عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-01-2023, 12:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,188
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام




فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
الحلقة( 244)

من صــ 356 الى صـ 370


(فصل في أن غسل القدمين في الوضوء منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا متواترا)
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -:
غسل القدمين في الوضوء منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا متواترا منقول عمله بذلك وأمره به كقوله في الحديث الصحيح من وجوه متعددة؛ كحديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة: {ويل للأعقاب من النار} وفي بعض ألفاظه: {ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار}. فمن توضأ كما تتوضأ المبتدعة - فلم يغسل باطن قدميه ولا عقبه بل مسح ظهرهما - فالويل لعقبه وباطن قدميه من النار. وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين ونقل عنه المسح على القدمين في موضع الحاجة مثل أن يكون في قدميه نعلان يشق نزعهما.
وأما مسح القدمين مع ظهورهما جميعا فلم ينقله أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مخالف للكتاب والسنة. أما مخالفته للسنة فظاهر متواتر.
وأما مخالفته للقرآن فلأن قوله تعالى {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} فيه قراءتان مشهورتان: النصب والخفض. فمن قرأ بالنصب فإنه معطوف على الوجه واليدين والمعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم.
ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس؛ لأوجه:
أحدها: أن الذين قرءوا ذلك من السلف قالوا: عاد الأمر إلى الغسل.
الثاني: أنه لو كان عطفا على الرءوس لكان المأمور به مسح الأرجل لا المسح بها والله إنما أمر في الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو لا مسح العضو؛ فقال تعالى: {وامسحوا برءوسكم} وقال: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ولم يقرأ القراء المعروفون في آية التيمم وأيديكم بالنصب كما قرءوا في آية الوضوء فلو كان عطفا لكان الموضعان سواء؛ وذلك أن قوله: {وامسحوا برءوسكم} وقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} يقتضي إلصاق الممسوح؛ لأن الباء للإلصاق وهذا يقتضي إيصال الماء والصعيد إلى أعضاء الطهارة. وإذا قيل: امسح رأسك ورجلك: لم يقتض إيصال الماء إلى العضو. وهذا يبين أن الباء حرف جاء لمعنى لا زائدة كما يظنه بعض الناس وهذا خلاف قوله:معاوي إننا بشر فاسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا

فإن الباء هنا مؤكدة فلو حذفت لم يختل المعنى والباء في آية الطهارة إذا حذفت اختل المعنى فلم يجز أن يكون العطف على محل المجرور بها بل على لفظ المجرور بها أو ما قبله.
الثالث: أنه لو كان عطفا على المحل لقرئ في آية التيمم فامسحوا بوجوهكم وامسحوا أيديكم: فكان في الآية ما يبين فساد مذهب الشارح بأنه قد دلت عليه فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه بالنصب؛ لأن اللفظين سواء فلما اتفقوا على الجر في آية التيمم مع إمكان العطف على المحل لو كان صوابا: علم أن العطف على اللفظ ولم يكن في آية التيمم منصوب معطوف على اللفظ كما في آية الوضوء.

الرابع: أنه قال: {وأرجلكم إلى الكعبين} ولم يقل: إلى الكعاب فلو قدر أن العطف على المحل كالقول الآخر؛ وأن التقدير أن في كل رجلين كعبين؛ وفي كل رجل كعب واحد: لقيل: إلى الكعب كما قيل: {إلى المرافق} لما كان في كل يد مرفق وحينئذ فالكعبان هما العظمات الناتئان في جانبي الساق؛ ليس هو معقد الشراك مجمع الساق والقدم كما يقوله من يرى المسح على الرجلين فإذا كان الله تبارك وتعالى إنما أمر بطهارة الرجلين إلى الكعبين الناتئين؛والماسح يمسح إلى مجمع القدم والساق: علم أنه مخالف للقرآن.
الوجه الخامس: أن القراءتين كالآيتين والترتيب في الوضوء: إما واجب؛ وإما مستحب مؤكد الاستحباب فإذا فصل ممسوح بين مغسولين وقطع النظير عن النظير: دل ذلك على الترتيب المشروع في الوضوء.
الوجه السادس: أن السنة تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وهي قد جاءت بالغسل. الوجه السابع: أن التيمم جعل بدلا عن الوضوء عند الحاجة؛ فحذف شطر أعضاء الوضوء وخفف الشطر الثاني؛ وذلك لأنه حذف ما كان ممسوحا ومسح ما كان مغسولا.
وأما القراءة الأخرى - وهي قراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض - فهي لا تخالف السنة المتواترة؛ إذ القراءتان كالآيتين والسنة الثابتة لا تخالف كتاب الله بل توافقه وتصدقه؛ ولكن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عن فهم القرآن؛ فإن القرآن فيه دلالات خفية تخفى على كثير من الناس وفيه مواضع ذكرت مجملة تفسرها السنة وتبينها.
والمسح اسم جنس يدل على إلصاق الممسوح به بالممسوح ولا يدل لفظه على جريانه لا بنفي ولا إثبات.
قال أبو زيد الأنصاري وغيره: العرب تقول: تمسحت للصلاة. فتسمي الوضوء كله مسحا ولكن من عادة العرب وغيرهم إذا كان الاسم عاما تحته نوعان: خصوا أحد نوعيه باسم خاص. وأبقوا الاسم العام للنوع الآخر كما في لفظ الدابة فإنه عام للإنسان وغيره من الدواب لكن للإنسان اسم يخصه فصاروا يطلقونه على غيره. وكذلك لفظ الحيوان؛ ولفظ ذوي الأرحام يتناول لكل ذي رحم؛ لكن للوارث بفرض أو تعصيب اسم يخصه. وكذلك لفظ المؤمن يتناول من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ ومن آمن بالجبت والطاغوت: فصار لهذا النوع اسم يخصه وهو الكافر وأبقي اسم الإيمان مختصا بالأول.

