عرض مشاركة واحدة
  #376  
قديم 30-01-2023, 10:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,682
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد


تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الخامس
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الْبَقَرَة(362)
الحلقة (376)
صــ 521 إلى صــ 560


6037 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن [ ص: 521 ] جويبر ، عن الضحاك : ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) يقول : أن يمسك ماله خير من أن ينفق ماله ثم يتبعه منا وأذى .

وأما قوله : ( غني حليم ) فإنه يعني : " والله غني " عما يتصدقون به ( حليم ) حين لا يعجل بالعقوبة على من يمن بصدقته منكم ، ويؤذي فيها من يتصدق بها عليه .

وروي عن ابن عباس في ذلك ما : -

6038 - حدثنا به المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( الغني ) الذي كمل في غناه ، ( والحليم ) ، الذي قد كمل في حلمه .
القول في تأويل قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بذلك : ( يا أيها الذين آمنوا ) صدقوا الله ورسوله ( لا تبطلوا صدقاتكم ) يقول : لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمن والأذى كما أبطل كفر الذي ينفق ماله ( رئاء الناس ) ، وهو مراءاته إياهم بعمله ، وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناس في الظاهر أنه يريد الله - تعالى ذكره - فيحمدونه عليه ، وهو غير مريد به الله ولا طالب منه الثواب ، وإنما ينفقه كذلك ظاهرا [ ص: 522 ] ليحمده الناس عليه فيقولوا : هو سخي كريم ، وهو رجل صالح " فيحسنوا عليه به الثناء ، وهم لا يعلمون ما هو مستبطن من النية في إنفاقه ما أنفق ، فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله - تعالى ذكره - واليوم الآخر .

وأما قوله : ( ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) ، فإن معناه : ولا يصدق بوحدانية الله وربوبيته ، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازى على عمله ، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده . وهذه صفة المنافق . وإنما قلنا إنه منافق ؛ لأن المظهر كفره والمعلن شركه ، معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائيا ؛ لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله ، وفي الباطن مريبة سريرة عامله ، مراده به حمد الناس عليه . والكافر لا يخيل على أحد أمره أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان - إذا كان معلنا كفره - لا لله . ومن كان كذلك ، فغير كائن مرائيا بأعماله .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

6039 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال أبو هانئ الخولاني ، عن عمرو بن حريث قال : إن الرجل يغزو لا يسرق ولا يزني ولا يغل ، لا يرجع بالكفاف ! فقيل له : لم ذاك ؟ قال : إن الرجل ليخرج ، فإذا أصابه من [ ص: 523 ] بلاء الله الذي قد حكم عليه ، سب ولعن إمامه ولعن ساعة غزا ، وقال : لا أعود لغزوة معه أبدا ! فهذا عليه ، وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها من وأذى . فقد ضرب الله مثلها في القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ، حتى ختم الآية .
القول في تأويل قوله تعالى ( فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ( 264 ) )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بذلك : فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس ، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر " والهاء " في قوله : ( فمثله ) عائدة على " الذي " ( كمثل صفوان ) " والصفوان " واحد وجمع ، فمن جعله جمعا فالواحدة " صفوانة " بمنزلة " تمرة وتمر " و " نخلة ونخل " . ومن جعله واحدا ، جمعه " صفوان ، وصفي ، وصفي " كما قال الشاعر : .


مواقع الطير على الصفي


[ ص: 524 ]

و " الصفوان " هو " الصفا " وهي الحجارة الملس .

وقوله : ( عليه تراب ) يعني : على الصفوان تراب ( فأصابه ) يعني : أصاب الصفوان ( وابل ) وهو المطر الشديد العظيم ، كما قال امرؤ القيس :


ساعة ثم انتحاها وابل ساقط الأكناف واه منهمر


يقال منه : " وبلت السماء فهي تبل وبلا " وقد : " وبلت الأرض فهي توبل " .

وقوله : ( فتركه صلدا ) يقول : فترك الوابل الصفوان صلدا .

