عرض مشاركة واحدة
  #477  
قديم 03-02-2023, 11:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,605
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد السابع
الحلقة (475)
سُورَةُ الزُّخْرُفِ
صـ 107 إلى صـ 114




أما القرابة فقد ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - " أنه أعطى من خمس خيبر بني هاشم وبني [ ص: 107 ] المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل " ، مبينا أن ذلك هو معنى قوله - تعالى - : فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى [ 8 \ 41 ] . كما تقدم إيضاحه في سورة " الأنفال " في الكلام على آية الخمس هذه .

وأما العشيرة فقد ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عباس أنه لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين [ 26 \ 214 ] - صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصفا ، فجعل ينادي : " يا بني فهر ، يا بني عدي " لبطون قريش حتى اجتمعوا ، الحديث . وفيه تحديد العشيرة الأقربين بجميع بني فهر بن مالك ، وهو الجد العاشر له - صلى الله عليه وسلم - .

وفي رواية أبي هريرة في الصحيح أنه لما نزلت الآية المذكورة قال : " يا معشر قريش " أو كلمة نحوها ، الحديث ، وقريش هم أولاد فهر بن مالك . وقيل : أولاد النضر بن كنانة . والأول هو الأظهر لحديث ابن عباس المذكور ، وعليه الأكثر .
تنبيه

[ فإن قيل ] : ذكرتم أن ظاهر القرآن يدل على دخول أولاد البنات في لفظ البنين ، والشاعر يقول في خلاف ذلك :
بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

وكثير من أهل الفقه يذكرون البيت المذكور على سبيل التسليم له ، قالوا : ومما يوضح صدقه أنهم ينسبون إلى رجال آخرين ، ربما كانوا أعداء لأهل أمهاتهم ، وكثيرا ما يتبع الولد أباه وعصبته في عداوة أخواله وبغضهم ، كما هو معلوم .

[ فالجواب ] أن الواحد بالشخص له جهتان ، فمعنى لفظ الابن له جهة خاصة هي معنى كونه خلق من ماء هذا الرجل على وجه يلحق فيه نسبه به ، وهذا المعنى منفي عن والد أمه ، فلا يقال له : ابن - بهذا الاعتبار وثابت لأبيه الذي خلق من مائه ، وله جهة أخرى هي كونه خارجا في الجملة من هذا الشخص ، سواء كان بالمباشرة ، أو بواسطة ابنه أو بنته وإن سفل ، فالبنوة بهذا المعنى ثابتة لولد البنت ، وهذا المعنى هو الذي عناه - صلى الله عليه وسلم - في قوله في الحسن بن علي - رضي الله عنهما - : " وإن ابني هذا سيد " الحديث ، وهو المراد في الآيات القرآنية ، كقوله - تعالى - : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ] ( فالجواب ) أن الواحد بالشخص له جهتان ، فمعنى لفظ الابن له جهة خاصة هي معنى كونه خلق من ماء هذا الرجل على وجه يلحق فيه نسبه به ، وهذا المعنى منفي عن والد أمه ، فلا يقال له : ابن - بهذا الاعتبار وثابت لأبيه الذي خلق من مائه ، وله جهة أخرى هي كونه خارجا في الجملة من هذا الشخص ، سواء كان بالمباشرة ، أو بواسطة ابنه أو بنته وإن سفل ، فالبنوة بهذا المعنى ثابتة لولد البنت ، وهذا المعنى هو الذي عناه - صلى الله عليه وسلم - في قوله في الحسن بن علي - رضي الله عنهما - : " وإن ابني هذا سيد " الحديث ، وهو المراد في الآيات القرآنية ، كقوله - تعالى - : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم [ 4 \ 23 ] . وقوله - تعالى - : وبنات الأخ وبنات الأخت [ 4 \ 23 ] . وكقوله - تعالى - : [ ص: 108 ] لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن الآية [ 33 \ 55 ] .

فلفظ البنات والأبناء في جميع الآيات المذكورة شامل لجميع أولاد البنين والبنات وإن سفلوا ، وإنما شملهم من الجهة المذكورة بالاعتبار المذكور ، وهو إطلاق لفظ الابن على كل من خرج من الشخص في الجملة ، ولو بواسطة بناته .