وكذلك لفظ البشارة ونظائر ذلك كثيرة. ثم إنه مع القرينة تارة ومع الإطلاق أخرى يستعمل اللفظ العام في معنيين: كما إذا أوصى لذوي رحمه؛ فإنه يتناول أقاربه من مثل الرجال والنساء. فقوله تعالى في آية الوضوء: وامسحوا برءوسكم وأرجلكم يقتضي إيجاب مسمى المسح بينهما وكل واحد من المسح الخاص الخالي عن الإسالة؛ والمسح الذي معه إسالة: يسمى مسحا؛ فاقتضت الآية القدر المشترك في الموضعين ولم يكن في لفظ الآية ما يمنع كون الرجل يكون المسح بها هو المسح الذي معه إسالة ودل على ذلك قوله: {إلى الكعبين} فأمر بمسحهما إلى الكعبين.

وأيضا فإن المسح الخاص هو إسالة الماء مع الغسل فهما نوعان: للمسح العام الذي هو إيصال الماء ومن لغتهم في مثل ذلك أن يكتفى بأحد اللفظين كقولهم:
علفتها تبنا وماء باردا
والماء سقي لا علف وقوله:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا
والرمح لا يتقلد. ومنه قوله تعالى {يطوف عليهم ولدان مخلدون} {بأكواب وأباريق وكأس} إلى قوله: وحور عين فكذلك اكتفى بذكر أحد اللفظين وإن كان مراده الغسل ودل عليه قوله: {إلى الكعبين} والقراءة الأخرى مع السنة المتواترة. ومن يقول: يمسحان بلا إسالة: يمسحهما إلى الكعاب لا إلى الكعبين فهو مخالف لكل واحدة من القراءتين كما أنه مخالف للسنة المتواترة وليس معه لا ظاهر ولا باطن ولا سنة معروفة وإنما هو غلط في فهم القرآن وجهل بمعناه وبالسنة المتواترة. وذكر المسح بالرجل مما يشعر بأن الرجل يمسح بها بخلاف الوجه واليد فإنه لا يمسح بهما بحال ولهذا جاء في المسح على الخفين اللذين على الرجلين ما لم يجئ مثله في الوجه واليد ولكن دلت السنة مع دلالة القرآن على المسح بالرجلين. ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل والرجل إذا كانت ظاهرة وجب غسلها وإذا كانت في الخف كان حكمها كما بينته السنة. كما في آية الفرائض فإن السنة بينت حال الوارث إذا كان عبدا أو كافرا أو قاتلا. ونظائره متعددة. والله سبحانه أعلم.
وسئل:
عن لمس النساء هل ينقض الوضوء أم لا؟.
فأجاب:

الحمد لله، أما نقض الوضوء بلمس النساء فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. أضعفها: أنه ينقض اللمس وإن لم يكن لشهوة إذا كان الملموس مظنة للشهوة. وهو قول الشافعي؛ تمسكا بقوله تعالى: {أو لامستم النساء} وفي القراءة الأخرى: أو لمستم.
القول الثاني: أن اللمس لا ينقض بحال وإن كان لشهوة. كقول أبي حنيفة وغيره. وكلا القولين يذكر رواية عن أحمد؛ لكن ظاهر مذهبه كمذهب مالك والفقهاء السبعة: أن اللمس إن كان لشهوة نقض وإلا فلا. وليس في المسألة قول متوجه إلا هذا القول أو الذي قبله. فأما تعليق النقض بمجرد اللمس فهذا خلاف الأصول وخلاف إجماع الصحابة وخلاف الآثار. وليس مع قائله نص ولا قياس.

