عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 30-01-2023, 09:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري .....متجدد


تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الإمام محمد بن جرير الطبري
الجزء الخامس
تَفْسِيرِ سُّورَةِ الْبَقَرَة(359)
الحلقة (373)
صــ 461 إلى صــ 480





وهو قراءة عامة قرأة الكوفة . [ ص: 461 ]

والآخر منهما : إثبات " الهاء " في الوصل والوقف . ومن قرأه كذلك ، فإنه يجعل " الهاء " في " يتسنه " لام الفعل ، ويجعلها مجزومة ب " لم " ويجعل " فعلت " منه : " تسنهت " " ويفعل " : " أتسنه تسنها " وقال في تصغير " السنة " : " سنيهة " " وسنية " " أسنيت عند القوم " " وأسنهت عندهم " إذا أقمت سنة .

وهذه قراءة عامة قرأة أهل المدينة والحجاز .

قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندي في ذلك إثبات " الهاء " في الوصل والوقف ، لأنها مثبتة في مصحف المسلمين ، ولإثباتها وجه صحيح في كلتا الحالتين في ذلك .

ومعنى قوله : ( لم يتسنه ) ، لم يأت عليه السنون فيتغير على لغة من قال : " أسنهت عندكم أسنه " : إذا أقام سنة ، وكما قال الشاعر : .


وليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح
[ ص: 462 ]

فجعل " الهاء " في " السنة " أصلا وهي اللغة الفصحى .

وغير جائز حذف حرف من كتاب الله في حال وقف أو وصل لإثباته وجه معروف في كلامها .

فإن اعتل معتل بأن المصحف قد ألحقت فيه حروف هن زوائد على نية الوقف ، والوجه في الأصل عند القراءة حذفهن ، وذلك كقوله : ( فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 90 ] وقوله : ( يا ليتني لم أوت كتابيه ) [ الحاقة : 25 ] فإن ذلك هو مما لم يكن فيه شك أنه من الزوائد ، وأنه ألحق على نية الوقف . فأما ما كان محتملا أن يكون أصلا للحرف غير زائد ، فغير جائز وهو في مصحف المسلمين مثبت صرفه إلى أنه من الزوائد والصلات . [ ص: 463 ]

على أن ذلك ، وإن كان زائدا فيما لا شك أنه من الزوائد ، فإن العرب قد تصل الكلام بزائد ، فتنطق به على نحو منطقها به في حال القطع ، فيكون وصلها إياه وقطعها سواء . وذلك من فعلها دلالة على صحة قراءة من قرأ جميع ذلك بإثبات " الهاء " في الوصل والوقف . غير أن ذلك - وإن كان كذلك - فلقوله : ( لم يتسنه ) حكم مفارق حكم ما كان هاؤه زائدا لا شك في زيادته فيه .

ومما يدل على صحة ما قلنا من أن " الهاء " في " يتسنه " من لغة من قال : " قد أسنهت " " والمسانهة " ما : -

5918 - حدثت به عن القاسم بن سلام قال : حدثنا ابن مهدي ، عن أبي الجراح ، عن سليمان بن عمير قال : حدثني هانئ مولى عثمان قال : كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت ، فقال زيد : سله عن قوله : " لم يتسن " أو " لم يتسنه " فقال عثمان : اجعلوا فيها " هاء " .

5919 - حدثت عن القاسم وحدثنا محمد بن محمد العطار ، عن القاسم ، وحدثنا أحمد والعطار جميعا ، عن القاسم قال : حدثنا ابن مهدي ، عن ابن المبارك قال : حدثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن عن هانئ البربري قال : كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف ، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها : " لم يتسن " " وفأمهل الكافرين " [ الطارق : 17 ] " ولا تبديل للخلق " [ الروم : 30 ] . [ ص: 464 ] قال : فدعا بالدواة ، فمحا إحدى اللامين وكتب ( لا تبديل لخلق الله ) ومحا " فأمهل " وكتب ( فمهل الكافرين ) وكتب : ( لم يتسنه ) ألحق فيها الهاء . .