وأما البيت المذكور فالمراد به الجهة الأولى والاعتبار الأول .

فإن بني البنات ليسوا أبناء لآباء أمهاتهم من تلك الجهة ، ولا بذلك الاعتبار ; لأنهم لم يخلقوا من مائهم ، وإنما خلقوا من ماء رجال آخرين ، ربما كانوا أباعد ، وربما كانوا أعداء .

فصح بهذا الاعتبار نفي البنوة عن ابن البنت .

وصح بالاعتبار الأول إثبات البنوة له ، ولا تناقض مع انفكاك الجهة .

وإذا عرفت معنى الجهتين المذكورتين وأنه بالنظر إلى إحداهما تثبت البنوة لابن البنت ، وبالنظر إلى الأخرى تنتفي عنه .

فاعلم أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن ابني هذا سيد " ، وقوله - تعالى - : وبنات الأخ وبنات الأخت [ 4 \ 23 ] . ونحوها من الآيات ينزل على إحدى الجهتين .

وقوله - تعالى - : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم [ 33 \ 40 ] - يتنزل على الجهة الأخرى . وتلك الجهة هي التي يعني الشاعر بقوله : وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

ويزيد ذلك إيضاحا أن قبائل العرب قد تكون بينهم حروب ومقاتلات ، فيكون ذلك القتال بين أعمام الرجل وأخواله ، فيكون مع عصبته دائما على أخواله ، كما في البيت المذكور .

وقد يكون الرجل منهم في أخواله فيعاملونه معاملة دون معاملتهم لأبنائهم .

كما أوضح ذلك غسان بن وعلة في شعره حيث يقول :
إذا كنت في سعد وأمك منهم شطيرا فلا يغررك خالك من سعد
[ ص: 109 ] فإن ابن أخت القوم مصغي إناؤه إذا لم يزاحم خاله بأب جلد

فقوله : مصغي إناؤه من الإصغاء وهو الإمالة ; لأن الإناء إذا أميل ولم يترك معتدلا لم يتسع إلا للقليل ، فهو كناية عن نقص نصيبه فيهم وقلته .

وعلى الجهتين المذكورتين يتنزل اختلاف الصحابة في ميراث الجد والإخوة .

فمن رأى منهم أنه أب يحجب الإخوة ، فقد راعى في الجد إحدى الجهتين .

ومن رأى منهم أنه ليس بأب وأنه لا يحجب الإخوة ، فقد لاحظ الجهة الأخرى .

ولم نطل الكلام هنا في جميع الألفاظ المذكورة التي هي أحد عشر لفظا خوف الإطالة ، ولأننا لم نجد نصوصا من الوحي تحدد شيئا منها تحديدا دقيقا .

ومعلوم أن لفظ القوم منها قد دل القرآن على أنه يختص بالذكور دون الإناث .

وأن الإناث قد يدخلن فيه بحكم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك .

لأن الله - تعالى - قال : لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء الآية [ 49 \ 11 ] . فعطفه النساء على القوم يدل على عدم دخولهن في لفظ القوم .

ونظيره من كلام العرب قول زهير :
وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء

وأما دخول النساء في القوم بحكم التبع عند الاقتران بما يدل على ذلك - فقد بينه قوله - تعالى - في ملكةسبإ : وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين [ 27 \ 43 ] .

وأما الموالي فقد دل القرآن واللغة على أن المولى يطلق على كل من له سبب يوالي ويوالى به .

ولذا أطلق على الله أنه مولى المؤمنين ; لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم بالجزاء .

ونفى ولاية الطاعة عن الكافرين في قوله - تعالى - : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [ 47 \ 11 ] .

[ ص: 110 ] وأثبت له عليهم ولاية الملك والقهر في قوله - تعالى - : وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون [ 10 ] . كما أثبت لهم ولاية النار في قوله : مأواكم النار هي مولاكم الآية [ 57 \ 15 ] .

وأطلق - تعالى - اسم الموالي على العصبة في قوله - تعالى - : ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون [ 4 \ 33 ] .

وأطلق اسم المولى على الأقارب ونحوهم في قوله - تعالى - : يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا [ 44 \ 41 ] .

