ثم قال ابن تيمية رحمه الله:
وبهذا يحصل الجمع بين الأدلة الشرعية فان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)
واختلف الناس فيمن ترك الصلاة والصوم عامدا هل يقضيه:
فقال الأكثرون: يقضيه
وقال بعضهم: لا يقضيه ولا يصح فعله بعد وقته كالحج وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها: ( فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة0)
ودل الكتاب والسنة واتفاق السلف على الفرق:
بين من يضيع الصلاة فيصليها بعد الوقت
والفرق بين من يتركها.
ولو كانت بعد الوقت لا تصح بحال لكان الجميع سواء لكن المضيع لوقتها كان ملتزما لوجوبها وإنما ضيع بعض حقوقها وهو الوقت وأتى بالفعل.
فأما من لم يعلم وجوبها عليه جهلا وضلالا أو علم الإيجاب ولم يلتزمه فهذا إن كان كافرا فهو مرتد وفى وجوب القضاء عليه الخلاف المتقدم لكن هذا شبيه بكفر النفاق
فالكلام في هذا متصل بالكلام فيمن أقام الصلاة وآتى الزكاة نفاقا أو رياء فإن هذا يجزئه في الظاهر ولا يقبل منه في الباطن قال الله تعالى: ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) وقال : (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون
الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون)
وقال تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) وقال تعالى: ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا )
وقد اختلف أصحابنا في الإمام إذا أخذ الزكاة قهرا هل تجزئه في الباطن على وجهين مع أنها لا تستعاد منه:
أحدهما: لا تجزيه لعدم النية مع القدرة عليها.
والثاني: أن نية الإمام تقوم مقام نية الممتنع لأن الإمام نائب المسلمين في أداء الحقوق الواجبة عليهم.
والأوَّل أصح:
1- فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذها منهم بإعطائهم إياها.
2- وقد صرَّح القرآنُ بنفي قبولها لأنهم ينفقون وهم كارهون فعلم أنه إن أنفق مع كراهة الإنفاق لم تقبل منه كمن صلى رياء.
لكن لو تاب المنافق والمرائي فهل تجب عليه في الباطن الإعادة أو تنعطف توبته على ما عمله قبل ذلك فيثاب عليه أو لا يعيد ولا يثاب؟
أما الإعادة:
فلا تجب على المنافق قطعا:
1- لأنه قد تاب من المنافقين جماعة عن النفاق على عهد رسول الله ولم يأمر أحدا منهم بالإعادة.
2- وقد قال تعالى: ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة )
3- وأيضا: فالمنافق كافر في الباطن فإذا آمن فقد غفر له ما قد سلف فلا يجب عليه القضاء كما لا يجب على الكافر المعلن إذا أسلم.
وأما ثوابه على ما تقدم مع التوبة:
فيشبه الكافر إذا عمل صالحا في كفره ثم أسلم هل يثاب عليه ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لحكيم بن حزام أسلمت على ما سلف لك من خير )
وأما المرائي إذا تاب من الرياء مع كونه كان يعتقد الوجوب:
فهو شبيه بالمسألة التي نتكلم فيها وهى مسألة من لم يلتزم أداء الواجب وإن لم يكن كافرا في الباطن ففي إيجاب القضاء عليه تنفير عظيم عن التوبة:
فإن الرجل:
قد يعيش مدة طويلة لا يصلي ولا يزكي وقد لا يصوم أيضا ولا يبالي من أين كسب المال أمن حلال أم من حرام ولا يضبط حدود النكاح والطلاق وغير ذلك فهو في جاهلية إلا أنه منتسب إلى الإسلام
فإذا هداه الله و تاب عليه:
فإن أوجب عليه قضاء جميع ما تركه من الواجبات
وأمر برد جميع ما اكتسبه من الأموال والخروج عما يحبه من الإبضاع إلى غير ذلك
صارت التوبة في حقه عذابا وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام الذي كان عليه فإن توبته من الكفر رحمة وتوبته وهو مسلم عذاب.
وأعرف طائفة من الصالحين:
من يتمنى أن يكون كافرا ليسلم فيغفر له ما قد سلف لأن التوبة عنده متعذرة عليه أو متعسرة على ما قد قيل له واعتقده من التوبة
ثم هذا منفر لأكثر أهل الفسوق عن التوبة
وهو شبيه بالمؤيس للناس من رحمة الله
ووضع الآصار ثقيلة والأغلال عظيمة على التائبين
الذين هم أحباب الله فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين والله أفرح بتوبة عبده من الواجد لماله الذي به قوامه بعد اليأس منه
فينبغي لهذا المقام أن يحرر:
فإن كفر الكافر لم يسقط عنه ما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات:
لكون الكافر كان معذورا بمنزلة المجتهد فإنه لا يعذر بلا خلاف
وإنما غفر له:
لأن الإسلام توبة والتوبة تجب ما قبلها والتوبة توبة من ترك تصديق وإقرار وترك عمل وفعل فيشبه والله أعلم أن يجعل حال هؤلاء في جاهليتهم كحال غيرهم.
تسجيل النتائج والفوائد:
النتيجة الأولى: كانت آخر نتيجة في الدراسة السابقةلابن تيمية رحمه الله هو أنه ذكر أن هذا القول الذي اختاره فيه جمع بين الأدلة الشرعية.
