .

الخامسة : في ( الضعف ) لغتان : الفتح والضم ، بهما قرئ . وهو يؤكد كونهما بمعنى فيكونان في الرأي والبدن . وقيل : ( الفتح ) في الرأي والعقل ، و ( الضم ) في البدن . وهو منقول عن الخليل وقرئ : ( ضعفاء ) بصيغة الجمع .

السادسة : إن قيل : إن كفاية عشرين لمائتين تغني عن كفاية مائة لألف وكفاية مائة لمائتين تغني عن كفاية ألف لألفين ، لما تقرر من وجوب ثبات الواحد للعشرة في الأولى ، وثبات الواحد للاثنين في الثانية ، فما سر هذا التكرير ؟




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.93 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.27%)]