ويكثر في كلام العرب إطلاق الموالي على العصبة وابن العم ، ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب : مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تظهرن لنا ما كان مدفونا

وقول طرفة بن العبد :
وأعلم علما ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل

والحاصل أن من قال : هذا وقف ، أو صدقة على قومي ، أو موالي - أنه إن كان هناك عرف خاص ، وجب اتباعه في ذلك ، وإن لم يكن هناك عرف فلا نعلم نصا من كتاب ولا سنة يحدد ذلك تحديدا دقيقا .

وكلام أهل العلم فيه معروف في محاله .

والعلم عند الله - تعالى - .
قوله - تعالى - : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون .

( وقالوا ) أي قال كفار مكة : ( لولا ) أي هلا ( نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ) أي من إحدى القريتين ، وهما مكة والطائف ( عظيم ) يعنون بعظمه كثرة ماله وعظم جاهه ، وعلو منزلته في قومه ، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد بن [ ص: 111 ] المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب ، وفي مرة بن كعب يجتمع نسبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف .

وعظيم الطائف هو عروة بن مسعود ، وقيل : حبيب بن عمرو بن عمير ، وقيل : هو كنانة بن عبد ياليل ، وقيل غير ذلك .

وإيضاح الآية أن الكفار أنكروا أولا أن يبعث الله رسولا من البشر ، كما أوضحناه مرارا .

ثم لما سمعوا الأدلة على أن الله لم يبعث إلى البشر رسولا إلا من البشر تنازلوا عن اقتراحهم إرسال رسل من الملائكة إلى اقتراح آخر ، وهو اقتراح تنزيل هذا القرآن على أحد الرجلين المذكورين .

وهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم ، وسخافة عقولهم ; حيث يجعلون كثرة المال والجاه في الدنيا موجبا لاستحقاق النبوة وتنزيل الوحي .

ولذا زعموا أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - ليس أهلا لإنزال هذا القرآن عليه ، لقلة ماله ، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه - صلى الله عليه وسلم - .

وقد بين - تعالى - في هذه الآية الكريمة شدة جهلهم ، وسخافة عقولهم ، بقوله : أهم يقسمون رحمة ربك . والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك النبوة وإنزال الوحي .

وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن ، كقوله - تعالى - في " الدخان " : إنا كنا مرسلين رحمة من ربك الآية [ 44 \ 5 - 6 ] . وقوله في آخر " القصص " : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك الآية [ 28 \ 86 ] . وقوله في آخر " الأنبياء " : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ 21 \ 107 ] .

وقد قدمنا الآيات الدالة على إطلاق الرحمة والعلم على النبوة في سورة " الكهف " في الكلام على قوله - تعالى - : فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا الآية [ 18 \ 65 ] .

[ ص: 112 ] وقدمنا معاني إطلاق الرحمة في القرآن في سورة " فاطر " في الكلام على قوله - تعالى - : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها الآية [ 35 \ 2 ] .

وقوله - تعالى - في هذه الآية : نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات يعني أنه - تعالى - لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم في الدنيا ، بل تولى هو - جل وعلا - قسمة ذلك بينهم ، فجعل هذا غنيا وهذا فقيرا ، وهذا رفيعا وهذا وضيعا ، وهذا خادما وهذا مخدوما ، ونحو ذلك ، فإذا لم يفوض إليهم حظوظهم في الدنيا ، ولم يحكمهم فيها ، بل كان - تعالى - هو المتصرف فيها بما شاء كيف شاء ، فكيف يفوض إليهم أمر إنزال الوحي حتى يتحكموا فيمن ينزل إليه الوحي ؟

فهذا مما لا يعقل ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين .

وقوله - تعالى - في هذه الآية الكريمة : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا [ 43 \ 32 ] التحقيق - إن شاء الله - أنه من التسخير .

ومعنى تسخير بعضهم لبعض - خدمة بعضهم البعض ، وعمل بعضهم لبعض ; لأن نظام العالم في الدنيا يتوقف قيامه على ذلك ، فمن حكمته - جل وعلا - أن يجعل هذا فقيرا مع كونه قويا قادرا على العمل ، ويجعل هذا ضعيفا لا يقدر على العمل بنفسه ، ولكنه - تعالى - يهيئ له دراهم يؤجر بها ذلك الفقير القوي ، فينتفع القوي بدراهم الضعيف ، والضعيف بعمل القوي ; فتنتظم المعيشة لكل منهما ، وهكذا .