قال أبو جعفر : ولو كان ذلك من " يتسنى " أو " يتسنن " لما ألحق فيه أبي " هاء " لا موضع لها فيه ، ولا أمر عثمان بإلحاقها فيها .

وقد روي عن زيد بن ثابت في ذلك نحو الذي روي فيه عن أبي بن كعب .

قال أبو جعفر : واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ( لم يتسنه ) .

فقال بعضهم بمثل الذي قلنا فيه من أن معناه : لم يتغير .

ذكر من قال ذلك :

5920 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة بن المفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه : ( لم يتسنه ) لم يتغير .

5921 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( لم يتسنه ) لم يتغير .

5922 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله .

5923 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، [ ص: 465 ] عن السدي : ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) يقول : " فانظر إلى طعامك " من التين والعنب " وشرابك " من العصير " لم يتسنه " يقول : لم يتغير فيحمض التين والعنب ، ولم يختمر العصير ، هما حلوان كما هما . وذلك أنه مر جائيا من الشام على حمار له ، معه عصير وعنب وتين ، فأماته الله ، وأمات حماره ، ومر عليهما مائة سنة .

5924 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) يقول : لم يتغير ، وقد أتى عليه مائة عام .

5925 - حدثني المثنى قال : أخبرنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك بنحوه .

5926 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( لم يتسنه ) لم يتغير .

5927 - حدثنا سفيان قال : حدثنا أبي ، عن النضر ، عن عكرمة : ( لم يتسنه ) لم يتغير .

5928 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : ( لم يتسنه ) لم يتغير في مائة سنة .

5929 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني بكر بن مضر قال : يزعمون في بعض الكتب أن أرميا كان بإيليا حين خربها بختنصر ، فخرج منها إلى مصر فكان بها . فأوحى الله إليه أن اخرج منها إلى بيت المقدس . فأتاها فإذا هي خربة ، فنظر إليها فقال : " أنى يحيي هذه الله بعد موتها " ؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه ، فإذا حماره حي قائم على رباطه ، وإذا طعامه سل عنب [ ص: 466 ] وسل تين ، لم يتغير عن حاله .

قال يونس : قال لنا سلم الخواص : كان طعامه وشرابه سل عنب ، وسل تين ، وزق عصير .

وقال آخرون : معنى ذلك : لم ينتن .

ذكر من قال ذلك :

5930 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( لم يتسنه ) لم ينتن .

5931 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

5932 - حدثني القاسم قال : حدثنا الحسن قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال مجاهد قوله : ( إلى طعامك ) قال : سل تين ( وشرابك ) ، دن خمر ( لم يتسنه ) يقول : لم ينتن .

قال أبو جعفر : وأحسب أن مجاهدا والربيع ومن قال في ذلك بقولهما رأوا أن قوله : ( لم يتسنه ) من قول الله - تعالى ذكره - : ( من حمإ مسنون ) [ الحجر : 26 ، 28 ، 33 ] بمعنى المتغير الريح بالنتن ، من قول القائل : " تسنن " . وقد بينت الدلالة فيما مضى على أن ذلك ليس كذلك .

فإن ظن ظان أنه من " الأسن " من قول القائل : " أسن هذا الماء يأسن أسنا ، [ ص: 467 ] كما قال الله - تعالى ذكره - : ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) [ محمد : 15 ] ، فإن ذلك لو كان كذلك لكان الكلام : فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتأسن ، ولم يكن " يتسنه " .

[ فإن قيل ] : فإنه منه غير أنه ترك همزه ،

قيل : فإنه وإن ترك همزه ، فغير جائز تشديد نونه ، لأن " النون " غير مشددة ، وهي في " يتسنه " مشددة ، ولو نطق من " يتأسن " بترك الهمزة لقيل : " يتسن " بتخفيف نونه بغير " هاء " تلحق فيه . ففي ذلك بيان واضح أنه غير جائز أن يكون من " الأسن " .
القول في تأويل قوله ( وانظر إلى حمارك )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ( وانظر إلى حمارك ) .

فقال بعضهم : معنى ذلك : وانظر إلى إحيائي حمارك ، وإلى عظامه كيف أنشزها ثم أكسوها لحما .