النتيجة الثانية: ثم دلَّلَ ابن تيمية رحمه الله على هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)
النتيجة الثالثة: ثم ذكر خلاف الناس: فيمن ترك الصلاة والصوم عامدا هل يقضيه، فقال الأكثرون: يقضيه، وقال بعضهم: لا يقضيه كالحج.
النتيجة الرابعة: ثم ذكر رحمه الله أنه: قد دل الكتاب والسنة واتفاق السلف على الفرق:
بين من يضيع الصلاة فيصليها بعد الوقت والفرق بين من يتركها.
النتيجة الخامسة: ثم أتى ابن تيمية رحمه الله إلى المقصود فقال رحمه الله:
"فأما من لم يعلم وجوبها عليه جهلا وضلالا أو علم الإيجاب ولم يلتزمه فهذا إن كان كافرا فهو مرتد وفى وجوب القضاء عليه الخلاف المتقدم لكن هذا شبيه بكفر النفاق"
النتيجة السادسة: قال ابن تيمية بعد ذلك:
"فالكلام في هذا متصل بالكلام فيمن أقام الصلاة وآتى الزكاة نفاقا أو رياء فإن هذا يجزئه في الظاهر ولا يقبل منه في الباطن"
فنجد أن ابن تيمية رحمه الله:
يحاول تطبيق ما قرره في الفصول السابقة على هذه المسألة الحاضرة، لكن سعة علمه رحمه الله وتعلق المسألة بأكثر من جهة، وتعدد أنظار الناس أوجبت هذا التصوير المتسع للمسألة.
وفي هذا فائدة أخرى:
أن قواعد أهل العلم لا ينبغي أن يقع الغلو في التمسك بحرفيتها، وفرقٌ بين السياق التجريدي للنظر في المسألة، وبين متعلقات فروعها التطبيقية.
كما نستفيد من سياق ابن تيمية رحمه الله للمثال فائدة أخرى:
وهي أنه ينبغي أن يراعى الخلاف في صياغة المسائل لاسيما إذا كان منزع الخلاف راجع إلى النزاع في أصولها.
النتيجة السابعة:
ذكر ابن تيمية رحمه الله خلاف أصحابه الحنابلة في الإمام إذا أخذ الزكاة قهرا هل تجزئه في الباطن على وجهين مع أنها لا تستعاد منه:
أحدهما: لا تجزيه لعدم النية مع القدرة عليها.
والثاني: أن نية الإمام تقوم مقام نية الممتنع لأن الإمام نائب المسلمين في أداء الحقوق الواجبة عليهم.
ثم ذكر أن الأوَّل أصح.
النتيجة الثامنة:
مناسبة هذه المسألة:
استطراد من ابن تيمية رحمه الله لذكر نظير لما قرره في المسألة السابقة من قبول العمل من المنافق ظاهرا لا باطناً.
النتيجة التاسعة:
رجع ابن تيمية رحمه الله إلى تطبيق ما ذكره في الفصول السابقة على الأمثلة التي ضربها فقال رحمه الله:
لكن لو تاب المنافق والمرائي فهل تجب عليه في الباطن الإعادة أو تنعطف توبته على ما عمله قبل ذلك فيثاب عليه أو لا يعيد ولا يثاب؟
النتيجة العاشرة:
قطع ابن تيمية رحمه الله أن المنافق إذا تاب فلا تجب عليه الإعادة لثلاثة أدلة، منها أن المنافق كافر في الباطن فليكن حكمه حكم الكافر إذا تاب.
النتيجة الحادية عشر:
يثاب المنافق إذا تاب على ما تقدم من الأعمال الصالحة في نفاقه مثله مثل الكافر إذا أسلم.
النتيجة الثانية عشر:
"المرائي إذا تاب من الرياء مع كونه كان يعتقد الوجوب فهو شبيه بالمسألة التي نتكلم فيها وهى مسألة من لم يلتزم أداء الواجب وإن لم يكن كافرا في الباطن."
النتيجة الثالثة عشر: رجع ابن تيمية رحمه الله إلى نصر القول الذي سبق ذكره في الفصول المتقدمة فقال: "ففي إيجاب القضاء عليه تنفير عظيم عن التوبة"
النتيجة الرابعة عشر: اعتبر ابن تيمية رحمه الله أن القول بالقضاء تصيٍّر التوبة في حق التائب عذاباوكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام الذي كان عليه فإن توبته من الكفر رحمة وتوبته وهو مسلم عذاب.
النتيجة الخامسة عشر: حاول ابن تيمية رحمه الله أن يبين التصوير الدقيق لمآل القول بوجوب القضاء أو فسخ العقود والقبوض السابقة، ومما ذكره أن هذا القول:
1- منفر لأكثر أهل الفسوق عن التوبة.
2- وهو شبيه بالمؤيس للناس من رحمة الله.
3- ووضع الآصار ثقيلة والأغلال عظيمة على التائبين الذين هم أحباب الله.
النتيجة السادسة عشر:
دعا ابن تيمية رحمه الله إلى هذه المسألة فقال: "فينبغي لهذا المقام أن يحرر"
ثم ذكر سبب ذلك بأن:
كفر الكافر لم يسقط عنه ما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات:
لكون الكافر كان معذورا بمنزلة المجتهد، فإنه لا يعذر [أي الكافر ] بلا خلاف
وإنما غفر له:
لأن الإسلام توبة والتوبة تجب ما قبلها والتوبة توبة من ترك تصديق وإقرار وترك عمل وفعل فيشبه والله أعلم أن يجعل حال هؤلاء في جاهليتهم كحال غيرهم.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ
يتبع