وهذه المسائل التي ذكرها الله - جل وعلا - في هذه السورة الكريمة - جاءت كلها موضحة في آيات أخر من كتاب الله .

أما زعمهم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - أنقص شرفا وقدرا من أن ينزل عليه الوحي ، فقد ذكره الله عنهم في " ص " في قوله - تعالى - : أؤنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري الآية [ 38 \ 8 ] .

فقول كفار مكة : أؤنزل عليه الذكر من بيننا معناه إنكارهم أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم ، لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه ، لكثرة ماله وجاهه وشرفه فيهم .

[ ص: 113 ] وقد قال قوم صالح مثل ذلك لصالح ، كما قال - تعالى - عنهم : أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر [ 54 \ 25 ] .

فقلوب الكفار متشابهة ، فكانت أعمالهم متشابهة .

كما قال - تعالى - : كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم [ 2 \ 118 ] . وقال - تعالى - : أتواصوا به بل هم قوم طاغون [ 51 \ 53 ] .

وأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم ، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك دونهم - فقد ذكره - تعالى - في سورة " الأنعام " في قوله - تعالى - : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله [ 6 \ 124 ] . وقوله - تعالى - في " المدثر " : بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة [ 74 \ 52 ] . أي تنزل عليه صحف بالوحي من السماء ، كما قاله مجاهد وغير واحد ، وهو ظاهر القرآن .

وفي الآية قول آخر معروف .

وأما إنكاره - تعالى - اقتراح إنزال الوحي على غير محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي دلت عليه همزة الإنكار المتضمنة مع الإنكار لتجهيلهم وتسفيه عقولهم في قوله : أهم يقسمون رحمة ربك - فقد أشار - تعالى - إليه مع الوعيد الشديد في " الأنعام " ; لأنه - تعالى - لما قال : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله [ 6 \ 124 ] أتبع ذلك بقوله ردا عليهم وإنكارا لمقالتهم : الله أعلم حيث يجعل رسالته [ 6 \ 124 ] .

ثم أوعدهم على ذلك بقوله : سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون [ 6 \ 124 ] .

وأما كونه - تعالى - هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم - فقد جاء في مواضع أخر ، كقوله - تعالى - : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء [ 16 \ 71 ] . وقوله - تعالى - : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا [ 17 \ 21 ] . وقوله - تعالى - : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر [ 39 \ 52 ] . وقوله - تعالى - : ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير [ ص: 114 ] [ 42 \ 27 ] . وقوله - تعالى - : إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما [ 4 \ 135 ] .

وقد أوضح - تعالى - حكمة هذا التفاضل والتفاوت في الأرزاق والحظوظ ، والقوة والضعف ، ونحو ذلك - بقوله هنا : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا كما تقدم .

وقوله - تعالى - هنا : ورحمة ربك خير مما يجمعون ، يعني أن النبوة والاهتداء بهدى الأنبياء ، وما يناله المهتدون يوم القيامة خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها .

وقد أشار الله - تعالى - إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع ، كقوله في سورة " يونس " : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [ 10 \ 85 ] . وقوله - تعالى - في " آل عمران " : ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون [ 3 \ 157 ] .
مسألة

دلت هذه الآيات الكريمة المذكورة هنا ، كقوله - تعالى - : نحن قسمنا بينهم معيشتهم الآية ، وقوله : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق الآية [ 16 \ 71 ] ونحو ذلك من الآيات - على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية ، لا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها ، بوجه من الوجوه فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا [ 35 \ 43 ] .

وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله ولجميع النبوات والرسائل السماوية - إلى ابتزاز ثروات الناس ، ونزع ملكهم الخاص عن أملاكهم ، بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم - أمر باطل لا يمكن بحال من الأحوال .

مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون ، وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس ، ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها كيف شاءوا ، تحت ستار كثير من أنواع الكذب والغرور والخداع ، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.56 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.78%)]