ثم اختلف متأولو ذلك في هذا التأويل .

فقال بعضهم : قال الله - تعالى ذكره - ذلك له بعد أن أحياه خلقا سويا ، ثم أراد أن يحيي حماره تعريفا منه - تعالى ذكره - له كيفية إحيائه القرية التي رآها خاوية على عروشها ، فقال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) ؟ مستنكرا إحياء الله إياها .

ذكر من قال ذلك :

5933 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، [ ص: 468 ] عن وهب بن منبه قال : بعثه الله فقال : ( كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ) إلى قوله : ( ثم نكسوها لحما ) قال : فنظر إلى حماره ياتصل بعض إلى بعض . وقد كان مات معه بالعروق والعصب ، ثم كسا ذلك منه اللحم حتى استوى ثم جرى فيه الروح ، فقام ينهق . ونظر إلى عصيره وتينه ، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير . فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

5934 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ثم إن الله أحيا عزيرا ، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم . قال : بل لبثت مائة عام ! فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ، وانظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ، وانظر إلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما .

فبعث الله ريحا ، فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع ، فاجتمعت ، فركب بعضها في بعض وهو ينظر ، فصار حمارا من عظام ليس له لحم ولا دم . ثم إن الله كسا العظام لحما ودما ، فقام حمارا من لحم ودم وليس فيه روح . ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار ، فنفخ فيه فنهق الحمار ، فقال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

قال أبو جعفر : فتأويل الكلام على ما تأوله قائل هذا القول : وانظر إلى إحيائنا حمارك ، وإلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ، ولنجعلك آية للناس فيكون في قوله : ( وانظر إلى حمارك ) ، متروك من الكلام ، استغني بدلالة ظاهره عليه من ذكره ، وتكون الألف واللام في قوله : ( وانظر إلى العظام ) بدلا من " الهاء " المرادة في المعنى ؛ لأن معناه : وانظر إلى عظامه - يعني : إلى عظام الحمار . [ ص: 469 ]

وقال آخرون منهم : بل قال الله - تعالى ذكره - ذلك له بعد أن نفخ فيه الروح في عينه . قالوا : وهي أول عضو من أعضائه نفخ الله فيه الروح ، وذلك بعد أن سواه خلقا سويا ، وقبل أن يحيي حماره .

ذكر من قال ذلك :

5935 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : كان هذا رجلا من بني إسرائيل نفخ الروح في عينيه ، فينظر إلى خلقه كله حين يحييه الله ، وإلى حماره حين يحييه الله .

5936 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

5937 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : بدأ بعينيه فنفخ فيهما الروح ، ثم بعظامه فأنشزها ، ثم وصل بعضها إلى بعض ، ثم كساها العصب ، ثم العروق ، ثم اللحم . ثم نظر إلى حماره ، فإذا حماره قد بلي وابيضت عظامه في المكان الذي ربطه فيه ، فنودي : " يا عظام اجتمعي ، فإن الله منزل عليك روحا " فسعى كل عظم إلى صاحبه ، فوصل العظام ، ثم العصب ، ثم العروق ثم اللحم ، ثم الجلد ، ثم الشعر ، وكان حماره جذعا ، فأحياه الله كبيرا قد تشنن ، فلم يبق منه إلا الجلد من طول الزمن . وكان طعامه سل عنب ، وشرابه دن خمر . قال ابن جريج عن مجاهد : نفخ الروح في عينيه ، ثم نظر بهما إلى خلقه كله حين نشره الله ، وإلى حماره حين يحييه الله . [ ص: 470 ]

وقال آخرون : بل جعل الله الروح في رأسه وبصره ، وجسده ميت ، فرأى حماره قائما كهيئته يوم ربطه ، وطعامه وشرابه كهيئته يوم حل البقعة . ثم قال الله له : انظر إلى عظام نفسك كيف ننشزها .

ذكر من قال ذلك :

5938 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال : حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : رد الله روح الحياة في عين أرميا وآخر جسده ميت ، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه ، ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه ، لم يطعم ولم يشرب ، ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير ، جديدة .