و " الصلد " من الحجارة : الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره ، وهو من الأرضين ما لا ينبت فيه شيء ، وكذلك من الرءوس ، كما قال رؤبة :


لما رأتني خلق المموه براق أصلاد الجبين الأجله
[ ص: 525 ]

ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي : " قدر صلود " " وقد صلدت تصلد صلودا ، ومنه قول تأبط شرا :


ولست بجلب جلب رعد وقرة ولا بصفا صلد عن الخير أعزل


ثم رجع - تعالى ذكره - إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثل لأعمالهم ، فقال : فكذلك أعمالهم بمنزلة الصفوان الذي كان عليه تراب ، فأصابه الوابل من المطر ، فذهب بما عليه من التراب ، فتركه نقيا لا تراب عليه ولا شيء يراهم المسلمون في الظاهر أن لهم أعمالا - كما يرى التراب على هذا الصفوان - بما يراؤونهم به ، فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى الله ، اضمحل ذلك كله ؛ لأنه لم يكن لله ، [ ص: 526 ] كما ذهب الوابل من المطر بما كان على الصفوان من التراب ، فتركه أملس لا شيء عليه

فذلك قوله : ( لا يقدرون ) يعني به : الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر يقول : لا يقدرون يوم القيامة على ثواب شيء مما كسبوا في الدنيا ؛ لأنهم لم يعملوا لمعادهم ، ولا لطلب ما عند الله في الآخرة ، ولكنهم عملوه رئاء الناس وطلب حمدهم ، وإنما حظهم من أعمالهم ما أرادوه وطلبوه بها .

ثم أخبر - تعالى ذكره - أنه ( لا يهدي القوم الكافرين ) ، يقول : لا يسددهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها فيوفقهم لها ، وهم للباطل عليها مؤثرون ، ولكنه يتركهم في ضلالتهم يعمهون .

فقال - تعالى ذكره - للمؤمنين : لا تكونوا كالمنافقين الذين هذا المثل صفة أعمالهم ، فتبطلوا أجور صدقاتكم بمنكم على من تصدقتم بها عليه وأذاكم لهم ، كما بطل أجر نفقة المنافق الذي أنفق ماله رئاء الناس ، وهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر عند الله .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

6040 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) فقرأ حتى بلغ : ( على شيء مما كسبوا ) ، فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول : لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ ، كما ترك هذا المطر الصفاة الحجر ليس [ ص: 527 ] عليه شيء ، أنقى ما كان عليه .

6041 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ) إلى قوله : ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) هذا مثل ضربه الله لأعمال الكافرين يوم القيامة يقول : لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ ، كما ترك هذا المطر الصفا نقيا لا شيء عليه .

6042 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) إلى قوله : ( على شيء مما كسبوا ) أما الصفوان الذي عليه تراب فأصابه المطر فذهب ترابه فتركه صلدا . فكذلك هذا الذي ينفق ماله رياء الناس ، ذهب الرياء بنفقته ، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيا ، فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شيء مما قدم . فقال للمؤمنين : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) فتبطل كما بطلت صدقة الرياء .

6043 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : أن لا ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى . فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ، فضرب الله مثلهما جميعا : ( كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ) فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منا وأذى .

6044 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) إلى ( كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ) ليس عليه شيء ، وكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب .

6045 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج قال : [ ص: 528 ] قال ابن جريج في قوله : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) قال : يمن بصدقته ويؤذيه فيها حتى يبطلها .

6046 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ) ، فقرأ : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) حتى بلغ : ( لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) ثم قال : أترى الوابل يدع من التراب على الصفوان شيئا ؟ فكذلك منك وأذاك لم يدع مما أنفقت شيئا . وقرأ قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ، وقرأ : ( وما أنفقتم من نفقة ) ، فقرأ حتى بلغ : ( وأنتم لا تظلمون ) . [ البقرة : 270 - 272 ] .
القول في تأويل قوله عز وجل ( صفوان )

قد بينا معنى " الصفوان " بما فيه الكفاية ، غير أنا أردنا ذكر من قال مثل قولنا في ذلك من أهل التأويل .

6047 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( كمثل صفوان ) كمثل الصفاة .

6048 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( كمثل صفوان ) والصفوان : الصفا .

6049 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله . [ ص: 529 ]

6050 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : أما ( صفوان ) ، فهو الحجر الذي يسمى : " الصفاة " .

6051 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة مثله .

6052 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( صفوان ) يعني الحجر .
القول في تأويل قوله عز وجل ( فأصابه وابل )

قد مضى البيان عنه . وهذا ذكر من قال قولنا فيه :

6053 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : أما وابل : فمطر شديد .

6054 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( فأصابه وابل ) والوابل : المطر الشديد .

6055 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة مثله .

6056 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله .
القول في تأويل قوله عز وجل ( فتركه صلدا )

ذكر من قال نحو ما قلنا في ذلك :

6057 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن [ ص: 530 ] السدي : ( فتركه صلدا ) يقول نقيا .

6058 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( فتركه صلدا ) قال : تركها نقية ليس عليها شيء .