فإن كان اللمس في قوله تعالى {أو لمستم النساء} إذا أريد به اللمس باليد والقبلة ونحو ذلك - كما قاله ابن عمر وغيره -: فقد علم أنه حيث ذكر مثل ذلك في الكتاب والسنة فإنما يراد به ما كان لشهوة مثل قوله في آية الاعتكاف: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ومباشرة المعتكف لغير شهوة لا تحرم عليه بخلاف المباشرة لشهوة. وكذلك المحرم - الذي هو أشد - لو باشر المرأة لغير شهوة لم يحرم عليه ولم يجب عليه به دم. وكذلك قوله: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} وقوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} فإنه لو مسها مسيسا خاليا من غير شهوة لم يجب به عدة ولا يستقر به مهر؛ ولا تنتشر به حرمة المصاهرة: باتفاق العلماء بخلاف ما لو مس المرأة لشهوة ولم يخل بها ولم يطأها: ففي استقرار المهر بذلك نزاع معروف بين العلماء في مذهب أحمد وغيره. فمن زعم أن قوله: {أو لمستم النساء} يتناول اللمس وإن لم يكن لشهوة فقد خرج عن اللغة التي جاء بها القرآن بل وعن لغة الناس في عرفهم فإنه إذا ذكر المس الذي يقرن فيه بين الرجل والمرأة علم أنه مس الشهوة كما أنه إذا ذكر الوطء المقرون بين الرجل والمرأة علم أنه الوطء بالفرج لا بالقدم.
وأيضا فإنه لا يقول: إن الحكم معلق بلمس النساء مطلقا؛ بل بصنف من النساء وهو ما كان مظنة الشهوة. فأما مس من لا يكون مظنة - كذوات المحارم والصغيرة - فلا ينقض بها. فقد ترك ما ادعاه من الظاهر واشترط شرطا لا أصل له بنص ولا قياس؛ فإن الأصول المنصوصة تفرق بين اللمس لشهوة واللمس لغير شهوة لا تفرق بين أن يكون الملموس مظنة الشهوة أو لا يكون وهذا هو المس المؤثر في العبادات كلها؛ كالإحرام والاعتكاف والصيام وغير ذلك وإذا كان هذا القول لا يدل عليه ظاهر اللفظ ولا القياس: لم يكن له أصل في الشرع.
وأما من علق النقض بالشهوة فالظاهر المعروف في مثل ذلك دليل له؛ وقياس أصول الشريعة دليل. ومن لم يجعل اللمس ناقضا بحال فإنه يجعل اللمس إنما أريد به الجماع؛ كما في قوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} ونظائره كثيرة. وفي السنن: أن النبي {قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ؛} لكن تكلم فيه.
وأيضا فمن المعلوم أن مس الناس نساءهم مما تعم به البلوى ولا يزال الرجل يمس امرأته؛ فلو كان هذا مما ينقض الوضوء لكان النبي بينه لأمته؛ ولكان مشهورا بين الصحابة ولم ينقل أحد أن أحدا من الصحابة كان يتوضأ بمجرد ملاقاة يده لامرأته أو غيرها ولا نقل أحد في ذلك حديثا عن النبي: فعلم أن ذلك قول باطل. والله أعلم.
وسئل:
عن مس النساء: هل ينقض الوضوء أم لا؟.
فأجاب:
فيه ثلاثة أقوال للفقهاء: أحدها: أنه لا ينقض بحال. كقول أبي حنيفة وغيره.
والثاني: أنه إن كان له شهوة نقض وإلا فلا. وهو قول مالك وغيره من أهل المدينة. والثالث: ينقض في الجملة وإن لم يكن بشهوة. وهو قول الشافعي وغيره. وعن أحمد بن حنبل ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة لكن المشهور عنه قول مالك. والصحيح في المسألة أحد قولين؛ إما الأول وهو عدم النقض مطلقا؛ وإما القول الثاني وهو النقض إذا كان بشهوة.
وأما وجوب الوضوء من مجرد مس المرأة لغير شهوة فهو أضعف الأقوال ولا يعرف هذا القول عن أحد من الصحابة ولا روى أحد عن النبي أنه أمر المسلمين أن يتوضئوا من ذلك؛ مع أن هذا الأمر غالب لا يكاد يسلم فيه أحد في عموم الأحوال؛ فإن الرجل لا يزال يناول امرأته شيئا وتأخذه بيدها وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به فلو كان الوضوء من ذلك واجبا لكان النبي يأمر بذلك مرة بعد مرة ويشيع ذلك ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو بأخبار الآحاد فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحدا من المسلمين بشيء من ذلك - مع عموم البلوى به - علم أن ذلك غير واجب وأيضا فلو أمرهم بذلك لكانوا ينقلونه ويأمرون به. ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه أمر بالوضوء من مجرد المس العاري عن شهوة بل تنازع الصحابة في قوله تعالى {أو لامستم النساء} فكان ابن عباس وطائفة يقولون: الجماع ويقولون: الله حيي كريم يكني بما يشاء عما شاء. وهذا أصح القولين. وقد تنازع عبد الله بن عمر والعرب وعطاء بن أبي رباح والموالي هل المراد به الجماع أو ما دونه؟ فقالت العرب: هو الجماع.
وقالت: الموالي هو ما دونه. وتحاكموا إلى ابن عباس فصوب العرب وخطأ الموالي. وكان ابن عمر يقول: قبلة الرجل امرأته ومسها بيده من الملامسة وهذا قول مالك وغيره من أهل المدينة. ومن الناس من يقول: إن هذا قول ابن عمر وابن مسعود؛ لكونهما كانا لا يريان التيمم للجنب؛ فيتأولان الآية على نقض الوضوء. ولكن قد صرح في الآية أن الجنب يتيمم. وقد ناظر أبو موسى ابن مسعود بالآية فلم يجبه ابن مسعود بشيء وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه: فعلم أن ذلك كان من عدم استحضاره لموجب الآية.
ومعلوم أن الصحابة الأكابر الذين أدركوا النبي لو كانوا يتوضؤون من مس نسائهم مطلقا؛ ولو كان النبي أمرهم بذلك: لكان هذا مما يعلمه بعض الصغار؛ كابن عمر وابن عباس وبعض التابعين فإذا لم ينقل ذلك صاحب ولا تابع: كان ذلك دليلا على أن ذلك لم يكن معروفا بينهم وإنما تكلم القوم في تفسير الآية والآية إن كان المراد بها الجماع فلا كلام وإن كان أريد بها ما هو أعم من الجماع فيقال: حيث ذكر الله تعالى في كتابه مس النساء ومباشرتهن ونحو ذلك: فلا يريد به إلا ما كان على وجه الشهوة واللذة وأما اللمس العاري عن ذلك فلا يعلق الله به حكما من الأحكام أصلا وهذا كقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} فنهى العاكف عن مباشرة النساء مع أن العلماء يعلمون أن المعتكف لو مس امرأته بغير شهوة لم يحرم ذلك عليه وقد ثبت في الصحيح عن النبي {: أنه كان يدني رأسه إلى عائشة رضي الله عنها فترجله وهو معتكف} ومعلوم أن ذلك مظنة مسه لها ومسها له.
وأيضا فالإحرام أشد من الاعتكاف ولو مسته المرأة لغير شهوة لم يأثم بذلك ولم يجب عليه دم. وهذا الوجه يستدل به من وجهين: من جهة ظاهر الخطاب؛ ومن جهة المعنى والاعتبار؛ فإن خطاب الله تعالى في القرآن بذكر اللمس والمس والمباشرة للنساء ونحو ذلك: لا يتناول ما تجرد عن شهوة أصلا ولم يتنازع المسلمون في شيء من ذلك إلا في آية الوضوء والنزاع فيها متأخر؛ فيكون ما أجمعوا عليه قاضيا على ما تنازع فيه متأخروهم.