5940 - حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ قال : حدثنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) ، فنظر إلى حماره قائما قد مكث مائة عام ، وإلى طعامه لم يتغير قد أتى عليه مائة عام ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) فكان أول شيء أحيا الله منه رأسه ، فجعل ينظر إلى سائر خلقه يخلق .

5941 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) فنظر إلى حماره قائما ، وإلى طعامه وشرابه لم يتغير ، فكان أول شيء خلق منه رأسه ، فجعل ينظر [ ص: 471 ] إلى كل شيء منه يوصل بعضه إلى بعض . فلما تبين له قال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

5942 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أنه : أول ما خلق الله منه رأسه ، ثم ركبت فيه عيناه ، ثم قيل له : انظر ! فجعل ينظر ، فجعلت عظامه تواصل بعضها إلى بعض ، وبعين نبي الله - عليه السلام - كان ذلك فقال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

5943 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ) وكان حماره عنده كما هو ( ولنجعلك آية للناس ) ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) . قال الربيع : ذكر لنا - والله أعلم - أنه : أول ما خلق منه عيناه ، ثم قيل انظر ! فجعل ينظر إلى العظام يتواصل بعضها إلى بعض ، وذلك بعينيه فقال : ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) .

4644 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرنا ابن زيد قال قوله : ( وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ) واقفا عليك منذ مائة سنة ( ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام ) يقول : وانظر إلى عظامك كيف نحييها حين سألتنا : " كيف نحيي هذه " ؟ . قال : فجعل الله الروح في بصره وفي لسانه ، ثم قال : ادع الآن بلسانك الذي جعل الله فيه الروح ، وانظر ببصرك . قال : فكان ينظر إلى الجمجمة . قال فنادى : ليلحق كل عظم بأليفه . قال : فجاء كل عظم إلى صاحبه ، حتى اتصلت وهو يراها ، حتى إن الكسرة من العظم لتأتي إلى الموضع الذي انكسرت منه ، فتلصق به حتى وصل إلى جمجمته ، [ ص: 472 ] وهو يرى ذلك . فلما اتصلت شدها بالعصب والعروق ، وأجرى عليها اللحم والجلد ، ثم نفخ فيها الروح ، ثم قال : ( انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) فلما تبين له ذلك ( قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير ) . قال : ثم أمر فنادى تلك العظام التي قال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) كما نادى عظام نفسه ، ثم أحياها الله كما أحياه .

5945 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني بكر بن مضر قال : يزعمون في بعض الكتب أن الله أمات أرميا مائة عام ، ثم بعثه ، فإذا حماره حي قائم على رباطه . قال : ورد الله إليه بصره ، وجعل الروح فيه قبل أن يبعث بثلاثين سنة ، ثم نظر إلى بيت المقدس وكيف عمر وما حوله . قال : فيقولون - والله أعلم - : إنه الذي قال الله - تعالى ذكره - : ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ) الآية .

ومعنى الآية على تأويل هؤلاء : وانظر إلى حمارك ، ولنجعلك آية للناس ، وانظر إلى عظامك كيف ننشزها بعد بلاها ، ثم نكسوها لحما ، فنحييها بحياتك فتعلم كيف يحيي الله القرى وأهلها بعد مماتها . [ ص: 473 ]

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في هذه الآية بالصواب قول من قال : إن الله - تعالى ذكره - بعث قائل : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) من مماته ، ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مر بها بعد مماتها عيانا من نفسه وطعامه وحماره . فجعل - تعالى ذكره - ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مر بها خاوية على عروشها ، وجعل ما أراه من العبرة في طعامه وشرابه عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجنانها . وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل .

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ؛ لأن قوله : ( وانظر إلى العظام ) إنما هو بمعنى : وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزها ، ثم نكسوها لحما .

وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعا نظير الذي لحق عظام من خوطب بهذا الخطاب ، فلم يمكن صرف معنى قوله : ( وانظر إلى العظام ) إلى أنه أمر له بالنظر إلى عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها ، ولا إلى أنه أمر له بالنطر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار - وإذ كان ذلك كذلك - وكان البلى قد لحق عظامه وعظام حماره ، كان الأولى بالتأويل أن يكون الأمر بالنظر إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه ؛ لأن الله - تعالى ذكره - جعل جميع ذلك عليه حجة وله عبرة وعظة .
القول في تأويل قوله ( ولنجعلك آية للناس )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بذلك : ( ولنجعلك آية للناس ) أمتناك مائة عام ثم بعثناك .