6059 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج قال : قال ابن جريج ، قال ابن عباس قوله : ( فتركه صلدا ) قال : ليس عليه شيء .

6060 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق ، قال حدثنا ، أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( صلدا ) فتركه جردا .

6061 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : ( فتركه صلدا ) ليس عليه شيء .

6062 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ( فتركه صلدا ) ليس عليه شيء .
القول في تأويل قوله عز وجل ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ) فيصدقون بها ، ويحملون عليها في سبيل الله ، ويقوون بها أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين في سبيل الله ، وفي غير ذلك من طاعات الله طلب مرضاته . [ ص: 531 ] ( وتثبيتا من أنفسهم ) يعني بذلك : وتثبيتا لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله وتحقيقا من قول القائل : " ثبت فلانا في هذا الأمر " - إذا صححت عزمه ، وحققته ، وقويت فيه رأيه - " أثبته تثبيتا " كما قال ابن رواحة :


فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا


وإنما عنى الله - جل وعز - بذلك أن أنفسهم كانت موقنة مصدقة بوعد الله إياها فيما أنفقت في طاعته بغير من ولا أذى ، فثبتتهم في إنفاق أموالهم ابتغاء مرضاة الله ، وصححت عزمهم وآراءهم ، يقينا منها بذلك ، وتصديقا بوعد الله إياها ما وعدها . ولذلك قال من قال من أهل التأويل في قوله : ( وتثبيتا ) وتصديقا ، ومن قال منهم : ويقينا ؛ لأن تثبيت أنفس المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله إياهم إنما كان عن يقين منها وتصديق بوعد الله .

ذكر من قال ذلك من أهل التأويل :

6063 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا يحيى قال : حدثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الشعبي : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : تصديقا ويقينا . [ ص: 532 ]

6064 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال : حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الشعبي : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : وتصديقا من أنفسهم : ثبات ونصرة .

6065 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : يقينا من أنفسهم . قال : التثبيت اليقين .

6066 - حدثني يونس قال : حدثنا علي بن معبد ، عن أبي معاوية ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح في قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) يقول : يقينا من عند أنفسهم .

وقال آخرون : معنى قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) أنهم كانوا يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم .

ذكر من قال ذلك :

6067 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا مؤمل قال : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : يتثبتون أين يضعون أموالهم .

6068 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : حدثنا ابن المبارك ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد : ( وتثبيتا من أنفسهم ) فقلت له : ما ذلك التثبيت ؟ قال : يتثبتون أين يضعون أموالهم .

6069 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : كانوا يتثبتون أين يضعونها .

6070 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن علي بن علي بن رفاعة ، عن الحسن في قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم - يعني زكاتهم . [ ص: 533 ]

6071 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد قال : حدثنا ابن المبارك ، عن علي بن علي قال : سمعت الحسن قرأ : ( ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ) قال : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإن كان لله مضى ، وإن خالطه شك أمسك .

قال أبو جعفر : وهذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن ، تأويل بعيد المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة ، وذلك أنهم تأولوا قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) بمعنى : " وتثبتا " فزعموا أن ذلك إنما قيل كذلك ؛ لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم . ولو كان التأويل كذلك ، لكان : " وتثبتا من أنفسهم " ; لأن المصدر من الكلام إن كان على " تفعلت " " التفعل " فيقال : " تكرمت تكرما " " وتكلمت تكلما " وكما قال جل ثناؤه : ( أو يأخذهم على تخوف ) [ النحل : 47 ] من قول القائل : " تخوف فلان هذا الأمر تخوفا " . فكذلك قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) لو كان من " تثبت القوم في وضع صدقاتهم مواضعها " لكان الكلام : " وتثبتا من أنفسهم " لا " وتثبيتا " . ولكن معنى ذلك ما قلنا من أنه : وتثبيت من أنفس القوم إياهم بصحة العزم واليقين بوعد الله - تعالى ذكره - .

فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول الله عز وجل : ( وتبتل إليه تبتيلا ) [ المزمل : 8 ] ، ولم يقل : " تبتلا " .