وأما طريق الاعتبار فإن اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئا من الأحكام ولا جعله موجبا لأمر ولا منهيا عنه في عبادة ولا اعتكاف ولا إحرام؛ ولا صلاة ولا صيام؛ ولا غير ذلك ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة؛ ولا يثبت شيئا غير ذلك بل هذا في الشرع كما لو مس المرأة من وراء ثوبها ونحو ذلك من المس الذي لم يجعله الله سببا لإيجاب شيء ولا تحريم شيء.
وإذا كان كذلك كان إيجاب الوضوء بهذا مخالفا للأصول الشرعية المستقرة مخالفا للمنقول عن الصحابة وكان قولا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة؛ بل المعلوم من السنة مخالفته بل هذا أضعف ممن جعل المني نجسا فإن القول بنجاسة المني ضعيف فإذا كان النبي لم يأمر أحدا بغسل ما يصيب بدنه أو ثيابه من المني مع كثرة ما كان يصيب الناس من ذلك في حياته؛ وقد أمر الحائض أن تغسل ما أصاب ثوبها من الدم مع أن ذلك قليل بالنسبة لإصابة المني للرجال؛ ولو كان ذلك واجبا لبينه بل كان يغسل ويمسح تقذرا كما كانت عائشة رضي الله عنها تارة تغسله وتارة تفركه من ثوبه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.49 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.02%)]