وإنما أدخلت " الواو " مع اللام التي في قوله : ( ولنجعلك آية للناس ) وهو [ ص: 474 ] بمعنى " كي " لأن في دخولها في كي وأخواتها دلالة على أنها شرط لفعل بعدها بمعنى : ولنجعلك كذا وكذا فعلنا ذلك . ولو لم تكن قبل " اللام " أعني " لام " كي " واو " كانت " اللام " شرطا للفعل الذي قبلها ، وكان يكون معناه : وانظر إلى حمارك ، لنجعلك آية للناس .

وإنما عنى بقوله : ( ولنجعلك آية ) ولنجعلك حجة على من جهل قدرتي ، وشك في عظمتي ، وأنا القادر على فعل ما أشاء من إماتة وإحياء ، وإنشاء ، وإنعام وإذلال ، وإقتار وإغناء ، بيدي ذلك كله ، لا يملكه أحد دوني ، ولا يقدر عليه غيري .

وكان بعض أهل التأويل يقول : كان آية للناس ؛ بأنه جاء بعد مائة عام إلى ولده وولد ولده ، شابا وهم شيوخ .

ذكر من قال ذلك :

5946 - حدثني المثنى قال : أخبرنا إسحاق قال : حدثنا قبيصة بن عقبة ، عن سفيان قال : سمعت الأعمش يقول : ( ولنجعلك آية للناس ) قال : جاء شابا وولده شيوخ .

وقال آخرون : معنى ذلك أنه جاء وقد هلك من يعرفه ، فكان آية لمن قدم عليه من قومه .

ذكر من قال ذلك :

5947 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قال : رجع إلى أهله ، فوجد داره قد بيعت وبنيت ، وهلك من كان يعرفه ، [ ص: 475 ] فقال : اخرجوا من داري قالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا عزير ! قالوا : أليس قد هلك عزير منذ كذا وكذا ! ! قال : فإن عزيرا أنا هو ، كان من حالي وكان ، فلما عرفوا ذلك ، خرجوا له من الدار ودفعوها إليه .

قال أبو جعفر : والذي هو أولى بتأويل الآية من القول أن يقال : إن الله - تعالى ذكره - أخبر أنه جعل الذي وصف صفته في هذه الآية حجة للناس ، فكان ذلك حجة على من عرفه من ولده وقومه ممن علم موته ، وإحياء الله إياه بعد مماته ، وعلى من بعث إليه منهم .
القول في تأويل قوله تعالى ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها )

قال أبو جعفر : دللنا فيما مضى قبل على أن العظام التي أمر بالنظر إليها هي عظام نفسه وحماره ، وذكرنا اختلاف المختلفين في تأويل ذلك ، وما يعني كل قائل بما قاله في ذلك بما أغنى عن إعادته .

وأما قوله : ( كيف ننشزها ) فإن القرأة اختلفت في قراءته .

فقرأ بعضهم : ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) بضم النون وبالزاي ، وذلك قراءة عامة قرأة الكوفيين ، بمعنى : وانظر كيف نركب بعضها على بعض ، وننقل ذلك إلى مواضع من الجسم .

وأصل " النشوز " : الارتفاع ، ومنه قيل : " قد نشز الغلام " إذا ارتفع [ ص: 476 ] طوله وشب ، ومنه " نشوز المرأة " على زوجها . ومن ذلك قيل للمكان المرتفع من الأرض : " نشز ونشز ونشاز " فإذا أردت أنك رفعته ، قلت : " أنشزته إنشازا " و " نشز هو " إذا ارتفع .

فمعنى قوله : ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) في قراءة من قرأ ذلك بالزاي : كيف نرفعها من أماكنها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد .

وممن تأول ذلك هذا التأويل جماعة من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

5948 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : ( كيف ننشزها ) كيف نخرجها .