قيل : إن هذا مخالف لذلك . وذلك أن هذا إنما جاز أن يقال فيه : " تبتيلا " لظهور " وتبتل إليه " فكان في ظهوره دلالة على متروك من الكلام الذي منه [ ص: 534 ] قيل : " تبتيلا " . وذلك أن المتروك هو : " تبتل فيبتلك الله إليه تبتيلا " . وقد تفعل العرب مثل ذلك أحيانا ، تخرج المصادر على غير ألفاظ الأفعال التي تقدمتها ، إذا كانت الأفعال المتقدمة تدل على ما أخرجت منه ، كما قال جل وعز : ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) [ نوح : 17 ] . وقال : ( وأنبتها نباتا حسنا ) [ آل عمران : 37 ] . " والنبات " : مصدر " نبت " . وإنما جاز ذلك لمجيء " أنبت " قبله ، فدل على المتروك الذي منه قيل " نباتا " والمعنى : " والله أنبتكم فنبتم من الأرض نباتا " . وليس [ في ] قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) كلاما يجوز أن يكون متوهما به أنه معدول عن بنائه ، ومعنى الكلام : " ويتثبتون في وضع الصدقات مواضعها " فيصرف إلى المعاني التي صرف إليها قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) ، وما أشبه ذلك من المصادر المعدولة عن الأفعال التي هي ظاهرة قبلها .

وقال آخرون : معنى قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) احتسابا من أنفسهم .

ذكر من قال ذلك :

6073 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( وتثبيتا من أنفسهم ) يقول : احتسابا من أنفسهم .

قال أبو جعفر : وهذا القول أيضا بعيد المعنى من معنى " التثبيت " لأن التثبيت لا يعرف في شيء من الكلام بمعنى " الاحتساب " إلا أن يكون أراد مفسره كذلك : أن أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها . فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام ، فليس الاحتساب بمعنى حينئذ للتثبيت ، فيترجم عنه به .
[ ص: 535 ] القول في تأويل قوله تعالى ( كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل وعز : ومثل الذين ينفقون أموالهم ، فيتصدقون بها ، ويسبلونها في طاعة الله بغير من على من تصدقوا بها عليه ، ولا أذى منهم لهم بها ، ابتغاء رضوان الله وتصديقا من أنفسهم بوعده ( كمثل جنة ) .

" والجنة " : البستان . وقد دللنا فيما مضى على أن " الجنة " البستان ، بما فيه الكفاية من إعادته .

( بربوة ) والربوة من الأرض : ما نشز منها فارتفع عن السيل . وإنما وصفها بذلك - جل ثناؤه - لأن ما ارتفع عن المسايل والأودية أغلظ ، وجنان ما غلظ من الأرض أحسن وأزكى ثمرا وغرسا وزرعا مما رق منها ، ولذلك قال أعشى بني ثعلبة في وصف روضة :


ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل
[ ص: 536 ]

فوصفها بأنها من رياض الحزن ؛ لأن الحزون : غروسها ونباتها أحسن وأقوى من غروس الأودية والتلاع وزروعها .

وفي " الربوة " لغات ثلاث ، وقد قرأ بكل لغة منهن جماعة من القرأة ، وهي " ربوة " بضم الراء ، وبها قرأت عامة قرأة أهل المدينة والحجاز والعراق .

و " ربوة " بفتح الراء ، وبها قرأ بعض أهل الشام ، وبعض أهل الكوفة ، ويقال إنها لغة لتميم . " وربوة " بكسر الراء ، وبها قرأ - فيما ذكر - ابن عباس .

قال أبو جعفر : وغير جائز عندي أن يقرأ ذلك إلا بإحدى اللغتين : إما بفتح " الراء " وإما بضمها ؛ لأن قراءة الناس في أمصارهم بإحداهما . وأنا لقراءتها بضمها أشد إيثارا مني بفتحها ؛ لأنها أشهر اللغتين في العرب . فأما الكسر فإن في رفض القراءة به دلالة واضحة على أن القراءة به غير جائزة .

وإنما سميت " الربوة " لأنها " ربت " فغلظت وعلت ، من قول القائل : " ربا هذا الشيء يربو " إذا انتفخ فعظم .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

6074 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( كمثل جنة بربوة ) ، قال : الربوة المكان الظاهر المستوي . [ ص: 537 ]

6075 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر قال : قال مجاهد : هي الأرض المستوية المرتفعة .

6076 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( كمثل جنة بربوة ) يقول بنشز من الأرض .

6077 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : ( كمثل جنة بربوة ) والربوة : المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار ، والذي فيه الجنان .

6078 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قوله : ( بربوة ) برابية من الأرض .

6079 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( كمثل جنة بربوة ) ، والربوة النشز من الأرض .

6080 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج قال : قال ابن جريج ، قال ابن عباس : ( كمثل جنة بربوة ) قال : المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار .

وكان آخرون يقولون : هي المستوية .
يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.31 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]