5949 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( كيف ننشزها ) قال : نحركها .

وقرأ ذلك آخرون : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " بضم النون . قالوا : من قول القائل : " أنشر الله الموتى فهو ينشرهم إنشارا " وذلك قراءة عامة قرأة أهل المدينة ، بمعنى : وانظر إلى العظام كيف نحييها ، ثم نكسوها لحما .

ذكر من قال ذلك :

5950 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " كيف ننشرها " قال : انظر إليها حين يحييها الله . [ ص: 477 ]

5951 - حدثنا المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله .

5952 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة مثله .

5953 - حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " قال : كيف نحييها .

واحتج بعض قرأة ذلك بالراء وضم نون أوله بقوله : ( ثم إذا شاء أنشره ) [ عبس : 22 ] ، فرأى أن من الصواب إلحاق قوله : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " به .

وقرأ ذلك بعضهم : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " بفتح النون من أوله وبالراء . كأنه وجه ذلك إلى مثل معنى نشر الشيء وطيه . وذلك قراءة غير محمودة ؛ لأن العرب لا تقول : نشر الموتى ، وإنما تقول : " أنشر الله الموتى " فنشروا هم " بمعنى : أحياهم فحيوا هم . ويدل على ذلك قوله : ( ثم إذا شاء أنشره ) وقوله : ( أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ) [ الأنبياء : 21 ] وعلى أنه إذا أريد به حيي الميت وعاش بعد مماته قيل : " نشر " ومنه قول أعشى بني ثعلبة : .


حتى يقول الناس مما رأوا : يا عجبا للميت الناشر
[ ص: 478 ]

وروي سماعا من العرب : " كان به جرب فنشر " إذا عاد وحيي .

قال أبو جعفر : والقول في ذلك عندي أن معنى " الإنشاز " ومعنى " الإنشار " متقاربان ؛ لأن معنى " الإنشاز " : التركيب والإثبات ورد العظام إلى العظام ، ومعنى " الإنشار " إعادة الحياة إلى العظام . وإعادتها لا شك أنه ردها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها . فهما - وإن اختلفا في اللفظ - فمتقاربا المعنى . وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئا يقطع العذر ويوجب الحجة ، فبأيهما قرأ القارئ فمصيب ؛ لانقياد معنييهما ، ولا حجة توجب لإحداهما القضاء بالصواب على الأخرى . [ ص: 479 ]

فإن ظن ظان أن " الإنشار " إذا كان إحياء فهو بالصواب أولى ؛ لأن المأمور بالنظر إلى العظام وهي تنشر إنما أمر به ليرى عيانا ما أنكره بقوله : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) ؟ [ فقد أخطأ ] . فإن إحياء العظام لا شك في هذا الموضع إنما عني به ردها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه ، وهو يحيى ؛ لإعادة الروح التي كانت فارقتها عند الممات . والذي يدل على ذلك قوله : ( ثم نكسوها لحما ) . ولا شك أن الروح إنما نفخت في العظام التي أنشزت بعد أن كسيت اللحم .

وإذ كان ذلك كذلك وكان معنى " الإنشاز " تركيب العظام وردها إلى أماكنها من الجسد ، وكان ذلك معنى " الإنشار " ، وكان معلوما استواء معنييهما ، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه ، ففي ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه .

وأما القراءة الثالثة ، فغير جائزة القراءة بها عندي ، وهي قراءة من قرأ : " كيف ننشرها " بفتح النون وبالراء ؛ لشذوذها عن قراءة المسلمين ، وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب .
[ ص: 480 ] القول في تأويل قوله ( ثم نكسوها لحما )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بقوله : . ( ثم نكسوها ) أي العظام ( لحما ) " والهاء " التي في قوله : ( ثم نكسوها لحما ) من ذكر العظام .

ومعنى " نكسوها " : نلبسها ونواريها به كما يواري جسد الإنسان كسوته التي يلبسها . وكذلك تفعل العرب ، تجعل كل شيء غطى شيئا وواراه ، لباسا له وكسوة ، ومنه قول النابغة الجعدي : .


فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 51.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.21%)]